«الجزيرة» - وائل سعود العتيبي:
في «البلد»، لا تمشي بين البيوت القديمة بقدر ما تمشي بين طبقات من الذاكرة. حجرٌ تآلف مع ملح البحر، وأبوابٌ مرّت منها أجيال، وواجهاتٌ صاغتها يد الحرفي، وفوقها رواشين خشبية تتقدم كعيون معلّقة على المدينة منذ قرون. لا تبدو هذه الرواشين ساكنة؛ فالضوء يتسلل من فتحاتها، والهواء يعبرها، والظلال تتحرك على خشبها مع حركة الشمس، كأن جدة القديمة ما زالت تتنفس من خلالها.
هنا، لم تكن النافذة مجرد فتحة في جدار، ولم يكن الخشب زينة تُضاف إلى البناء؛ كان الروشان حلًا معماريًا وثقافيًا لمعادلة دقيقة: كيف ينفتح الإنسان على العالم من دون أن يفقد خصوصيته؟ وكيف يستقبل الضوء والهواء من دون أن يستسلم لقسوة المناخ؟
من هذه المعادلة تبدأ الحكاية الحقيقية للرواشين.
فهي ليست مجرد علامة بصرية ارتبطت بجدة، بل واحدة من أكثر العناصر اختصارًا لشخصيتها؛ مدينة بحرية مفتوحة على التجارة والحج والهجرة وتعدد الثقافات، لكنها لم تترك هذا الانفتاح يذيب خصوصيتها، بل أعادت صياغته في لغة معمارية محلية، جعلت من الخشب وسيطًا بين البيت والشارع، وبين الإنسان والبيئة.
لقد حوّل أهل جدة الضرورة إلى جمال. احتاجوا إلى الهواء فصنعوا له مسارًا، وإلى الضوء فهذّبوا دخوله، وإلى الظل فاستدعوه إلى الواجهة، وإلى الخصوصية فلم يلجأوا إلى الانغلاق، بل ابتكروا للعين حدودًا أكثر رهافة من الجدار.
لهذا، فإن الروشان في معناه الأعمق ليس نافذة ولا شرفة فحسب؛ إنه مساحة تفاوض بين الداخل والخارج. يرى أهل البيت الشارع من غير أن يتحولوا إلى مشهد فيه، ويدخل الهواء من دون أن تدخل معه العيون، ويتسلل الضوء من دون أن يستولي على المكان.
إنها فلسفة تختصرها فكرة بسيطة وعميقة: ليس كل انفتاح كشفًا، وليس كل خصوصية انغلاقًا.
عمارة فاوضت المناخ ولم تحاربه
قبل أن تصبح «الاستدامة» و«التصميم البيئي» مفردتين رائجتين في العمارة الحديثة، كانت جدة قد طوّرت حلولها الخاصة للتعامل مع الحرارة والرطوبة والوهج.
فالروشان يبرز عن الواجهة، ويجمع بين الخشب والفراغ، والظل والضوء، والتهوية وحجب الرؤية، وتناولت دراسات أكاديمية متخصصة رواشين جدة بوصفها نظامًا معماريًا يؤدي وظائف مناخية واجتماعية، من تحسين حركة الهواء والتحكم في الضوء والوهج إلى توفير الراحة الحرارية والخصوصية.
وهنا تتجلى المفارقة: ما يبدو اليوم زخرفة تراثية كان في الأصل معرفة هندسية شديدة الذكاء.
لم يحاول البيت الحجازي إلغاء المناخ، بل تعلّم كيف يعيش معه. لم تكن الشمس خصمًا ينبغي عزله، وإنما قوة ينبغي تهذيبها؛ ولم يكن الهواء عدوًا، بل موردًا ينبغي تنظيمه؛ ولم تكن الخصوصية جدارًا أصم، بل نظامًا يسمح للعين أن ترى من دون أن تُرى.
بهذا المعنى، كان الروشان تقنية بيئية سبقت المصطلح.
حتى الضوء لم يكن مجرد وسيلة للإضاءة؛ كان مادة جمالية تتحرك داخل البيت. يتسلل عبر الفتحات الخشبية في مساحات محسوبة، ويرسم على الجدران ظلالًا تتبدل مع حركة الشمس، فيغدو الزمن نفسه جزءًا من التجربة المعمارية.
الروشان لا يدخل الضوء إلى البيت فقط؛ بل يجعل الضوء يكتب الوقت على الجدار.
جدة.. مدينة دخلها العالم فأعادت صياغته
لا يمكن فهم الرواشين خارج تاريخ جدة فالمدينة التي قامت على البحر الأحمر، وارتبطت بالحج والتجارة، لم تكن تعيش على هامش العالم؛ كانت نقطة عبور للبشر والسلع والأفكار والخبرات. عبرها الحجاج والتجار، وتجاورت فيها تأثيرات ثقافية متعددة، فانعكس هذا التفاعل على عمرانها وحرفها وطرائق بنائها.
لكن جدة لم تكن مجرد مستقبل للتأثيرات؛ كانت مدينة تعيد صياغة ما يصل إليها.
دخلت المواد والأفكار والتقنيات عبر طرق التجارة والحج، ثم أعادت المدينة إنتاجها وفق مناخها واحتياجاتها وذائقتها الاجتماعية. لذلك لا يصح النظر إلى الروشان الجداوي باعتباره نسخة من نموذج واحد؛ فهو ثمرة تراكم طويل من الخبرة المحلية والتبادل الثقافي.
وتُرجّح المصادر أن صناعة الرواشين في جدة عُرفت في أواخر القرن السادس الهجري، ثم ترسخت بوصفها سمة بارزة في عمارة المدينة منذ منتصف القرن السابع الهجري، قبل أن تنتشر أشكالها في مدن رئيسية على ساحل البحر الأحمر والحجاز.
غير أن رواشين جدة اكتسبت خصوصيتها من ضخامتها وارتفاعها وامتدادها؛ إذ كانت تُركّب في صفوف متراصة، وقد تمتد من الطابق الأرضي إلى الأدوار العليا، أو أفقيًا على واجهات كاملة، حتى يصبح الروشان في بعض البيوت جزءًا شبه كامل من وجه المبنى.
وفي هذه الواجهات يمكن قراءة شيء من تاريخ المدينة الاجتماعي والاقتصادي؛ فالحجم والتفاصيل والزخارف والحرفة كانت تعكس، في بعض الحالات، مكانة الأسرة وقدرة صاحب المنزل ومهارة الصانع وتحولات الذوق.
لم تكن الواجهة غلافًا صامتًا؛ كانت سجلًا اجتماعيًا مفتوحًا.
الخشب.. حين تصبح الحرفة لغة
ومن أكثر ما يميز الرواشين تلك العلاقة الوثيقة بين الحرفة والعمارة، فالروشان لم يكن يُنتج كقطعة منفصلة عن البناء، وإنما بوصفه جزءًا من هندسة الواجهة. وتظهر فيه مهارة النجار في القطاعات المتشابكة، والطنف والأفاريز والمصارع، والوحدات الهندسية، والستائر الشبكية الدقيقة التي تمنح الروشان شكله ووظيفته في آن واحد.
وتُنفذ صناعة الروشان عبر مراحل دقيقة تبدأ بأخذ المقاسات واختيار الخشب وتقطيعه وتصنيف أجزائه، ثم تجميعها وحفرها وتشكيل زخارفها وتشطيبها ومعالجتها بما يساعدها على مقاومة العوامل المناخية.
واستخدمت الرواشين أخشابًا عالية الجودة، من بينها خشب التيك والصندل وغيرها، فيما ارتبطت ألوانها الأساسية بالخشب الطبيعي والبني بدرجاته والأخضر، قبل أن تتنوع بعض تطبيقاتها اللونية في مراحل تاريخية مختلفة.
لكن الأهم من المادة واللون هو المعرفة التي تقف خلفهما.
فالزخرفة لم تكن منفصلة عن الوظيفة؛ والفتحة لم تكن منفصلة عن التهوية؛ والتكوين الهندسي لم يكن منفصلًا عن تنظيم الرؤية والضوء.
في الروشان الجداوي، لا تقف الوظيفة في جهة والجمال في جهة أخرى؛ بل يتحول الجمال نفسه إلى وظيفة.
حين يصبح الحرفي مؤرخًا
لكن أخطر ما يهدد التراث ليس سقوط المبنى وحده، وإنما انقطاع المعرفة التي صنعت تفاصيله.
قد يبقى الروشان قائمًا، بينما تختفي اليد التي تعرف كيف صنعته، وكيف تميّز بين أصله وما أضيف إليه، وكيف تصلح الجزء المتضرر من دون أن تمحو أثر الزمن.
ومن هنا تكتسب الجهود الحالية لتدريب يافعين وشباب سعوديين على صناعة الرواشين وترميمها أهمية تتجاوز تعلم النجارة؛ فهي تعني نقل المعرفة التي صنعت أحد أكثر الوجوه تميزًا لجدة التاريخية إلى جيل جديد، فالترميم ليس استبدال خشب بآخر. إنه قراءة لما تبقى.
الحرفي يتعامل مع أثر مرّت عليه الشمس والرطوبة والاستعمال والإصلاحات، وعليه أن يعرف ما الذي يمكن تغييره وما الذي يجب أن يبقى، وأين تنتهي يده وتبدأ مسؤولية التاريخ.
لذلك يصبح الحرفي حافظًا للذاكرة، لا مجرد نجار.
إنه يقرأ الخشب كما يقرأ المؤرخ الوثيقة؛ يبحث عن علاماته، يصون أصله، ويعيد إليه الحياة من دون أن يمحو آثار الزمن.
فالترميم الحقيقي لا يجعل الروشان جديدًا؛ بل يمنعه من فقدان ذاكرته.
من «لغة الخشب» إلى جيل جديد
حين يتعلم شاب سعودي اليوم صناعة الروشان أو ترميمه، فهو لا يتعلم النجارة وحدها؛ بل يدخل إلى منظومة متراكمة من المعرفة: اختيار المادة، وبناء الوحدات، وضبط النسب، وتداخل العناصر، وصياغة الزخارف، وفهم العلاقة بين الضوء والهواء والظل والخصوصية.
إنه يتعلم لغةً كانت جدة تتحدث بها قبل أن تتحدث بالكلمات.
ولهذا فإن انتقال الحرفة إلى جيل جديد أهم من الاحتفاء بالروشان بوصفه صورة جميلة في كتب السياحة أو خلفية للمشهد العمراني.
فالتراث الذي يعيش في الصور يمكن أن يموت في الواقع، أما التراث الذي ينتقل بوصفه معرفة، فإنه يستطيع أن يتجدد، وهنا يصبح التمييز ضروريًا بين استنساخ التراث واستلهامه.
استنساخ الروشان أن ننقل شكله إلى مبنى حديث
أما استلهامه فهو أن نفهم منطقه: الظل، والتهوية، والتدرج، والخصوصية، والضوء، والعلاقة بين الداخل والخارج، ثم نعيد صياغة هذه المبادئ بلغة معمارية تنتمي إلى عصرنا.
وهذا هو الطريق الذي يحوّل التراث من قيد على المستقبل إلى أحد مصادره.
من «البلد» إلى ميدان الثقافة.. حين يعود التراث إلى الحاضر
وفي هذا السياق، تكتسب الرواشين التي تزيّن واجهات مباني ميدان الثقافة في جدة التاريخية دلالة تتجاوز استعادة الشكل القديم؛ فهي إعادة توظيف لعنصر أصيل في فضاء ثقافي معاصر، ضمن جهود وزارة الثقافة لتأصيل المكونات المعمارية التراثية وتعزيز حضورها في المجال العام.
ويستند تصميم الميدان إلى البناء العمودي المستلهم من عمارة جدة التاريخية، لتصبح الرواشين فيه حلقة وصل بين الذاكرة المعمارية والمدينة المعاصرة.
وهنا تكمن قيمة التجربة: أن ينتقل الروشان من كونه أثرًا يُرمم إلى فكرة تُستثمر.
فالتراث لا يستعيد حضوره حين نضعه في مكانه القديم فقط؛ بل حين نكتشف قدرته على إنتاج معنى جديد في مكان جديد.
وهذا يفتح سؤالًا أكبر: ماذا يحدث عندما تدخل فلسفة الروشان إلى العمارة المعاصرة، لا بوصفها زخرفة، وإنما بوصفها منطقًا في التعامل مع الضوء والهواء والخصوصية والمناخ؟
عندها لا يعود الروشان مجرد صورة من الماضي؛ يصبح ذاكرة تعمل في الحاضر.
جدة.. مدينة لا تحتاج إلى متحف كي تتذكر
قيمة جدة التاريخية لا تكمن في امتلاكها بيوتًا قديمة فحسب، وإنما في أن هذه البيوت ما زالت قادرة على رواية المدينة.
ولهذا جاءت مكانتها في قائمة التراث العالمي لليونسكو امتدادًا لقيمة نسيجها الحضري وتاريخها بوصفها مدينة للتجارة والحج والتبادل الثقافي على البحر الأحمر.
وفي هذا النسيج، تتجاوز الرواشين جمال الواجهة لتصبح إحدى العلامات التي تجعل البيت الجداوي قابلًا للتعرف عليه من النظرة الأولى.
لكن قيمتها الأعمق أنها تختصر علاقة الإنسان بالمكان.
فالبيت الذي يحمل روشانًا يقول شيئًا عن ساكنيه، وعن المناخ الذي واجهوه، والمجتمع الذي عاشوا فيه، والمدينة التي احتضنتهم، والحرفة التي منحت الخشب هذا الشكل.
الرواشين ليست آثارًا على البيوت؛ إنها آثار الإنسان في المدينة.
ماذا تخسر جدة إذا بقي الروشان واختفت الحرفة؟
هنا يتجاوز السؤال الترميم نفسه.
ماذا لو بقيت الرواشين، لكن لم يعد هناك من يعرف لماذا برزت عن الجدار؟ ولماذا كثرت فتحاتها؟ وكيف صيغت زخارفها؟ وكيف اختير خشبها؟ وكيف رُكبت أجزاؤها؟ وكيف يمكن ترميمها من دون أن تفقد أصالتها؟
عندها ستحتفظ جدة بالمظهر، لكنها ستفقد المعنى.
ولهذا فإن حماية الرواشين لا ينبغي أن تتوقف عند حفظ الأخشاب القديمة، بل يجب أن تمتد إلى حماية المعرفة والحرفة والذاكرة المهنية التي صنعتها.
فالتراث ليس ما تركه الأجداد فقط؛ إنه أيضًا ما نستطيع أن نورثه من معرفتهم.
وهنا يصبح الجيل الجديد جزءًا من الرواية، لا شاهدًا عليها؛ يدخل إلى الماضي بيديه، ويتعلمه، ويفهم منطقه، ثم يمنحه فرصة جديدة للحياة.
من ذاكرة معلّقة إلى فكرة للمستقبل
ربما تكون أجمل فرصة أمام الرواشين اليوم ألا تعود كما كانت، فالعودة الحقيقية إلى التراث ليست تكرار الماضي حرفيًا، وإنما استعادة ذكائه.
أن نتعلم من الروشان أن الظل قيمة معمارية، وأن التهوية يمكن أن تكون جزءًا من التصميم، وأن الخصوصية لا تحتاج دائمًا إلى الانغلاق، وأن الضوء يمكن تهذيبه بدل منعه، وأن المادة المحلية والحرفة اليدوية قادرتان على الدخول في عمارة معاصرة من دون أن تفقدا جذورهما.
وهنا يصبح السؤال أكبر من جدة:
هل تستطيع العمارة السعودية المعاصرة أن تستعيد حكمة العمارة التقليدية من دون أن تقع في أسر أشكالها؟
إذا استطاعت، فلن يكون الروشان عنصرًا تراثيًا يعود إلى الواجهة، بل فكرة تستمر في إنتاج المستقبل.
فليست قيمة الرواشين في أنها قديمة؛ فالقدم وحده لا يصنع التراث. قيمتها أنها تختصر تجربة مدينة كاملة: بحرها، ومناخها، وتجارتها، وحجها، وتنوعها، وخصوصيتها، وحرفها، وانفتاحها على العالم.
إنها ليست خشبًا يزين الحجر؛ إنها المسافة التي صنعتها جدة بين الإنسان والعالم.
ومن خلف فتحاتها الصغيرة يمكن قراءة فلسفة كبيرة: أن يعيش الإنسان في المدينة دون أن تبتلعه، وأن يستقبل الطبيعة دون أن تستنزفه، وأن ينفتح على الآخر دون أن يفقد ذاته.
لهذا فإن إنقاذ الروشان لا يعني إنقاذ نافذة؛ إنه إنقاذ فكرة عن الإنسان والمكان.
وإذا كان الترميم يعيد للخشب حياته، فإن نقل الحرفة إلى جيل جديد يعيد للذاكرة مستقبلها.
ومن بين أزقة «البلد»، حيث ما زالت الرواشين تطل من البيوت كعيون قديمة، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا:
هل نحفظ الماضي كي نتذكره، أم نحفظه كي يساعدنا على صناعة ما لم يأتِ بعد؟
في جدة، قد يكون الروشان أحد أصدق الإجابات.
فهو لم يبقَ لأنه قاوم الزمن فقط، بل لأنه كان منذ البداية قادرًا على التكيف معه.
وهذه ربما أعظم رسالة يمكن أن يحملها خشب قديم إلى مدينة حديثة:
أن الهوية لا تعني أن نكرر ما كان، بل أن نعرف ما الذي يستحق أن يستمر.
فالتراث الذي يظل خلفنا يتحول إلى ذكرى؛ أما التراث الذي نفهمه، ونورث معرفته، ونستلهم منطقه، فيصبح قوةً تمشي معنا إلى الأمام.
ولهذا، لا يعود السؤال: كيف نعيد الروشان إلى جدة؟
بل يصبح السؤال الأعمق:
هل نستطيع أن نعيد الروشان إلى المستقبل؟