ناصر بن فريوان الشراري
في عالم الصناعة الحديثة، تبدو الصين، للوهلة الأولى، كأنها تملك إجابة جاهزة عن معظم الأسئلة التصنيعية، فهي أكبر قاعدة صناعية في العالم، وتنتج طيفًا واسعًا من التقنيات المتقدمة، وتمتلك قدرة هائلة على حشد رأس المال والموارد والكفاءات، غير أن هذه الصورة الواسعة تخفي استثناءً بالغ الأهمية: الطيران المدني، وتحديدًا المحرك النفاث التجاري؛ قلب الطائرة النابض.
فحين يتعلق الأمر بصناعة طائرة ركاب قادرة على التحليق آلاف الساعات بأمان وكفاءة، لا يكفي امتلاك مصانع ضخمة أو القدرة على تجميع مئات الأجزاء المعقدة، التحدي الحقيقي يكمن في بلوغ أقصى درجات الإتقان في علوم المواد، وتصميم المحركات، والمعالجة الحرارية، واختبار الاعتمادية على مدى زمني طويل، ولهذا تقف الصين اليوم على أعتاب الطيران المدني العالمي: لقد قطعت شوطًا مهمًا في بناء هيكل الطائرة، لكنها لم تتمكن بعد من امتلاك القلب الذي يمنحها الاستقلال الكامل.
المحرك النفاث: حيث تتقدم الفيزياء على الصناعة
لا تُصنع محركات الطائرات المدنية وفق منطق التجميع الميكانيكي التقليدي، إنها منظومات هندسية تعمل في واحدة من أقسى البيئات الصناعية التي ابتكرها الإنسان، إذ تتعرض مكوناتها لدرجات حرارة وضغوط واهتزازات هائلة، بينما يُطلب منها أن تحافظ على أداء ثابت وآمن لسنوات طويلة، وبما قد يتجاوز عشرات آلاف ساعات الطيران.
وتزداد صعوبة المهمة لأن الأجزاء الأكثر حساسية في المحرك، ولا سيما شفرات التوربين، تعمل في ظروف حرارية تقترب من الحدود القصوى التي تسمح بها المواد المستخدمة، ولا يعتمد نجاحها على نوع المعدن وحده، بل على تركيب السبائك، ونسب العناصر الداخلة فيها، وطرق الصب والتشكيل، والمعالجة الحرارية، والطلاءات الواقية، وأنظمة التبريد الدقيقة التي تمر داخل الشفرات نفسها.
ومن هنا، فإن تفكيك محرك أجنبي ودراسة مكوناته لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على إنتاج محرك مماثل، فالهندسة العكسية قد تكشف الشكل والأبعاد ومبادئ العمل، لكنها لا تكشف بسهولة الخبرة المتراكمة في اختيار المواد ومعالجتها، ولا أسرار التصنيع التي تُكتسب عبر عقود من التجارب والاختبارات والفشل والتحسين المستمر، المشكلة ليست في معرفة كيف يعمل المحرك فحسب، بل في القدرة على ضمان أنه سيعمل بأمان وكفاءة بعد آلاف الرحلات.
احتكار محدود.. لكنه شديد الصلابة
لهذه الأسباب، ظلت تكنولوجيا محركات الطائرات المدنية الحديثة محصورة في عدد محدود من القوى الصناعية، أبرزها الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا وروسيا، مع اختلاف طبيعة الخبرات والمنتجات التي راكمتها كل دولة، وقد نشأ هذا التفوق من تداخل طويل بين الجامعات ومراكز الأبحاث والشركات الصناعية والمؤسسات العسكرية، قبل أن ينتقل جزء كبير منه إلى قطاع الطيران المدني.
إن ما يحمي هذا التفوق ليس براءة اختراع منفردة يمكن تجاوزها، ولا آلة واحدة يمكن شراؤها، بل منظومة متكاملة من المعرفة، إنها شبكة من علوم الديناميكا الهوائية، والاحتراق، والتبريد، والمواد المركبة، والسبائك فائقة التحمل، فضلًا عن قواعد بيانات هائلة ناتجة عن الاختبارات والخدمة الفعلية والصيانة عبر ملايين ساعات التشغيل.
ويتوزع هذا التحدي على مستويات متداخلة، فعلى مستوى علم المواد، ينبغي تطوير سبائك تتحمل الحرارة والضغط والإجهاد المتكرر لفترات طويلة، وعلى مستوى التصنيع، يجب إنتاج أجزاء متطابقة تقريبًا ضمن هوامش خطأ بالغة الصغر، ثم تأتي مسألة الاعتمادية، أي ضمان أداء مستقر في ظروف تشغيل متغيرة وعلى مدى آلاف الساعات، ولا تكتمل العملية من دون اختبارات قاسية تحاكي الأعطال والظروف الاستثنائية، إلى جانب القدرة على تحويل نتائج التجارب والإخفاقات إلى معرفة صناعية قابلة للتكرار.
طائرة C919: إنجاز مهم واستقلال ناقص
شكّلت طائرة Comac C919 خطوة سياسية وصناعية مهمة في مسار الصين نحو بناء قطاع طيران مدني مستقل، فقد مثّلت دخولًا صينيًا جادًا إلى سوق الطائرات ذات الممر الواحد، وهو السوق الذي تهيمن عليه تقليديًا طائرات بوينغ وإيرباص.
لكن هذا الإنجاز، على أهميته لا يعني أن الصين تجاوزت جميع حلقات الاعتماد الخارجي، فقد دخلت الطائرة الخدمة بمحرك LEAP-1C، الذي يرتبط بإنتاج مشترك بين شركة جنرال إلكتريك للطيران وشركة سافران الفرنسية، وبذلك أصبح واضحًا أن الصين استطاعت تطوير هيكل الطائرة وأنظمتها ودمج مكوناتها، لكنها لا تزال تعتمد على التكنولوجيا الغربية في أكثر عناصرها حساسية.
ولا ينتقص هذا الاعتماد من قيمة مشروع C919، فتصميم طائرة تجارية والحصول على اعتمادها وتشغيلها تجاريًا إنجاز بالغ التعقيد، غير أن التجربة كشفت بوضوح حدود الاستقلال الصناعي الصيني: امتلاك الطائرة لا يساوي امتلاك منظومة الطيران كاملة، ما دام المحرك، وبعض الأنظمة الحيوية وسلاسل الإمداد المرتبطة به، خارج السيطرة الوطنية الكاملة.
مشروع CJ-1000A: الطريق الطويل إلى البديل المحلي
تدرك بكين أن استمرار الاعتماد على محركات أجنبية يترك مشروعها الجوي عرضة للضغوط السياسية والتجارية، ولذلك تدفع شركة AECC الحكومية باتجاه تطوير المحرك المحلي CJ-1000A، ويهدف المشروع إلى توفير بديل صيني لمحركات الطائرات التجارية ذات الممر الواحد، بما يمنح طائرة C919، وغيرها من المشاريع المستقبلية، قدرًا أكبر من الاستقلال.
وقد أحرز البرنامج تقدمًا في الاختبارات والتطوير، مستفيدًا من الموارد المالية والبشرية التي تحشدها الدولة، إلا أن الانتقال من محرك تجريبي إلى محرك تجاري معتمد ليس انتقالًا بسيطًا، فالمحرك يجب أن يثبت انتظام أدائه، وكفاءة استهلاكه للوقود، وقدرته على تحمل التشغيل المستمر، وسلامة مكوناته بعد دورات طويلة من الإقلاع والهبوط والظروف الجوية المختلفة.
والأهم من ذلك أن شركات الطيران لا تشتري وعدًا تقنيًا، بل تشتري سجلًا موثوقًا من الاعتمادية، لذلك قد يكون بلوغ مرحلة التشغيل الأولي أسهل نسبيًا من بناء الثقة العالمية، وتوفير قطع الغيار، وتأسيس شبكة الصيانة، وإقناع شركات الطيران بأن تكلفة المخاطر التشغيلية لمحرك جديد لن تفوق مزاياه الاقتصادية أو السياسية.
لماذا لا تكفي الطائرة وحدها لكسر هيمنة بوينغ وإيرباص؟
يرتبط تأخر الصين في المحركات ارتباطًا مباشرًا باستمرار هيمنة بوينغ وإيرباص، لكنه ليس العامل الوحيد، فصناعة الطائرات التجارية تقوم على منظومة واسعة، ولا يمكن اختزالها في التصميم أو القدرة على الإنتاج.
أول هذه العوامل هو الاعتماد التنظيمي، فالحصول على شهادات السلامة من الهيئات المعترف بها دوليًا، مثل إدارة الطيران الفيدرالية الأمريكية والوكالة الأوروبية لسلامة الطيران، يتطلب اختبارات طويلة ومعايير دقيقة وإثباتًا مستمرًا للامتثال، ولا يكفي أن تكون الطائرة صالحة للتحليق من الناحية الهندسية؛ بل ينبغي أن تثبت قدرتها على العمل الآمن والمتكرر في ظروف تشغيلية متنوعة.
أما العامل الثاني فهو شبكة الصيانة والإمداد العالمية، فشركة الطيران لا تشتري جسم طائرة ومحركًا فحسب، بل تشتري منظومة تشغيل متكاملة: قطع غيار متاحة، ومهندسين مدربين، ومراكز صيانة، وبرمجيات، ودعمًا فنيًا، واستجابة سريعة للأعطال في مختلف المطارات، وقد بنت بوينغ وإيرباص هذه الشبكات عبر عقود طويلة، حتى أصبحت جزءًا من قيمة المنتج نفسه.
ويأتي بعد ذلك عامل اقتصاديات الحجم، فتطوير طائرة تجارية جديدة يتطلب استثمارات هائلة، ولا يمكن استردادها إلا من خلال بيع أعداد كبيرة لطيف واسع من شركات الطيران، وفي سوق تتسم بهوامش ربح ضيقة وحساسية عالية تجاه السلامة، تميل شركات الطيران إلى تفضيل الطائرات والمحركات التي أثبتت نفسها، حتى لو كان البديل الجديد أقل تكلفة أو أكثر جاذبية سياسيًا.
وتستند أفضلية الشركات الراسخة إلى عناصر متشابكة؛ فهي تمتلك خبرة طويلة وسجلًا واسعًا في تشغيل المحركات، بينما يتعين على الصين إثبات الاعتمادية والقدرة على الإنتاج المتسلسل، كما تتمتع تلك الشركات بخبرة متراكمة في التعامل مع الهيئات التنظيمية، في حين ما زالت الصين مطالبة باجتياز اختبارات معقدة وبناء اعتراف دولي واسع، وتملك الشركات الكبرى شبكات صيانة وقطع غيار جاهزة في أنحاء العالم، بينما تحتاج الصين إلى إنشاء منظومة دعم متكاملة في أسواق متعددة، كذلك تستفيد بوينغ وإيرباص من آلاف الطائرات وعقود الخدمة الطويلة، وهو ما يخفض تكلفة الوحدة ويعزز ثقة العملاء، أما الصين فعليها أن تحول إنجازها الوطني إلى ثقة تجارية عالمية قابلة للاستمرار.
عقبة المعادن وعقدة الزمن
تستطيع الصين تسريع بناء المصانع، وزيادة الإنفاق على البحث والتطوير، وتعبئة الجامعات والشركات خلف مشروع وطني واحد، لكنها لا تستطيع اختصار الزمن بالكامل، فبعض أسرار صناعة المحركات لا تظهر إلا بعد تشغيل طويل، وبعض العيوب لا تكشفها المختبرات مهما بلغت دقتها، بل تظهر في ظروف الخدمة الفعلية وعبر تراكم ساعات الطيران.
وهنا تكمن المفارقة الصينية: تمتلك البلاد قدرة استثنائية على اللحاق السريع في القطاعات التي يمكن قياسها وتقليدها وتوسيع إنتاجها، لكن محركات الطائرات المدنية تنتمي إلى فئة مختلفة، إنها صناعة تتطلب تراكمًا بطيئًا للثقة بقدر ما تتطلب تقدمًا سريعًا في الهندسة، وقد تستطيع الصين أن تنتج محركًا يعمل، لكن التحدي الأكبر هو إنتاج محرك يعمل بكفاءة وثبات وأمان، ثم يكرر ذلك الأداء آلاف المرات وفي أساطيل واسعة.
خاتمة: السور الأخير أمام الطموح الصيني
لا تقف الصين بعيدًا عن الطيران المدني بسبب نقص المال أو المصانع أو المهندسين، بل تقف أمام منظومة بالغة التعقيد، يمثل المحرك مركزها الأكثر حساسية، لقد قطعت بكين خطوات مهمة في تصميم الطائرات وتجميعها وتشغيلها، وأثبتت أن دخولها سوق الطيران التجاري لم يعد طموحًا نظريًا، غير أن الانتقال من منتج وطني ناجح إلى منافس عالمي متكامل يتطلب إغلاق حلقات الاعتماد، وفي مقدمتها حلقة المحرك.
ستظل سماء الطيران المدني محكومة بقواعد تفرضها المادة والفيزياء قبل أن تفرضها السياسة والاقتصاد، وستبقى محركات الطائرات، في المدى المنظور، السور الأخير الذي يحمي التفوق التقني للدول الرائدة، وتحاول الصين تجاوز هذا السور لا بالمال والإنتاج الضخم وحدهما، بل ببناء عقود من الخبرة في أدق تفاصيل المعادن، وأصغر حدود الخطأ، وأطول اختبارات الاعتمادية.
وعندما تنجح في ذلك، لن تكون قد صنعت محركًا محليًا فحسب، بل ستكون قد امتلكت مفتاح الدخول الحقيقي إلى نادي الطيران المدني العالمي.