صبحي شبانة
في الأزمات الكبرى لا تكون القوة وحدها هي التي تحسم مسار المواجهة، وإنما يصبح الطرف القادر على التحكم في مفاتيح الاقتصاد والتجارة والطاقة شريكاً في تحديد نهايتها، وفي الحرب الأميركية على إيران يبدو أن هذا الدور انتقل بصورة متزايدة إلى الصين حتى باتت بكين تقف في منتصف معادلة شديدة الحساسية، واشنطن تريد إغلاق كل منافذ الاقتصاد الإيراني، وطهران تحتاج إلى منفذ رئيسي لبيع نفطها، والصين هي الدولة التي تستطيع بقرار واحد أن تجعل العقوبات الأميركية أكثر قسوة أو أقل فاعلية، لهذا لم يعد السؤال الحقيقي هو حجم العقوبات التي تستطيع إدارة دونالد ترامب فرضها على إيران وإنما حدود ما تستطيع واشنطن أن تفرضه على الصين، فالعقوبات مهما بلغت قوتها تظل بحاجة إلى من ينفذها، والحصار الاقتصادي لا يكتمل إذا بقي أكبر مشتر للنفط الإيراني خارج منظومته، ومن هنا تبدو المواجهة المقبلة أكثر تعقيداً من مجرد محاولة أميركية لإجبار طهران على الاستسلام، إنها اختبار لقدرة الولايات المتحدة على استخدام نفوذها المالي العالمي في مواجهة قوة اقتصادية كبرى لا تقبل بسهولة أن تتحول قراراتها التجارية إلى امتداد للسياسة الأميركية، لذا فإن واشنطن وهي تضيق الخناق على إيران قد تجد نفسها أمام معركة أخرى أكثر تكلفة، معركة تحديد من يضع قواعد التجارة والطاقة والعقوبات في النظام الدولي، فإيران هي الهدف المعلن لكن الصين هي الاختبار الحقيقي.
إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب ما وصفه بحرب اقتصادية غير مسبوقة على إيران يأتي في هذا السياق، فهو لا يمثل مجرد تصعيد جديد ضد طهران وإنما محاولة لإغلاق المنافذ التي أبقت الاقتصاد الإيراني قادراً على الصمود طوال سنوات العقوبات، وكانت وزارة الخزانة الأميركية قد سبقت إعلان ترامب بعدد من الإجراءات التي استهدفت تشديد العقوبات الاقتصادية على الشركات والمؤسسات التي تتعامل مع إيران، وهذه العقوبات لا تستهدف الإيرانيين وحدهم وإنما تطال كل من يقدم لهم خدمات مالية أو تجارية أو لوجستية يمكن أن تساعدهم على تجاوز العقوبات.
تكمن خطورة هذه الاستراتيجية في أنها تحول النظام المالي العالمي إلى أداة ضغط سياسي، فالشركات والبنوك وشركات التأمين والشحن التي تخشى فقدان الوصول إلى السوق الأميركية أو النظام المالي المرتبط بالدولار تجد نفسها أمام خيار صعب، إما الالتزام بالعقوبات الأميركية وإما تحمل تبعات التعامل مع إيران، لكن هذه المعادلة تصبح أكثر تعقيداً عندما يكون الطرف المستهدف دولة مثل الصين، التي ليست دولة صغيرة يمكن إجبارها على تغيير سياستها الاقتصادية بقرار أميركي، إنها ثاني أكبر اقتصاد في العالم وقوة تجارية ومالية كبرى وتمتلك علاقات واسعة مع معظم دول العالم، كما أنها تنظر إلى العقوبات الأميركية الأحادية باعتبارها أداة تستخدمها واشنطن لتوسيع نفوذها خارج حدودها، ولهذا جاء الموقف الصيني من التصعيد الأميركي ضد إيران واضحاً في رفض فكرة أن العقوبات والضغط الاقتصادي يمكن أن يحلا المشكلة، ودعت بكين الأطراف المعنية إلى ضبط النفس والعودة إلى الوسائل السياسية والدبلوماسية.
قد يبدو الموقف الصيني في ظاهره دفاعاً عن إيران، لكنه في جوهره يرتبط بمصالح الصين نفسها، فبكين تدرك أن قبولها بتحديد الولايات المتحدة لمن تتعامل معه اقتصادياً يمكن أن يتحول إلى سابقة يصعب التخلص منها مستقبلاً، الصين لا تريد أن تمنح واشنطن حق رسم حدود تجارتها مع الدول الأخرى، وهي تدرك أن القبول بهذا المبدأ في الملف الإيراني قد يفتح الباب أمام استخدام الأداة نفسها في ملفات أخرى، ومن هنا فإن المسألة بالنسبة إلى بكين لا تتعلق فقط بالنفط الإيراني وإنما بمبدأ أوسع يتعلق بحرية التجارة وبطبيعة النظام الاقتصادي العالمي، وتزداد أهمية الصين في الحسابات الأميركية بسبب النفط، فإيران تحتاج إلى بيع إنتاجها النفطي للحصول على العملات الصعبة وتمويل الدولة والإنفاق العام وتمويل احتياجات الحرب، والصين تمثل المستورد الأكبر للنفط الإيراني، وهذا يعني أن نجاح سياسة الخنق الاقتصادي الأميركي يرتبط بصورة مباشرة بمدى استعداد بكين لتقليص مشترياتها من إيران.
إذا توقفت الصين عن شراء النفط الإيراني أو خفضت وارداتها بصورة كبيرة فإن طهران ستواجه أزمة حقيقية في الإيرادات، أما إذا استمرت الصين في شراء النفط ولو من خلال ترتيبات مالية وتجارية أكثر تعقيداً فإن جزءاً مهماً من الاستراتيجية الأميركية سيفقد قدرته على تحقيق الهدف المنشود، وهنا تكمن أهمية العقوبات الاقتصادية، فواشنطن لا تريد فقط منع الشركات الأميركية من التعامل مع إيران، هذا الأمر قائم منذ سنوات، وإنما تريد منع الشركات والبنوك والشركات البحرية والتأمينية في مختلف أنحاء العالم من توفير الوسائل التي تسمح لطهران بمواصلة تجارتها، لكن تطبيق هذه السياسة على الصين يختلف جذرياً عن تطبيقها على دولة صغيرة أو شركة محدودة النشاط، فمعاقبة مؤسسة صينية كبرى يمكن أن تكون لها تداعيات تتجاوز الملف الإيراني، وقد ترد بكين بإجراءات مضادة أو بتقليص تعاونها في ملفات أخرى، وقد يؤدي التصعيد المتبادل إلى زيادة التوتر في العلاقات الأميركية الصينية في وقت تحاول فيه القوتان إدارة خلافات تجارية واستراتيجية متراكمة، ولهذا تبدو واشنطن أمام معادلة دقيقة، فهي تريد أن تجعل العقوبات فعالة لكنها لا تريد أن تدفع الصين إلى مواجهة شاملة معها، وفي المقابل تريد الصين الحفاظ على مصالحها مع إيران من دون أن تمنح واشنطن ذريعة لتصعيد اقتصادي واسع ضدها، وهذه المنطقة الرمادية هي التي ستحدد شكل المرحلة المقبلة.
الحرب الاقتصادية الحالية لا تختبر فقط قدرة إيران على الصمود، إنها تختبر أيضاً قدرة الولايات المتحدة على استخدام تفوقها المالي لفرض إرادتها خارج حدودها، وفي الوقت نفسه تختبر قدرة الصين على حماية مصالحها الاقتصادية من دون تحويل الخلاف مع واشنطن إلى مواجهة شاملة.
أما إيران فتواجه المعادلة الأصعب، فالاقتصاد الإيراني يعاني ضغوطاً شديدة، العملة المحلية فقدت جزءاً كبيراً من قيمتها، والتضخم ارتفع إلى مستويات قياسية، وبات الارتفاع الحاد في أسعار الغذاء والسلع الأساسية يثقل كاهل الإيرانيين ويعمّق الضغوط على قدرتهم المعيشية، ومع استمرار الحرب فإن هذه الضغوط لا يمكن فصلها عن قدرة طهران على تمويل احتياجاتها، لكن الاعتقاد بأن الضغوط الاقتصادية ستؤدي تلقائياً إلى انهيار الموقف الإيراني قد يكون مبالغاً فيه، إيران خبرت العقوبات لعقود، وطورت أدوات للتعامل معها، كما أن القيادة الإيرانية تنظر إلى الصراع مع الولايات المتحدة باعتباره معركة طويلة وليست أزمة مؤقتة، ولهذا فإن السؤال ليس ما إذا كانت العقوبات ستضر إيران، وإنما ما إذا كان الضرر سيصل إلى مستوى يجعل القيادة الإيرانية مستعدة لتغيير حساباتها السياسية والعسكرية.
غير أن المشهد لا تحكمه الضغوط الاقتصادية وحدها، فالعقوبات قد تدفع طهران إلى التفاوض، لكنها قد تدفعها أيضاً إلى التشدد، وقد تجعلها أكثر اعتماداً على الصين وروسيا، وقد تدفعها إلى استخدام أوراقها الإقليمية بصورة أكثر حدة، ولهذا فإن الحرب الاقتصادية تحمل في داخلها احتمالين متناقضين، الأول أن تكون وسيلة للوصول إلى تسوية سياسية، والثاني أن تصبح عاملاً إضافياً في إطالة أمد الحرب، والخيار بين الاحتمالين لن تحدده واشنطن وطهران وحدهما، الصين ستكون طرفاً رئيسياً في تحديد المسار، فإذا اختارت بكين الامتثال الكامل للعقوبات الأميركية فإن إيران ستجد نفسها أمام اختناق اقتصادي حقيقي، وإذا رفضت الصين العقوبات بصورة صريحة فإن واشنطن ستجد نفسها أمام مواجهة اقتصادية جديدة قد تتجاوز حدود الملف الإيراني، أما الاحتمال الأكثر واقعية فهو استمرار سياسة صينية تقوم على الموازنة، شراء ما تحتاج إليه من النفط الإيراني، حماية مصالح شركاتها، تجنب الاصطدام المباشر بواشنطن، وفي الوقت نفسه رفض الاعتراف بشرعية العقوبات الأحادية، وهذا السيناريو قد يكون الأكثر إزعاجاً للولايات المتحدة، لأنه لا يمنح واشنطن انتصاراً كاملاً ولا يسمح لإيران بالخروج من الأزمة بسهولة، إن بقي الاقتصاد الإيراني تحت الضغط، لكنه يترك له في الوقت نفسه هامشاً لمواصلة الصمود.
ومن هنا فإن القمة المرتقبة بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس الصيني شي جينبينغ في 24 سبتمبر في واشنطن ستكون ذات أهمية تتجاوز الخلافات التجارية التقليدية بين البلدين. فالملف الإيراني سيكون حاضراً في خلفية الحسابات، وستحاول واشنطن معرفة الحدود التي يمكن أن تصل إليها بكين في دعم تجارتها مع طهران، بينما ستسعى الصين إلى منع تحويل الملف الإيراني إلى قاعدة جديدة لتوسيع العقوبات الأميركية خارج حدودها.
إذا أفضت المفاوضات الأميركية - الصينية إلى صيغة ما بشأن إيران فإن ذلك قد يفتح نافذة لتسوية أوسع، أما إذا فشلت واشنطن في إقناع بكين فإن الحرب الاقتصادية قد تتحول إلى فصل جديد من الصراع بين القوتين الكبريين، وهنا تكمن المفارقة، لقد أعلنت واشنطن حرباً اقتصادية على إيران، لكن نجاح هذه الحرب يتوقف جزئياً على قرار دولة أخرى هي الصين، وهذا يعني أن مستقبل الحرب لم يعد مرهوناً فقط بما يحدث في طهران أو واشنطن وإنما بما يحدث في بكين أيضاً، فإيران تملك النفط، والولايات المتحدة تملك العقوبات، لكن الصين تملك السوق التي تستطيع أن تجعل النفط الإيراني قابلاً للتحويل إلى إيرادات، ومن ثم فإن المعركة الحقيقية في المرحلة المقبلة لن تكون حول حجم العقوبات التي ستعلنها واشنطن وإنما حول قدرة هذه العقوبات على الوصول إلى نهايتها الطبيعية.
إذا نجحت واشنطن في إغلاق الطريق الصيني فإن الخناق على إيران سيشتد بصورة غير مسبوقة، وإذا فشلت فإن طهران ستظل تملك نافذة اقتصادية يمكنها من خلالها مواصلة الصمود.
وبين الخيارين تقف الصين، وهكذا فإن الحرب الاقتصادية التي أعلنتها واشنطن ضد إيران قد تتحول في نهاية المطاف إلى اختبار أكبر بكثير من حدود المواجهة الإيرانية - الأميركية، اختبار لمن يملك القدرة على وضع قواعد التجارة والطاقة والمال في عالم يتغير بسرعة، فالهدف المعلن هو إيران، لكن الاختبار الحقيقي هو الصين، والسؤال الذي سيحدد المرحلة المقبلة ليس فقط هل تستطيع واشنطن خنق الاقتصاد الإيراني، وإنما هل تستطيع فعل ذلك من دون أن تفتح مع بكين جبهة اقتصادية جديدة.