باسم سلامة القليطي
ليس كل ما نتعلمه يبقى في دفاترنا، وليس كل ما ندرسه ينتهي بانتهاء الاختبار. بعض ما نتعلمه يتحول إلى طريقةٍ في التفكير، وبعضه يصبح عادةً في العمل، وبعضه يستقر في الشخصية حتى لا نعود نعرف أين بدأ أثره فينا. ولهذا فإن الحديث عن العلم ليس حديثاً عن مدرسةٍ وكتابٍ وشهادةٍ فحسب، وإنما عن الإنسان الذي نريد أن نصنعه، والمجتمع الذي نريد أن نعيش فيه، والوطن الذي نريد أن نتركه للأجيال القادمة.
وقد اختصر القرآن الكريم الفرق بين المعرفة والجهل في سؤالٍ لا يحتاج إلى كثير شرح: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ). فالعلم يغيّر موقع الإنسان من الحياة؛ يجعله أقدر على الفهم، وأحسن في الاختيار، وأكثر إدراكاً لعواقب أفعاله. ولهذا رفع الله أهل العلم درجات، فقال سبحانه: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ). وما أعظم أن ينشأ الطالب وهو يدرك أن ما يفعله في مقعده الدراسي اليوم ليس إعداداً لوظيفة الغد فقط، بل بناءٌ للإنسان الذي سيكونه.
من هنا يصبح حضور الطالب إلى مدرسته، وحرصه على دروسه، واجتهاده في تحصيله، واحترامه لوقته، أموراً تتجاوز كونها واجباتٍ مدرسية؛ إنها تدريب مبكر على الحياة. فالطبيب الذي سيعالجنا غداً، والمهندس الذي سيبني، والمعلم الذي سيربي أبناءنا، والباحث الذي سيضيف معرفةً جديدة، والمسؤول الذي سيتخذ قراراً يمس حياة الناس؛ كل هؤلاء كانوا في يومٍ من الأيام طلاباً يجلسون في فصولهم.
النجاح لا يبدأ من لحظة التخرج، وإنما من قدرة الإنسان على أن يختار ما ينفعه، ثم يثابر عليه. والحضور المنتظم، والمذاكرة، والسؤال، ومحاولة فهم ما يصعب عليه، والعودة إلى الخطأ لتصحيحه، عادات تبدو صغيرة، لكنها تصنع مع الوقت شخصيةً تعرف معنى المسؤولية.
لكن الطالب لا يصل وحده. وراء كل طالبٍ أسرة، وفي الطريق معلم، وحوله مجتمعٌ إمّا أن يعينه على ما يتعلّمه، وإمّا أن يبدّد أثره. والأسرة لا ينبغي أن تختصر علاقتها بتعليم أبنائها في متابعة الدرجات والاختبارات؛ فالدرجة تخبرنا بشيء، لكنها لا تخبرنا بكل شيء. الأهم أن نعرف كيف يفكر الابن، ومن يصاحب، وما الذي يشاهده، وكيف يتعامل مع معلمه، وهل أصبح أكثر التزاماً ومسؤوليةً واحتراماً للآخرين.
إن التربية التي لا تلتفت إلا إلى التحصيل قد تخرج طالباً متفوقاً في الاختبار، لكنها قد لا تخرج إنساناً متوازناً في الحياة. ومن هنا تأتي أهمية متابعة الأبناء، لا بوصفها رقابةً خانقة، وإنما بوصفها قرباً واهتماماً وحواراً. ومن أهم أبواب هذه المتابعة معرفة الصُحبة؛ فالرفيق قد يفتح للإنسان باباً من الخير، وقد يسحبه بهدوء إلى عاداتٍ وأفكارٍ وسلوكيات تترك أثرها في دينه وأخلاقه ودراسته. والابن الذي يجد أسرةً حاضرةً في حياته، تسأله وتسمعه وتوجهه، يكون أكثر قدرةً على مواجهة المؤثرات التي تأتيه من كل اتجاه.
وفي قلب هذه المنظومة يقف المعلم؛ لا بوصفه شارحاً لمقررٍ دراسي فحسب، وإنما بوصفه إنساناً يمر في حياة أبنائنا فيترك فيها شيئاً منه. قد ينسى الطالب درساً شرحه معلمه، وقد تتوارى من ذاكرته تفاصيل كثيرة مما قرأه في الكتاب، لكنه لا ينسى بسهولة معلماً أنصفه حين أخطأ، أو شجعه حين تردد، أو رأى فيه قدرةً لم يكن يراها في نفسه. فبعض ما يقدمه المعلم لا يُقاس بما حفظه الطالب، وإنما بما أصبح عليه.
فالمعلم لا يسلّم الطالب معرفةً ثم يمضي، بل يشارك في بناء عقله وشخصيته ونظرته إلى العلم والحياة. وقد لا يرى ثمرة ما زرعه؛ لأن كلمةً قالها اليوم قد تصنع قراراً بعد سنوات، وقيمةً غرسها في طالب قد تنتقل إلى أسرةٍ كاملة. ومن هنا فإن احترام المعلم ليس احتراماً لمهنةٍ فحسب، بل تقديرٌ لرسالةٍ تصنع الإنسان قبل أن تصنع المتعلم.
لكن العلم الذي نريده لأبنائنا ليس علماً بلا بوصلة. فما قيمة عقلٍ واسع المعرفة إذا كان عاجزاً عن التمييز بين الصواب والخطأ؟ وما قيمة القدرة على التفكير إذا قادها الغلو أو التعصب؟ إن بناء الإنسان المتعلم لا يكتمل إلا ببناء وعيه الأخلاقي والفكري؛ ولذلك تظل القيم الإسلامية، والوسطية والاعتدال، والحذر من الغلو والتطرف، عناصر أساسية في العملية التعليمية والتربوية.
وفي زمنٍ تتعدد فيه مصادر المعرفة، لم يعد السؤال: «كم تعرف؟» فقط، وإنما أصبح أيضاً: «كيف تعرف؟ وكيف تتحقق؟ وكيف تميز؟». فليست كل فكرةٍ منتشرة صحيحة، ولا كل رأيٍ متداول يستحق الاتباع. والإنسان الواعي ليس الذي يرفض كل جديد، ولا الذي يقبل كل جديد، وإنما الذي يملك عقلاً يفكر، وميزاناً يزن به، وقيمةً تضبط اختياراته.
من هنا تأتي التربية على محبة الوطن والولاء له، واحترام أنظمته، والمحافظة على أمنه ومكتسباته، والإسهام في تقدمه؛ فالوطنية الحقيقية ليست كلماتٍ تُقال، وإنما علمٌ يُطلب، وعملٌ يُتقن، وأمانةٌ تُؤدّى.
نسأل الله أن يحفظ خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، وأن يوفقهما لكل خير، ويديم على بلادنا أمنها واستقرارها وازدهارها.
ولعل أجمل ما يمكن أن نخرج به من الحديث عن العلم أن ننظر إلى العملية التعليمية باعتبارها مشروعاً لبناء المستقبل، لا مرحلةً تنتهي بشهادة. فالطالب ليس رقماً في سجل الحضور، والمعلم ليس اسماً في جدول الحصص، والأسرة ليست طرفاً خارج المدرسة، والتعليم ليس مسؤولية مؤسسةٍ واحدة.
إنها منظومةٌ واحدة؛ تبدأ من طالبٍ يتعلم كيف يتحمل مسؤوليته، وأسرةٍ تتابع وتحتوي وتوجه، ومعلمٍ يرى في التعليم رسالةً تتجاوز المقرر، ومجتمعٍ يدرك أن ما يزرعه اليوم في أبنائه سيظهر غداً في سلوكهم وقراراتهم وأعمالهم.
وحين نعلّم إنساناً، فإننا لا نضيف معلومةً إلى عقله فقط، بل نوسّع قدرته على فهم الحياة وصناعة مستقبله وخدمة من حوله. وحين نغرس فيه قيمةً صحيحة، فقد لا يتوقف أثرها عنده؛ قد تنتقل إلى أسرةٍ كاملة، ثم إلى مجتمع، ثم إلى وطن.
لهذا لا يبدأ مستقبل الأوطان في المكاتب الكبرى دائماً؛ قد يبدأ في فصلٍ صغير، أمام معلمٍ مخلص، وكتابٍ مفتوح، وطالبٍ قرر أن يأخذ مستقبله بجدية.
فالأمم لا تبني مستقبلها بما تملك من موارد فقط، وإنما بما تصنعه من عقول، وما تغرسه في هذه العقول من علمٍ وقيمٍ ومسؤولية.