د. إبراهيم بن جلال فضلون
ليس خافياً على المتابعين للشأن الاقتصادي الإقليمي والدولي أن المملكة العربية السعودية تشهد تحولاً هيكلياً غير مسبوق في بنيتها الاقتصادية والمالية.
أولاً: الصدارة الإقليمية والتموضع في نادي العشرين العالمي.
في الأشهر الأخيرة، تصدّر خبر لافت عناوين الصحافة الاقتصادية العالمية: السعودية تنتج مليونيراً جديداً كل ساعة تقريباً، وهي قصة أصيلة تحمل بنيتها الأرقام لأخيرة الصادرة في «تقرير الثروة العالمية 2026 عن بنك UBS السويسري والذي يرصد أكثر من 90 % من الثروات العالمية، قد وضعت معياراً جديداً لتقييم عمق هذا التحول؛ وسيطرة المملكة العربية السعودية على جميع الدول العربية بامتلاكها نحو 348 ألف مليونير بالدولار الأمريكي بمعدل «مليونير جديد كل ساعة» في السعودية (أي بواقع 24 مليونير يومياً خلال عام 2025)، متقدم بفارق على دولة الإمارات العربية المتحدة التي تخدمها أيضًا 183 ألف مليونير، لتكون المملكة هي الدولة الوحيدة التي تريد لنفسها مقعدًا ثابتًا ضمن قائمة فتح الدولة الأكثر احتضانًا للمليونيرات على مستوى العالم، وتتعامل نحو 8.7 ألف مليونير جديد خلال عام واحد فقط، وبلغت الزيادة نحو 2.7 %.
إذاً: ليست تلك مجرد طفرة رقمية عابرة أو نتيجة لتضخم أسعار الأصول الاستهلاكية، بل هي تجسيد عملي لثمار الإصلاحات الهيكلية الشاملة التي قادتها رؤية السعودية 2030، والتحول الجوهري في فلسفة إدارة الثروات والادخار والاستثمار في أضخم اقتصاد عربي، لكن الأهم من «الكم» هنا هو «الكيف»، فحين نفحص الأمر، نكتشف أن نحو 59 % من أصولها لا عقارية، وأن نسبة المديونية إلى إجمالي لا يتجاوز 6 %، وهي من أقل النسب، وهما رقمان فقط لسوق مختلفة عن «ثروة النفط التقليدية، منتقلة من الادخاري إلى الاستثماري.
ثانياً: جودة الثروة.. عمق الأصول المالية وانضباط الائتمان.
تأتي هذه الطفرة الوطنية في وقت شهد فيه العالم إضافة نحو مليون مليونير جديد (بمعدل يتجاوز 2,680 مليونير يومياً)، متأثرة بزيادة الثروات الشخصية عالمياً بنسبة 10 %. وبينما تستحوذ الولايات المتحدة على ما يقرب من نصف المليونيرات الجدد عالمياً، تليها الصين بـ 5.3 مليون واليابان بـ 2.9 مليون، تقف السعودية في المرتبة 13 عالمياً لتعبر عن ديناميكية استثنائية للاقتصاد السعودي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
وعند تفكيك هيكل الثروة لدى المليونيرات في السعودية، نصل إلى نتائج استراتيجية تتجاوز الحجم إلى «نوعية وجودة» هذه المحافظ:
عمق الأصول المالية: تشكل الأصول المالية نحو 59 % من إجمالي ثروات المليونيرات في المملكة، مما يضع السعودية في المرتبة 13 عالمياً من حيث نسبة الأصول المالية، وهو ما يعكس الانتقال التاريخي من نمط «الثروة الخاملة» أو المجمدة في العقارات التقليدية والأراضي غير المستغلة، إلى «الثروة النشطة» المستثمرة في أدوات الأسهم، الصناديق الاستثمارية، أدوات الدين، والشركات الناشئة.
أدنى مستويات المديونية عالمياً: جاءت المملكة في المرتبة الثانية كأقل دول العالم في نسبة الديون إلى إجمالي الثروة بنحو 6 % فقط.
هذه الملاءة المالية المرتفعة للغاية توفر للمستثمرين والأفراد ملاءة صلبة ومناعة مرتفعة ضد تقلبات أسعار الفائدة العالمية والمخاطر الجيوسياسية.
ثالثاً: المحركات الهيكلية للطفرة الاستثمارية.
لم تكن هذه النتيجة وليدة المصادفة، بل استندت إلى ثلاثية بيئية تمكينية متكاملة أوجدتها السياسات الاقتصادية الحديثة:
تطور ثقافة الاستثمار والادخار: تحول الوعي المالي لدى الأفراد والشركات من الاستهلاك المفرط إلى التخطيط المالي طويل الأجل، مدعوماً برفع كفاءة الأسواق المالية (السوق المالية السعودية - تداول وسوق نمو) وتوفير منتجات ادخارية مبتكرة بدعم حكومي وتسهيلات تنظيمية.
إعادة تقييم الأصول وتنوع الفرص: شهدت العقارات النوعية والمشاريع الكبرى إعادة تقييم نمت معها ثروات الملاك، مترافقة مع تنوع الفرص الاستثمارية في قطاعات واعدة كالتكنولوجيا، اللوجستيات، السياحة، والطاقة المتجددة.
التشريعات الحافزة وتسهيل ممارسة الأعمال: خلق بيئة تدعم حرية الحركة الرأسمالية، وتعزز الحوكمة، وتحمي حقوق المستثمرين.
رابعاً: الرؤية الاستراتيجية.. من نمو الثروات إلى التنمية المستدامة.
هذا التحول لم يأتِ من فراغ، فمنذ نجاح برنامج الإصلاح الاقتصادي الشامل ضمن رؤية 2030، تغير متطلبات اللعبة، وانفتحت الأسواق المالية أمام المستثمرين الجدد، وتوسّعت قاعدة الشركات المدرجة، وتحويل صندوق الاستثمارات العامة من عدد استثماري تقليدي إلى محرك تنموي يعيد رسم الشتاء كاملة، وكما تُظهر أدبيات الاقتصاد المالي، فإن عدد المليونيرات لا يعكس دائماً قوة الاقتصاد الكلي وحسب، بل يوضح طبيعة الثقافة الاستثمارية ومدى توفر الحوافز. وبناءً على ذلك، فإن التحدي الاستراتيجي الأبرز اليوم أمام مُتخذي القرار والمستثمرين في السعودية لا يكمن فقط في زيادة أعداد الأثرياء، بل في توجيه هذه السيولة والثروات المحلية نحو الاستثمار الجريء، والقطاعات الإنتاجية، والصناعات المبتكرة التي تخلق فرص العمل وتدعم التنويع الاقتصادي.
إذاً: الهدف الأسمى لرؤية 2030 هو تحويل القدرة المالية للقطاع الخاص والأفراد إلى محرك تنموي مستدام يولد الوظائف النوعية ويدعم الاقتصاد المعرفي.»
خامساً: السعودية بين الأمس وغداً
وإذا قارنا بين ثلاث مراحل تركيبة الثروة في السعودية الثلاث، نجدها:
الأولى: قبل 2016 كانت الثروة تعتمد بشكل شبه كامل على العقار والريع النفطي بمديونية غير موثقة بدقة وأصول سيادية محدودة التأثير عالمياً.
الثانية: في المرحلة الحالية (2025- 2026) تحولت الثروة نحو أصول مالية متنوعة تمثل 59 % من ثروة المليونيرات، مع نسبة دين منخفضة جداً (6 %)، وصندوق استثمارات عامة يقترب من تريليون دولار، ما أوصل السعودية إلى المركز 19 عالمياً في عدد المليونيرات.
الثالثة: أما أفق 2030 فيعكس الطموح المعلن: اقتصاد معرفي وصناعي متنوع، استقرار مالي أعمق، وصندوق استثمارات يستهدف الوصول إلى 2-3 تريليونات دولار، بما يرسخ تموضع المملكة ضمن الاقتصادات الكبرى.
وقفة: إن انضمام مليونير جديد كل ساعة في السعودية هو شهادة ثقة عالمية برابطة اقتصادية قوية، ورسوخ مؤسساتي مالي، بل ودلالة صريحة على أن العاصمة الرياض باتت المركز المالي والاستثماري الأول في المنطقة، وأن قطار التحول الاقتصادي السعودي يتقدم بخطى ثابتة نحو ترسيخ اقتصاد معرفي مستدام ومنافس عالمياً.