د. طلال الحربي
ما فتئنا نفاخر به أمام العالم أجمع، أننا ولله الحمد نعيش في دولة تحتكم إلى شرع الله سبحانه وتعالى، وتستهدي بالضمير الإنساني الحي في سياساتها ومؤسساتها، دولة جعلت الجميع على مسافة واحدة من الحقوق والواجبات، فلا تمييز بين مواطن ومقيم، ولا تفريق بين قادم وعابر، وإنما عدل راسخ تُبنى عليه الطمأنينة، وأمن شامل تُشيَّد فوقه النهضة.
وحين نتأمل هذا المشهد بعين الباحث والمراقب ندرك أن الأمن ليس ترفاً تنعم به الدول، بل هو الشرط التأسيسي لكل تنمية، والركيزة التي لا تقوم من دونها رؤية ولا يتحقق بغيرها طموح.
وفي قلب هذه المنظومة تقف رئاسة أمن الدولة، بكامل كوادرها وهرميتها القيادية، من أعلى منصب فيها إلى أحدث منسوبيها، تعمل وفق رؤية وطنية استراتيجية متكاملة، تدرك أن حماية الوطن لا تعني حراسة حدوده وحسب، بل صون منجزاته ومقدراته ومكتسباته التنموية، وتأمين مسيرته نحو المستقبل الذي رسمته القيادة الرشيدة. إنها مؤسسة تجاوزت المفهوم التقليدي للعمل الأمني إلى فلسفة أعمق، ترى في الإنسان غاية الأمن ومقصده، وفي كرامته وسلامته جوهر الرسالة التي تنهض بها ليل نهار.
ولعل أوضح تجليات هذه الفلسفة ما نلمسه في أمن المطارات، حيث يقف رجال أمن الدولة على مدار الساعة، وفي كل مطارات المملكة، يقظين حراساً مخلصين للقيادة والوطن، يمنحون المسافرين سفراً آمناً وقلوباً مطمئنة، ويعكسون في تعاملهم الراقي مع القادمين من داخل المملكة وخارجها صورة حضارية مشرقة لهذا الوطن، صورة تجمع بين الحزم في أداء الواجب والرفق في معاملة الإنسان، وبين دقة العمل الأمني وحساسيته من جهة، وتفهم حاجات المسافرين وظروفهم المتباينة من جهة أخرى.
وأشهد هنا شهادة تجربة شخصية عشتها بنفسي، حين سافرت مستخدماً الكرسي المتحرك الكهربائي، فوجدت من رجال أمن الدولة في المطار تفهماً عميقاً لحاجتي، وتعاوناً صادقاً لا تكلّف فيه ولا تصنّع، جعل من رحلتي تجربة سفر مميزة وآمنة وكريمة. ولمن يعمل مثلي في ميدان إتاحة البيئة العمرانية والشمولية منذ أكثر من ربع قرن، فإن هذه التجربة ليست مجرد موقف عابر يُشكر عليه أصحابه، بل مؤشر حضاري بالغ الدلالة، يكشف أن ثقافة الدمج والإتاحة لم تعد شعاراً يُرفع، بل ممارسة يومية تسري في مفاصل مؤسساتنا الأمنية، وأن الأمن حين يقترن بالإنسانية يصبح رسالة حضارية تتحدث عن المملكة أبلغ مما تتحدث البيانات والأرقام.
إن ما تقوم به رئاسة أمن الدولة من مجهودات جبارة في حماية الوطن ومقدراته ومنجزاته، وما تنفذه من عمليات نوعية متقنة، وما تحبطه من مخططات تستهدف استقرارنا وأمننا، إنما يقدم رسالة واضحة مفادها أننا جميعاً في هذا الوطن في مركب واحد، بإذن الله تعالى وتوفيقه، تقوده قيادة حكيمة رشيدة تمضي بنا إلى بر الأمان، وإلى مستقبل زاهر كله نجاح ورفاهية وسلام. وليس مصادفة أن يتزامن صعود المملكة التنموي غير المسبوق في ظل رؤية 2030 مع هذا المستوى الرفيع من الاستقرار الأمني، فالعلاقة بينهما علاقة سبب ونتيجة؛ إذ لا استثمار بلا أمن، ولا سياحة بلا طمأنينة، ولا فعاليات عالمية كبرى تستضيفها بلادنا اليوم إلا لأن العالم يثق بأن هذه الأرض آمنة مستقرة، تحرسها عيون لا تنام وسواعد لا تلين.
وإذا كانت الدول تُقاس بقدرتها على حماية إنسانها وصون مكتسباتها، فإن المملكة قدمت في هذا الميدان نموذجاً يستحق الدراسة والتأمل، نموذجاً يوازن بين اليقظة الأمنية الصارمة والانفتاح الحضاري الواثق، ويثبت أن الأمن الحقيقي لا يُبنى بالقوة وحدها، بل بالعدل والكفاءة والاحتراف، وبثقة متبادلة بين المواطن ومؤسساته، ثقة جعلت كل فرد في هذا الوطن يشعر أنه شريك في معادلة الأمن، عين ساهرة وحارس أمين في موقعه.
فتحية إجلال وتقدير لكم يا رجالات أمن الدولة، تحية لتضحياتكم الصامتة، ولياليكم الساهرة، ولإخلاصكم الذي لا ينتظر ثناء ولا يبتغي جزاء، وكلنا معكم في الخندق ذاته، حماةً للوطن ولهذا الكيان الشامخ، ولهذه الدولة العتيدة القوية بمشيئة الله عز وجل، ثم بقيادتها الحكيمة وسواعد أبنائها المخلصين، ماضين معاً نحو مستقبل يكون فيه الأمن كما أراده الله لهذه البلاد المباركة: نعمةً تُشكر، وأمانةً تُصان، ومسؤوليةً يتقاسمها الجميع.