عبد الله سليمان الطليان
لا تحتاج الدول دائمًا إلى الحروب أو الكوارث الكبرى لاختبار قوة مجتمعاتها؛ ففي أحيان كثيرة تكفي ساعات قليلة من انقطاع الكهرباء لتكشف ما تخفيه المدن خلف أضوائها.
في مساء الثالث عشر من يوليو عام 1977 غرقت مدينة نيويورك في ظلام دامس بعد انهيار شبكة الكهرباء، واستمر الانقطاع قرابة أربعٍ وعشرين ساعة. لم يكن الحدث مجرد عطل فني، بل تحول إلى واحد من أشهر الاختبارات الاجتماعية في التاريخ الأمريكي. فخلال ساعات قليلة تعرضت آلاف المتاجر للنهب، وانتشرت أعمال السلب والتخريب، وأُضرمت الحرائق في عدد من الأحياء، واضطرت السلطات إلى تنفيذ آلاف الاعتقالات بعد عودة التيار الكهربائي.
وقدرت الخسائر الاقتصادية آنذاك بنحو 350 مليون دولار، وهو مبلغ يعادل اليوم عدة مليارات من الدولارات إذا ما احتسبت قيمته الشرائية الحالية. ولم يكن الضرر اقتصاديًا فقط، بل أصاب صورة المدينة وهيبة مؤسساتها، حتى أصبحت تلك الليلة تُدرَّس في الجامعات بوصفها مثالًا على هشاشة النظام الاجتماعي عندما تتعطَّل إحدى ركائز الحياة المدنية.
لكن السؤال الذي ظل يلاحق الباحثين لعقود هو: هل كان انقطاع الكهرباء سببًا للفوضى، أم أنه كشف عن مشكلات كانت كامنة تحت السطح؟
يرى كثير من علماء الاجتماع أن نيويورك في سبعينيات القرن الماضي كانت تعيش أزمة مالية خانقة، وارتفاعًا في معدلات البطالة والجريمة، وتراجعًا في الخدمات العامة، وتدهورًا في عدد من الأحياء الفقيرة. ولذلك لم يصنع الظلام الفوضى، بل كشف مجتمعًا كان يعاني اختلالات اقتصادية واجتماعية عميقة، فجاء انقطاع الكهرباء ليطلق ما كان مكبوتًا.
وتتضح هذه الفكرة أكثر عند مقارنة نيويورك بمدن أمريكية أخرى. فقد شهدت مدينة سان فرانسيسكو ومناطق واسعة من ولاية كاليفورنيا انقطاعات كبيرة للكهرباء في مناسبات مختلفة، إلا أنها لم تشهد موجة النهب والتخريب التي اجتاحت نيويورك عام 1977. ولا يعني ذلك أن سان فرانسيسكو مدينة خالية من الجريمة، أو أن نيويورك كانت مدينة خارجة عن القانون، وإنما يدل على أن استجابة المجتمعات للأزمات لا تتحدد بانقطاع الكهرباء وحده، بل تتأثر بمستوى التماسك الاجتماعي، والظروف الاقتصادية، وجودة الخدمات، وطبيعة الأحياء، ومدى شعور السكان بأن مدينتهم تستثمر فيهم كما تستثمر في طرقها ومبانيها.
إن التنمية ليست مشاريع إسمنتية فحسب، بل هي بناء الإنسان قبل بناء العمران. فالمدينة التي تستثمر في التعليم، وفرص العمل، والعدالة، والإسكان، وتحسين جودة الحياة، تزرع في سكانها شعورًا بالانتماء والمسؤولية، وتجعل حماية الممتلكات العامة والخاصة جزءًا من الثقافة اليومية، لا مجرد خوف من العقوبة.
ورغم الصورة التي تقدمها بعض وسائل الإعلام عن الجريمة في الولايات المتحدة، فإن الإحصاءات الرسمية تشير إلى تحسن ملحوظ في السنوات الأخيرة. فقد أعلن مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي (FBI) أن الجرائم العنيفة انخفضت بنحو %4.5 خلال عام 2024 مقارنة بالعام السابق، كما تراجعت جرائم القتل بنسبة تقارب 14.9 %، وانخفضت جرائم السطو بنحو 8.9 %، وتراجعت كذلك جرائم الممتلكات على المستوى الوطني.
غير أن هذه الأرقام لا تعني اختفاء الجريمة، فالولايات المتحدة لا تزال تسجل ملايين البلاغات الجنائية سنويًا، كما أن الفوارق بين المدن والأحياء كبيرة. فهناك مدن نجحت في خفض الجريمة بفضل الاستثمار في التنمية الحضرية، وتحسين الخدمات، وتعزيز التعاون بين الشرطة والمجتمع، بينما لا تزال مدن أخرى تواجه تحديات ترتبط بالفقر، وتعاطي المخدرات، والتفاوت الاقتصادي، وضعف الثقة بالمؤسسات.
وهنا تبرز حقيقة كثيرًا ما يؤكدها خبراء علم الاجتماع الحضري، وهي أن الأمن لا يصنعه القانون وحده، بل تصنعه أيضًا الثقة المجتمعية. فحين يشعر المواطن بأن الدولة عادلة، وأن الخدمات تصل إليه، وأن الفرص متاحة، يزداد شعوره بالانتماء، ويصبح احترام النظام جزءًا من قناعته الشخصية، لا استجابة مؤقتة لوجود رجل الأمن.
ولعل هذا ما يفسر لماذا تستطيع بعض المدن تجاوز أزمات كبيرة بأقل قدر من الفوضى، بينما تتحول الأزمة نفسها في مدن أخرى إلى انفجار اجتماعي. فالأزمات لا تخلق المجتمعات، وإنما تكشف حقيقتها.
ومن هنا فإن قياس قوة الدول بعدد رجال الأمن أو حجم ميزانيات الشرطة وحده قد يكون مضللًا. فالقوة الحقيقية تظهر عندما تغيب الرقابة ولا تغيب الأخلاق، وعندما تتعطَّل الكاميرات ولا يتعطَّل الضمير، وعندما تنطفئ الأنوار ويبقى احترام النظام قائمًا.
لقد تركت نيويورك عام 1977 درسًا لا يزال صالحًا حتى اليوم: الأمن ليس نتاج القبضة الأمنية وحدها، بل هو ثمرة تنمية شاملة، وعدالة اجتماعية، وثقة متبادلة بين الدولة والمجتمع. فالشرطة تستطيع ردع الجريمة، لكن التنمية تقلِّل دوافعها، والثقة المجتمعية تجعل احترام القانون سلوكًا تلقائيًا لا يحتاج إلى مراقبة مستمرة.
ولهذا فإن المدن لا تُختبر في الأيام العادية، وإنما في لحظات الأزمات. ففي تلك اللحظات يظهر الفرق بين مجتمع يحرسه القانون فقط، ومجتمع يحرسه القانون والضمير معًا. وحين يجتمع الاثنان، يصبح انقطاع الكهرباء مجرد حادث تقني، لا بداية لانقطاع النظام.