سلطان بن نايف الحربي
قرأت في صحيفتكم الغراء مقالاً للدكتور خالد بعنوان» عندما ترتجف الأيقونات» في عددها «19350» يوم الثلاثاء 12 ربيع الأول 1448هـ وتوقفت طويلاً عند صورته الذكية: تطبيقات تهتز لحظة اقتراب الإصبع منها بالحذف كما تهتز بعض البيئات المؤسسية حين يدخلها قائد حازم يعرف أين يضغط ومتى يحاسب.
الصورة موفقة، والتفاؤل بقيادي قادر على تحريك المياه الراكدة أمرٌ مشروع؛ لكنني أتحفظ على شيءٍ واحد وهو: أن نحمّل القيادي أكثر مما يحتمل، أو أن يتحول الإعجاب بالبداية إلى رهان كامل على الشخص.
فالمؤسسة أعقد من شاشة هاتف. قد ينجح القيادي في حذف تطبيق؛ لكن ماذا لو بقيت شفرته متجذرة في النظام؟ قد يعود باسم جديد، وأيقونة أجمل، وواجهة أكثر حداثة، بينما تواصل الممارسة القديمة عملها بهدوءٍ في الخلفية!
هذه في تقديري هي المعركة الأصعب. فبعض الثقافات المؤسسية لا تختفي لمجرد صدور قرار؛ بل تعرف كيف تنحني للعاصفة ثم تستعيد شكلها. تتغير الأسماء، وتتبدل الواجهات، وتبقى العلاقات والعادات والمصالح التي صنعت المشكلة من الأصل!
ولهذا أميل إلى منح القيادي فرصة، لا منحه حصانة، ومراقبة النتائج دون الافتتان بالبدايات. وإذا كان قدوم قيادي جديد سبباً معقولاً للتفاؤل؛ فإن الحكم الحقيقي لا يصدر في الأسابيع الأولى. لنعطي التجربة وقتها، ولتكن في تقديري نحو سنتين وهي أقصى مدة يمكن من خلالها أن نرى النتائج الحقيقية حتى نتمكن من إصدار حكم قطعي عليه؛ ثم نسأل أنفسنا بوضوح: هل تغيرت الجذور فعلاً أم أن الذي تغير هو شكل الشاشة فقط!
ومن هنا يصبح السؤال أعمق من البحث عن «قيادي تحويلي» بمواصفات كاملة. فالقيادي التحويلي قد يمتلك التأثير المثالي، ويجيد التحفيز الإلهامي، ويستثير الفكر؛ لكنه يظل أمام اختبار أكثر صعوبة هذا البعد هو الاعتبار الفردي وهذا البعد يراهن على إشباع القيادي التحويلي لرغبات تابعيه المحبطين الذين أصبح الشغف لديهم شبه ميت بسبب ما عانوه من تهميش وتضييق وتقزيم من قبل أولئك القياديين النرجسيين، ومن هنا نسأل هل القيادي يرى ذلك الموظف الذي لا يملك نفوذاً؟ هل يسمع من لا يملك باباً يصل به إلى الأعلى رغم أنه يحمل أعلى الشهادات! هل يعيد إلى من أضعفته البيروقراطية اعتباره وثقته بنفسه؟ أم أن التحول يبقى خطاباً جميلاً يروى من أعلى الهرم فقط؟!
هنا، وهنا فقط يبدأ الفرق بين القيادة التحويلية الحقيقية والقيادة التي ترتدي لغبتها فقط، فعندما تصبح الكاريزما حصانة، والرؤية قناعاً، والولاء بديلاً عن التفكير، فنحن نكون أمام قيادة زائفة تستخدم لغة المستقبل لتعيد إنتاج شيءٍ من الماضي.
لهذا نحن أحوج في رأيي المتواضع إلى قيادة تحويلية أخلاقية لا تخاف من المكاشفة، ولا تعتبر السؤال خصومة، ولا تجعل الحماس بديلاً عن النتائج. قيادة تعمل داخل ثقافة مؤسسية أكثر وضوحاً ومساءلة، تحمي حق الإنسان في أن يلاحظ ويسأل، وتلزم المؤسسة بأن تجيب وتُصلح. نحتاج ببساطة إلى ثقافة؛ أختصرها بهذه المعادلة:
الشفافية المسؤولة = إتاحة المعلومات +حرية الملاحظة + حماية المتحدث + إلزامية الرد + متابعة الإصلاح.
لقد جعل الدكتور»خالد» الأيقونات ترتجف في مقاله؛ لكنني أضيف إلى صورته سؤالاً واحداً: هل يكفي أن ترتجف الأيقونات حين يقترب الإصبع، أم أن التغيير الحقيقي يبدأ حين نعيد كتابة الشيفرة التي جعلت تلك الأيقونات ممكّنة أصلاً؟
فالمعيار الأهم هو ما يبقى فيها بعد أن يزول أثر حضوره الشخصي. وشكراً للدكتور على هذا المقال الممتع فعلاً، وعلى الصورة الذكيَّة الساخرة التي دفعتني للكتابة فالمقال الجيد لا يطلب من قارئه التصفيق له، بل يفتح باب التفكير لتحمّل شيء من مشاغبة قارئه.