ثامر بن سعران السبيعي
في محطة صغيرة على طرف أوروبا، صباح يوم من أغسطس 1914، تسلّم موظّف أمر التعبئة. لا خطاباً ولا بياناً - ورقةً واحدة. ففتح دفتراً حسبت أرقامه قبل سنوات: أيّ قطار يتحرّك، وفي أيّ دقيقة، وعلى أيّ رصيف. لم يكن في الدفتر وجهة ولا سبب ولا غاية. كان فيه أرقام فقط. ولم يكن يستطيع أن يبطئ، لأنّ إبطاء قطار واحد يفسد الجدول كلّه.
هذا الرجل لم يقرّر شيئاً، ولم يسأل عن شيء، ونقل قراراً لم يعرف مصدره. وقبله بثلاثة قرون كان فلاح ألمانيّ تتبدّل ديانة أرضه ثلاث مرات ولا يسأل مرة. وبين الرجلين مقعد واحد: مقعد من تمرّ به القاعدة ولا يمرّ بصياغتها.
وأكثر دول العالم اليوم تجلس في هذا المقعد دون أن تسمّيه. تطبّق ضوابط تصدير لم تشارك في وضعها، وتوائم معايير محاسبيةً وتقنيةً كتبت في مكان آخر، وتنفّذ قرارات ماليةً صدرت في عاصمة واحدة وتنفّذ في مئة وتسعين. والامتثال هنا ليس تبعيةً سياسيةً بالضرورة؛ إنّه في كثير من الأحيان شرط بقاء في نظام لا بديل عنه. لكنّ هذا المقعد لم يعد موروثاً.
درس من نصّ عمره قرن
في المادة السادسة عشرة من عهد عصبة الأمم شرط للجزاء: أن يكون العضو قد «التجأ إلى الحرب». اختار المحرّرون هذا اللفظ سنة 1919 لأنّه كان مصطلح عصرهم؛ فالحرب يومئذ إجراء قانونيّ يعلن ويخطر به.
ثم اجتاحت اليابان إقليماً صينياً سنة 1931 ولم تعلن حرباً - سمّته «حادثة». فلم تدخل الواقعة نطاق المادة أصلاً، وخرج الملفّ إلى مسار آخر انتهى بتقرير وتوصية بعدم الاعتراف. وحين غزت إيطاليا الحبشة سنة 1935 صدر قرار بأنّها «التجأت إلى الحرب»، ففرضت الجزاءات- ثم أخرج النفط والفحم والحديد من قوائمها، ورفعت بعد سبعة أشهر وقد دخل الجيش الغازي العاصمة.
النتيجة واحدة في الحالتين. والفرق بينهما لفظ اختاره أشخاص جلسوا في غرفة في باريس قبل ذلك بستّ عشرة سنة.
هذا هو الأثر الحقيقيّ لصياغة القاعدة: لا تظهر ساعة الكتابة، بل بعد عقد أو عقدين، حين تقع واقعة فيقاس عليها لفظ لم يشارك في وضعه من ستقاس عليه.
أربع غرف مفتوحة الآن
الأولى: حوكمة الذكاء الاصطناعي. انعقدت في جنيف يومي السادس والسابع من يوليو 2026 أول جلسة للحوار العالمي حول حوكمة الذكاء الاصطناعي، وهو منبر أنشأته الجمعية العامة للأمم المتحدة. وقدّمت فيه لجنة علمية دولية مستقلة تقريرها الأول -أربعون عضواً اختيروا من أكثر من ألفين وستمائة مرشّح. وسبقت الجلسة استشارات تلقّت أكثر من ألف وخمسمئة مساهمة مكتوبة من كلّ المجموعات الإقليمية.
والجلسة الثانية معلومة الموعد والمكان: نيويورك، الثالث والرابع من مايو 2027. أي أنّ الغرفة مفتوحة، وبابها معلن، وموعد انعقادها منشور.
الثانية: قاع البحار. تعمل السلطة الدولية لقاع البحار على «مدوّنة التعدين» منذ سنة 2014. وقد أخفقت في إقرارها في مواعيد متتالية، وانتهت دورة مجلسها في كينغستون في مارس 2026 دون اعتماد لوائح الاستغلال؛ وما زالت أخطر المسائل معلّقة: اقتسام العوائد، ونظام المسؤولية، والتعويض البيئي.
اثنتا عشرة سنةً والنصّ لم يغلق. وهذا لا يعني أنّه سيبقى مفتوحاً - فالضغط عليه يأتي اليوم من خارج الغرفة: مسارات وطنية منفردة تحاول التعدين بمعزل عن السلطة، ونزاع وصل إلى المحكمة الدولية لقانون البحار. والغرفة التي يتراكم خارجها أمر واقع، تغلق يوماً على ما تراكم لا على ما تفاوض عليه.
الثالثة: أعالي البحار. دخلت اتفاقية التنوع البيولوجي في المناطق الواقعة خارج الولاية الوطنية -اتفاقية أعالي البحار- حيّز النفاذ في السابع عشر من يناير 2026، بعد أن بلغت ستّين تصديقاً في سبتمبر 2025. وهي أول إطار ملزم لنصف مساحة الكوكب تقريباً.
والمؤتمر الأول للأطراف يجب أن ينعقد قبل السابع عشر من يناير 2027. وفيه تحسم المسائل المؤسسية: مقرّ الأمانة، وإجراءات إنشاء المحميات، وتركيب الهيئة العلمية والتقنية. ومن صدّق مبكراً يجلس طرفاً في ذلك المؤتمر؛ ومن تأخّر يحضر مراقباً - إن حضر. والفارق بين الصفتين ليس بروتوكولياً: الطرف يصوّت، والمراقب يستمع.
الرابعة: الكابلات البحرية. نحو خمسمئة كابل تمتدّ أكثر من مليون وسبعمئة ألف كيلومتر، وتحمل -بحسب الاتحاد الدولي للاتصالات- أكثر من تسعة وتسعين في المئة من حركة البيانات الدولية. ومع ذلك لم تكن لها هيئة استشارية دولية إلا في نوفمبر 2024، حين أنشأها الاتحاد مع اللجنة الدولية لحماية الكابلات. وعقدت قمّتها الأولى في أبوجا سنة 2025، والثانية في بورتو في فبراير 2026 بحضور أكثر من سبعين دولة، وأقرّت تقريرها الختامي في جنيف في العاشر من يوليو 2026.
وفي هذه الغرفة تحديداً شاهد يستحقّ التأمّل: رئاستها المشتركة كانت لوزير الاتصالات النيجيري ولرئيسة الهيئة التنظيمية البرتغالية. لا لقوة كبرى. فالمقعد الأول في هذه الغرفة لم ينل بحجم الاقتصاد ولا بعدد الكابلات، بل بالحضور المبكر والاستعداد لحمل العبء التنظيمي.
غرفة خامسة ترى الوجه الآخر
انهارت مفاوضات الاتفاقية الدولية بشأن التلوث البلاستيكي في جنيف في أغسطس 2025 دون نصّ. ثم استقال رئيس المفاوضات، وانعقدت جلسة إجرائية ليوم واحد في فبراير 2026 لانتخاب رئيس جديد، وصدرت خارطة طريق في مارس، والتقى رؤساء الوفود في نيروبي في يوليو، والجولة الرسمية القادمة مؤجّلة إلى أواخر 2026 أو أوائل 2027.
فهذه غرفة بقيت مفتوحةً بالعجز لا بالسخاء. وهي تذكير بأنّ «مفتوحة» لا تعني «سهلة»، وأنّ بقاء الباب مفتوحاً قد يكون علامة خلاف عميق لا علامة ترحيب.
ثلاث علامات تعرف بها الغرفة التي لم تغلق
هذه محاولة لتحويل الملاحظة إلى أداة يمكن استعمالها:
الأولى: أن يكون النزاع على الألفاظ لا على المبادئ. فحين تنتقل المفاوضة من «هل نضع قاعدة؟» إلى «أيّ لفظ نكتب؟» تكون الغرفة قد دخلت الطور الذي يحسم فيه كلّ شيء -وهو الطور الذي يغيب عنه أكثر الحاضرين لأنّه يبدو تفصيلاً فنياً.
الثانية: أن تكون الرئاسة أو الأمانة ما زالت قابلةً لإعادة التشكيل. فاستقرار الرئاسة علامة استقرار التوازن؛ وتغيّرها علامة أنّ الأدوار لم توزّع بعد.
الثالثة: أن يكون الحضور مفتوحاً بلا اشتراط عضوية سابقة. وأكثر الهيئات الفنية كذلك: لا تقصي أحداً بالنصّ. لكنّها تقصي بالكفاءة على متابعة النقاش - فالمقعد شاغر ولا أحد يجلس فيه. وهذا نوع إقصاء لا يشتكى منه لأنّه لا يرى.
لماذا الحضور المبكر أرخص
الكلفة في مرحلة الصياغة سطر في نصّ، أو تحفّظ في محضر، أو خبير يحضر اجتماعاً فنياً لا يغطّيه أحد. والكلفة بعد النفاذ تعديل معاهدة.
وفي تاريخ عصبة الأمم شاهد على ذلك لا ينسى: أقرّت تعديلات على مادة الجزاء ثلاث مرات -في 1921 و1924 و1925- ولم يدخل أيّ منها حيّز النفاذ قطّ. فالمادة التي طبّقت على إيطاليا سنة 1935 هي نصّ 1919 بحرفه. تصحيح النصّ بعد أن يغلق أصعب من كتابته قبل أن يغلق. وأحياناً مستحيل.
ثلاثة قيود على هذا القول
الأول: الحضور ليس أثراً. من جلس في عشرين طاولةً ولم يقدّم نصّاً ولا اقتراح صياغة لم يترك أثراً. والمشاركة تقاس بما دخل الوثيقة لا بعدد الوفود.
الثاني: أكثر المعايير لا تكتب مرةً واحدة. الغالب أنّها تثبّت بالتراكم: منتج ينتشر، فيصير أمراً واقعاً، ثم يكتب النصّ ليصف ما استقرّ. فمن انتظر لحظة الكتابة وصل بعد أن كتبت فعلاً.
الثالث: هذه أطروحة بنية لا نبوءة. ولا يقال إنّ من حضر ربح ومن غاب خسر؛ يقال إنّ فرصة التأثير في القاعدة تقلّ كلّما تأخّر الحضور، وإنّ هذه العلاقة قابلة للاختبار في كلّ غرفة على حدة.
وأخيراً: موظّف المحطة سنة 1914 لم يكن يملك أن يبطئ، لأنّ الجدول كتب قبله بسنوات، ولم يكن أحد يسأله حين كتب.
والفرق بيننا وبينه أنّ الجداول اليوم ما زال بعضها يكتب. في جنيف ونيويورك وكينغستون وبورتو ونيروبي، وفي عشرات اللجان الفنية التي لا تصدر بيانات ولا تتصدّر نشرات.
وهي لا تغلق بإعلان. تغلق حين يعتاد الناس أن يسألوا عمّا في النصّ، ويكفّوا عن السؤال عمّن كتبه.
** **
- دبلوماسيّ سعوديّ سابق، وباحث في الدبلوماسية المعرفية.