د. يحيى جابر
استمرت الدولة الأموية من سنة 41هـ إلى سنة 132هـ، أي نحو 91 عاماً، وخلال هذه الفترة تحولت الدولة الإسلامية إلى كيان سياسي واسع الامتداد، متعدد الأقاليم، الأمر الذي جعل الاتصال بين مركز الحكم والولاة والقادة والجند والعلماء وعموم السكان ضرورة أساسية لإدارة الدولة وتثبيت سلطتها ونقل أخبارها وقراراتها ومواقفها، ولم يكن الإعلام في العصر الأموي مؤسسة مستقلة بالمفهوم المعاصر، فلم تكن هناك وزارة إعلام أو صحف أو إذاعات أو مؤسسات بث، وإنما كانت الوظائف التي يؤديها الإعلام الحديث موزعة بين وسائل ومؤسسات متعددة، أبرزها الخطابة، والشعر، والرسائل السياسية والاجتماعية، والكتاب، والدواوين، والبريد، والمسجد، والمجلس، والسوق، والوفود، وهي قنوات لم تكن متساوية في الوظيفة، فالخطبة تخاطب جمهوراً حاضراً، والقصيدة تنتقل بالرواية والإنشاد، والرسالة تخاطب فرداً أو جهة محددة، والديوان ينظم المعلومات والقرارات، والبريد يربط مركز الحكم بالأقاليم، ومن هنا فإن المدخل لدراسة الإعلام الأموي لا ينبغي أن يبحث عن مؤسسات حديثة لم تكن موجودة، وإنما يبحث عن وظائف الاتصال التي كانت قائمة فعلاً، ثم يقارنها بالنظريات الإعلامية الحديثة بحذر، «المصدر- محمد بن جرير الطبري، «تاريخ الرسل والملوك»، ومحمد الأول بن إسحاق ومنجد مصطفى بهجت، «القيمة الفنية للرسائل السياسية في العصر الأموي»، مجلة الدراسات اللغوية والأدبية، المجلد السابع، العدد الثاني، 2016م»، أن هذا المدخل أكثر دقة من إطلاق وصف «الإعلام المؤسسي» على الدولة الأموية، لأنه يحافظ على الفارق بين التاريخ والاصطلاح الإعلامي الحديث، ويأتي الخليفة الأول للدولة الأموية الداهية معاوية بن أبي سفيان في مقدمة الشخصيات التي أسهمت في بناء البيئة الاتصالية والإدارية للدولة الأموية، ليس باعتباره مؤسساً لوسائل الإعلام بمعناها الحديث، وإنما باعتباره حاكماً أدرك أهمية تنظيم المراسلات والأخبار والإدارة في دولة واسعة الأطراف، وترتبط عهده بتطور تنظيم الدواوين والبريد، كما عُرف عنه اهتمامه بالكتاب والرسائل وبإدارة العلاقة بين مركز الحكم والولايات، وتذكر المصادر التاريخية ما ارتبط بعصره من تنظيمات إدارية، ومن أبرزها ديوان الخاتم والبريد، وهي أدوات ذات أهمية اتصالية واضحة، لأن الدولة التي تتسع جغرافياً تحتاج إلى نظام يحفظ المراسلات ويوصل الأوامر والأخبار ويحد من العبث بها، «المدر، محمد بن جرير الطبري، «تاريخ الرسل والملوك»، وأحمد بن يحيى البلاذري، «فتوح البلدان»»، وأهمية معاوية في تاريخ الاتصال السياسي والاجتماعي تكمن في إدراكه أن السيطرة على دولة واسعة لا تعتمد على القوة العسكرية وحدها، وإنما تحتاج إلى إدارة المعلومات وسرعة الاتصال وحماية المراسلات، وهي مبادئ ما زالت أساسية في الاتصال المؤسسي الحديث، كما ارتبط معاوية بقدرة سياسية عالية على إدارة الاتصال مع الفئات المختلفة، فقد كان الاتصال في عهده لا يعتمد دائماً على القوة المباشرة، وإنما على المفاوضة، والرسائل، واستمالة الشخصيات، وإدارة العلاقات مع القبائل والوجهاء والقادة، وهو ما يكشف أن الاتصال السياسي والاجتماعي كان جزءاً من ممارسة الحكم ذاتها، فالحاكم يحتاج إلى إقناع حلفائه، وطمأنة أنصاره، والتفاوض مع خصومه، وإيصال موقفه إلى الأقاليم، «المصدر، محمد بن جرير الطبري، «تاريخ الرسل والملوك»»، أن هذه الممارسة تقدم نموذجاً مبكراً لما يسمى اليوم «الاتصال السياسي وإدارة أصحاب المصلحة»، مع التأكيد أن المصطلح حديث، بينما الممارسة السياسية أقدم منه بكثير، وكانت الخطابة أهم وسيلة للوصول المباشر إلى الجمهور كطريقة وأسلوب إعلامي في ذلك الزمن، لأن الخطيب يستطيع أن يجمع الناس في المسجد أو في مناسبة عامة ثم يقدم رسالة موحدة في وقت واحد، ولذلك ارتبطت الخطابة السياسية بقوة الدولة والمناوئين لها، وظهرت خطب الخلفاء والولاة والقادة والخوارج والشيعة والزبيريين وغيرهم، فأصبح المنبر مساحة للصراع على تفسير الأحداث وتوجيه الجمهور، ومن أبرز النماذج خطبة زياد بن أبيه المعروفة بـ«الخطبة البتراء» في العهد الأموي، وقد بينت دراسة أكاديمية حديثة أن الخطبة تضمنت مضامين سياسية تتصل بإرساء دعائم الحكم والسياسة، واستخدمت أساليب بلاغية متعددة، مثل الاستفهام، والنهي، والتحذير، والأمر، والنداء، والشرط، والتوكيد، وهو ما يوضح قدرتها على بناء رسالة قوية موجهة إلى المتلقي، «المصدرـ ناصر محمد دحان أحمد، «السمات الموضوعية والجمالية في الخطابة السياسية في العصر الأموي، خطبة البتراء لزياد بن أبيه أنموذجاً»، مجلة العلوم التربوية والدراسات الإنسانية، المجلد السابع، العدد السادس عشر، 2021م، ص430 ـ 452»، وأرى أن خطبة زياد تمثل نموذجاً مهماً لدراسة الاتصال الإقناعي، لأنها لم تكتف بوصف الواقع، بل سعت إلى تغيير سلوك الجمهور وترسيخ تصور محدعن الأمن والطاعة والفوضى والسلطة، ويبرز هنا زياد بن أبيه بوصفه واحداً من أبرز الخطباء السياسيين في العصر الأموي، إذ امتلك قدرة عالية على الجمع بين قوة اللغة والشخصية والرسالة السياسية والاجتماعية والدينية، وتكشف دراسة خطبته أن البلاغة لم تكن مجرد زخرفة لغوية، وإنما كانت وسيلة لبناء التأثير في المتلقي، وهذا يجعل الخطابة الأموية قابلة للتحليل من خلال مفاهيم حديثة مثل الإقناع، والتأثير، وبناء الصورة الذهنية، والاتصال المباشر، «المصدرـ ناصر محمد دحان أحمد، «السمات الموضوعية والجمالية في الخطابة السياسية في العصر الأموي»، 2021م»، أن أهم درس من تجربة زياد هو أن قوة الرسالة الإعلامية لا تأتي من المعلومات وحدها، وإنما من طريقة تقديمها، وشخصية المتحدث، ونبرة صوته، وترتيب أفكاره، والتوقيت، والمكان، وقدرته على تحويل الخطاب إلى موقف وسلوك، ثم يأتي الحجاج بن يوسف الثقفي بوصفه من أبرز الشخصيات التي استخدمت الخطابة السياسية في العصر الأموي، وقد اشتهر بخطبه السياسية والوعظية، ودرست إحدى الدراسات خطبه في ضوء نظرية الاتصال الأدبي، مؤكدة أهمية العلاقة بين المبدع والنص والمتلقي، «المصدرـ محمد أرشد الحسن، «خطب الحجاج بن يوسف الثقفي الوعظية، دراسة في ضوء نظرية الاتصال الأدبي»، مجلة التجديد، المجلد العشرون، العدد الأربعون، وتجربة الحجاج تكشف بوضوح أن الخطاب السياسي الديني يمكن أن يتحول إلى أداة لإدارة العلاقة بين السلطة والجمهور، فقد كان خطابه مباشراً وقوياً ومشحوناً بالتحذير والتهديد والحث، ولذلك فإن دراسته إعلامياً لا تعني تبرير سياساته أو الحكم عليها أخلاقياً، وإنما تحليل قدرته على استخدام الخطاب في بناء الهيبة القيادية وتوجيه الجمهور، كما ارتبط الحجاج بعهد عبد الملك بن مروان ارتباطاً وثيقاً، ولذلك فإن دراسة الاتصال السياسي في مرحلة عبد الملك لا تكتمل من دون دراسة العلاقة بين الخليفة وولاته وكتاب الدولة، فقد واجه عبد الملك مرحلة سياسية مضطربة، وكان تثبيت سلطة الدولة وإعادة توحيدها يحتاج إلى إدارة سياسية وعسكرية واتصالية متماسكة وفعالة، وبرز في عهده استخدام الرسائل والخطب والولاة والكتاب في تثبيت القرار السياسي، وكان الحجاج أحد أبرز أدواته السياسية والإدارية، «المصدرـ محمد بن جرير الطبري، «تاريخ الرسل والملوك»، وابن الأثير، «الكامل في التاريخ»»، ومن وجهة نظري أن عهد عبد الملك يمثل مرحة مهمة في تطور الاتصال الفعال والرسائل الأموي المؤثرة، لأن توحيد السلطة يحتاج بالضرورة إلى توحيد الرسائل السياسية والإدارية، وكلما اتسعت الدولة أصبحت الحاجة أكبر إلى صياغة القرار ونقله وتفسيره ومتابعة تنفيذه، ويمثل عبد الملك بن مروان كذلك مرحلة مهمة في تاريخ بناء الدولة المركزية، إذ شهد عهده تعزيز الإدارة المركزية وتعريب الدواوين وضرب العملة الإسلامية، وهي إجراءات لم تكن إعلاماً بالمعنى الاصطلاحي، لكنها كانت تحمل وظيفة اتصالية ورمزية قوية، فالعملة الرسمية واللغة الإدارية الموحدة والعلامات السياسية للدولة تسهم في بناء هوية السلطة وإظهار حضورها في حياة الناس، وهذه النقطة مهمة جداً في فهم «الاتصال الرمزي» للدولة، لأن الدولة لا تتواصل مع المجتمع بالكلام وحده، وإنما تتواصل أيضاً من خلال اللغة، والرموز، والوثائق، والعملات، والمباني، والشعارات، وكل ما يرسخ صورة الدولة في الوعي العام، أما الرسائل السياسية التي طالما اتصلت بالرسائل الاتصالية الإعلامية حينها، فكانت من أهم أدوات الاتصال بين مركز الحكم والولاة والقادة والخصوم، وقد أسهم هذا الفن في تطور النثر العربي وظهور طبقة من الكتاب ذوي القدرة اللغوية والثقافية الواسعة، ومن أبرزهم عبد الحميد بن يحيى الكاتب، الذي أصبح اسمه مرتبطاً بتطور الرسائل السياسية في العصر الأموي، إلى جانب أبي العلاء سالم بن عبد الله وغيرهما، وقد خلصت دراسة أكاديمية إلى أن الرسائل السياسية أدت وظائف سياسية مهمة وأسهمت في تطور النثر العربي وظهور طبقة من الكتاب، «المصدر ـ محمد الأول بن إسحاق ومنجد مصطفى بهجت، «القيمة الفنية للرسائل السياسية في العصر الأموي»، مجلة الدراسات اللغوية والأدبية، المجلد السابع، العدد الثاني، 2016م»، فعبد الحميد بن يحيى يمثل نموذجاً مبكراً لما يمكن تسميته اليوم «صانع الرسالة المؤسسية»، مع الفارق التاريخي، لأنه كان يصوغ نصاً سياسياً موجهاً إلى طرف محدد، ويختار ألفاظه وحججه وفق مكانة المخاطب والغرض من الرسالة، وكان الشعر قناة اتصال مختلفة تماماً، فهو لا يحتاج إلى مؤسسة إدارية لكي ينتشر، وإنما يعتمد على الحفظ والرواية والإنشاد والمجالس والأسواق، ولذلك امتلك الشاعر قدرة على الوصول إلى جمهور واسع وصناعة صورة ذهنية عن الأشخاص والقبائل والأحداث، وبرز في العصر الأموي جرير والفرزدق والأخطل وغيرهم، وتحول الشعر في بعض سياقاته إلى وسيلة للمدوالهجاء والدفاع عن المواقف السياسية والاجتماعية، «المصدرـ الجاحظ، «البيان والتبيين»، ومحمد بن جرير الطبري، «تاريخ الرسل والملوك»»، فالشاعر الأموي يمكن مقارنته وظيفياً بقائد الرأي أو المؤثر الجماهيري في العصر الحديث، لا من حيث الوسيلة، وإنما من حيث القدرة على صناعة صورة ذهنية وانتشار موقف بين الجمهور، وفي عهد الخليفة الوليد بن عبد الملك أخذ الاتصال الرمزي للدولة بعداً واضحاً من خلال العمران والمشروعات الكبرى، وفي مقدمتها المسجد الأموي في دمشق وتوسعة المسجد النبوي والمسجد الحرام وفق ما تذكره المصادر التاريخية، وهذه الأعمال لم تكن «وسائل إعلام» بالمعنى المباشر، لكنها كانت رسائل سياسية وحضارية مرئية، تعبر عن قوة الدولة وثرائها واهتمامها بالعمران والمقدسات، «المصدرـ محمد بن جرير الطبري، «تاريخ الرسل والملوك»، وابن كثير، «البداية والنهاية»»، فالعمارة الرسمية يمكن قراءتها ضمن مفهوم «الاتصال الرمزي»، فالمؤسسة أو الدولة قد تبني صورتها في أذهان الناس بالكلمة، وقد تبنيها أيضاً بالمكان والرمز والمشروع الحضاري، أما الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك فقد ارتبط عهده باستمرار الجهاز الإداري للدولة واتساع اهتمام السلطة بإدارة الأقاليم والموارد وشؤون الحكم، وتكشف المرحلة المتأخرة من الدولة الأموية عن أهمية الكتاب والولاة والمراسلات في إدارة دولة واسعة ومتعددة الأقاليم، وأهمية عهد هشام إعلامياً لا تكمن في اختراع وسيلة جديدة بقدر ما تكمن في استمرار الاعتماد على شبكة الاتصال الإداري القائمة، وهو ما يؤكد أن الاتصال المؤسسي مهم، ويظهر هيبة الدولة في القدرة على المحافظة على تدفق المعلومات بين مركزها وأطرافها، ومن الوسائل المهمة أيضاً البريد، فقد كان يمثل شرياناً للمعلومات بين مركز الحكم والأقاليم، ولم تكن أهميته في نقل الرسائل فقط، وإنما في سرعة وصول الأخبار والأوامر، وهي مسألة شديدة الأهمية في دولة واسعة المساحة، فكلما طال الزمن بين وقوع الحدث ووصول الخبر إلى مركز القرار ازدادت احتمالات فقدان السيطرة أو تأخر الاستجابة، ولذلك يمكن النظر إلى البريد بوصفه جزءاً من البنية الاتصالية للدولة، «المصدر- البلاذري، «فتوح البلدان»، والطبري، «تاريخ الرسل والملوك» «، والبريد يمثل أحد أهم الدروس التي يمكن نقلها إلى الإعلام المؤسسي الحديث، وهو أن سرعة المعلومة لا تقل أهمية عن صحة المعلومة، فالقرار المتأخرقد يكون عديم القيمة حتى لو كان صحيحاً،
ومن زاوية النظريات الإعلامية الحديثة يمكن قراءة هذه البيئة الاتصالية من خلال «حراسة البوابة»، لأن المعلومات لا تنتقل بالضرورة من الحدث إلى الجمهور مباشرة، وإنما تمر عبر الخليفة، والوالي، والكاتب، والخطيب، والراوي، والشاعر وغيرهم، وكل واحد منهم يمكن أن يؤثر في طريقة نقل المعلومة وصياغتها وانتشارها، لكن من الخطأ القول إن الأمويين كانوا يطبقون «نظرية حارس البوابة»، لأن النظرية نفسها ظهرت في الدراسات الحديثة، وإنما الصحيح أن نقول إن بعض وظائف حراسة المعلومات كانت موجودة تاريخياً قبل صياغتها النظرية، «المصدرـ كورت لوين، «قنوات الاتصال وحراسة البوابة»، الولايات المتحدة الأمريكية، 1947م»، وهذه المقارنة مفيدة إذا استخدمت بوصفها أداة تحليل، لا بوصفها دليلاً على أن المجتمع الأموي كان يعرف النظريات الإعلامية الحديثة، وينطبق الأمر نفسه على نظرية التأطير الإعلامي، فالخطيب والشاعر والكاتب لم يكونوا يقدمون الأحداث دائماً بصورة محايدة، بل كانوا يقدمونها من زاوية محددة، أن هذه النقطة تكشف أن الصراع السياسي لم يكن صراعاً على السلطة والسلاح فقط، وإنما كان أيضاً صراعاً على تفسير الأحداث وصناعة الرواية للجماهير، ومن هنا يمكن فهم الإعلام الأموي باعتباره بيئة اتصال متعددة المستويات، فهناك اتصال من الحاكم إلى الولاة والقادة، واتصال من الولاة إلى السكان، واتصال جماهيري عبر الخطب، واتصال اجتماعي عبر الشعر والمجالس والأسواق، واتصال إداري عبر الرسائل والدواوين، واتصال سريع عبر البريد، واتصال رمزي عبر العمران والعملة واللغة الرسمية، وهذه المستويات لم تكن تعمل دائماً منفصلة، بل كان بعضها يعزز بعضاً، فالقرار السياسي قد ينتقل في رسالة، ثم يفسره الوالي، ثم يعلنه الخطيب، ثم يتحول إلى مادة شعرية أو رواية اجتماعية، وبذلك تصبح الرسالة جزءاً من شبكة اتصالية أوسع، أن وسائل الإعلام في الدولة الأموية لم تكن مؤسسات إعلامية بالمعنى الحديث، وإنما كانت منظومة اتصال سياسية وإدارية واجتماعية متكاملة الوظائف، قادها الخلفاء والولاة والكتاب والخطباء والشعراء والرواة، وكان لكل شخصية دورها في هذه المنظومة، فمعاوية بن أبي سفيان ارتبط بالتأسيس وتنظيم الإدارة والمراسلات والبريد وإدارة الاتصال السياسي والاجتماعي والفكري، وعبد الملك بن مروان ارتبط بإعادة تنظيم الدولة وبتعزيز مركزيتها وتعريب الإدارة والرموز السياسية، وزيابن ابية والحجاج بن يوسف اشتهرا بقوة الخطابة السياسية واستخدام الكلمة في بناء الهيبة والطاعة، وعبد الحميد بن يحيى الكاتب أسهم في تطوير الرسائل السياسية والنثر الإداري، والوليد بن عبد الملك قدم نموذجاً للاتصال الرمزي من خلال العمران والمشروعات الكبرى، بينما استمر في عهد هشام بن عبد الملك الاعتماد على الجهاز الإداري والمراسلات والولاة في إدارة دولة واسعة، وبذلك فإن القيمة الحقيقية للتجربة الأموية ليست في القول إنها امتلكت «إعلاماً حديثاً» قبل أوانه، وإنما في أنها أدركت، بحكم طبيعة الدولة وحاجاتها، أهمية الرسالة، والمتحدث، والجمهور، والقناة، والتوقيت، وسرعة انتقال المعلومات، والرمز، والصورة الذهنية، وهي عناصر ما زالت تشكل جوهر الاتصال السياسي والمؤسسي حتى اليوم، ولكن بطرق وأساليب مختلفة.
أخيراً: أن الدرس الأكبر الذي يمكن أن يقدمه الإعلام الأموي للإعلام المعاصر هو أن التكنولوجيا تغير الوسيلة، لكنها لا تلغي قواعد التأثير، فالمتلقي يريد رسالة واضحة، ومصدراً مؤثراً، ولغة مفهومة، وتوقيتاً مناسباً، وقناة تصل إليه، وسياقاً يمنحه معنى، ولذلك فإن دراسة الإعلام الأموي ليست بحثاً عن الصحيفة أو الإذاعة في الماضي، وإنما بحث في كيف صنعت الدولة والمجتمع التأثير بالموجود من وسائل، وكيف تحولت الكلمة إلى موقف، والرسالة إلى قرار، والخطبة إلى تعبئة، والشعر إلى صورة ذهنية، والمعلومة إلى قوة للدولة.
** **
- دكتوراه صحافة وإعلام