صبحي شبانة
ليست المفاوضات بين واشنطن وطهران مجرد محطة دبلوماسية عابرة، ولا جولة أخرى من الجولات التي اعتادت المنطقة أن تراقبها ثم تنتظر تعثرها أو تجميدها، فالمشهد هذه المرة أكثر تعقيدًا، والبيئة الإقليمية أشد هشاشة، وحسابات القوة لم تعد تقتصر على ما تملكه الأطراف من أسلحة أو أوراق ضغط، بل أصبحت مرتبطة بما يمكن أن يتركه أي خطأ في التقدير من آثار على أمن الخليج، وأسواق الطاقة، والممرات البحرية، واقتصادات المنطقة والعالم، ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن تواجهه المفاوضات الحالية ليس فشلها فقط، وإنما استمرارها إلى الحد الذي تتحول فيه المماطلة إلى سياسة قائمة بذاتها، ويصبح كسب الوقت أهم من الوصول إلى تفاهم، فالتفاوض الطويل قد يكون أداة مشروعة لتحسين الشروط، لكنه يصبح خطيرًا عندما يفقد هدفه الأساسي ويتحول إلى تأجيل دائم للحظة اتخاذ القرار.
لقد أتقنت إيران عبر عقود طويلة من المواجهة والتفاوض، استخدام الوقت بوصفه أحد أدوات السياسة، تعدد المسارات، وتباين الرسائل، والتقدم المحدود يعقبه التراجع، وفتح باب ثم إغلاق آخر، كلها أساليب منحت طهران في محطات كثيرة قدرة على امتصاص الضغوط وتحسين شروطها وكسب مساحات جديدة للمناورة، لكن السياسة مثل الحرب، لا تمنح أي طرف سلاحًا صالحًا إلى الأبد، فما ينجح في مرحلة قد يتحول في مرحلة أخرى إلى عبء، والصبر الذي يمثل عنصر قوة في لحظة معينة قد يصبح سببًا في ضياع فرصة لا تتكرر، السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل ما زال الوقت يعمل لمصلحة إيران كما كان في السابق؟
فالمشكلة ليست في أن تتمسك طهران بمصالحها الوطنية، ولا في أن تسعى إلى أفضل اتفاق ممكن مع واشنطن، فهذا حق طبيعي لكل دولة تدخل أي مفاوضات، لكن المشكلة في تقديري تبدأ عندما يتحول التفاوض من وسيلة للوصول إلى اتفاق إلى وسيلة لتأجيل الاتفاق، وعندما يصبح استمرار المحادثات هدفًا في حد ذاته، بدلاً من أن يكون وسيلة للوصول إلى نقطة واضحة: اتفاق أو رفض صريح، المفاوض الناجح لا يقاس فقط بقدرته على الصمود أو المراوغة، وإنما بقدرته على معرفة اللحظة التي يصبح فيها استمرار التفاوض أكثر كلفة من التوصل إلى تفاهم، وهذه لحظة شديدة الحساسية في العلاقات الدولية، لأن الفرص لا تبقى مفتوحة إلى ما لا نهاية، والظروف التي تجعل اتفاقًا ممكنًا اليوم قد تتغير غدًا بفعل انتخابات أو أزمات أو حروب أو تحولات في موازين القوة.
الرسائل المتباينة التي تصدر من طهران بشأن طبيعة الاتفاق المحتمل مع الولايات المتحدة، وحدوده، وما إذا كان تفاهمًا دائمًا أو مؤقتًا، يمكن تفسيرها بأكثر من طريقة، فقد تكون انعكاسًا لتعدد وجهات النظر داخل مؤسسات صناعة القرار، وقد تكون جزءًا من استراتيجية تفاوضية محسوبة تهدف إلى رفع سقف المطالب واختبار مواقف الطرف الآخر وإبقاء جميع الخيارات مفتوحة، لكن الأخطر ليس في سبب هذا التباين، بل في أن استمرار الغموض فترة طويلة قد يخلق بيئة مناسبة للشك وسوء التقدير، فالولايات المتحدة لا تنظر إلى الملف الإيراني باعتباره قضية منفصلة عن بقية ملفات المنطقة، هناك أمن الخليج، والملاحة في الممرات البحرية، والبرنامج النووي، والقدرات العسكرية، والنفوذ الإقليمي، وحسابات الحلفاء، وأسواق الطاقة، وكل هذه الملفات تتحرك معًا وتؤثر في القرار السياسي، ولذلك فإن الفراغ الطويل في المفاوضات لا يبقى فراغًا، بل تمتلئ مساحته بالتهديدات والرسائل العسكرية والاستعدادات الميدانية والتقديرات المتبادلة، ومع مرور الوقت تصبح قدرة الأطراف على السيطرة على المشهد أقل، ويصبح احتمال الخطأ أكبر، وفي منطقة عاشت عقودًا من الأزمات، لا يحتاج الأمر دائمًا إلى قرار معلن بالحرب حتى تبدأ الحرب، أحيانًا تكفي حادثة في البحر، أو مسيرة محسوبة بشكل خاطئ، أو رد يتجاوز الحدود المتوقعة، حتى تجد المنطقة نفسها أمام سيناريو لم يكن أحد يرغب فيه، وهنا يصبح الحديث عن حافة الهاوية أكثر من مجرد تعبير سياسي.
فالدول التي تقترب من الحافة وهي تظن أنها تملك دائمًا فرصة للعودة، قد تكتشف أن التطورات أسرع من الحسابات، وأن الحرب، حين تبدأ، لا تلتزم بالحدود التي رسمها من بدأها.
إن أي مواجهة مباشرة أو غير مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران لن تبقى مواجهةً محصورة بين طرفين، فسيكون الخليج في قلب التداعيات، وستدخل الممرات البحرية في حسابات الردع، وستتفاعل أسواق الطاقة مع أي اضطراب، فيما ستدفع الاقتصادات الإقليمية والعالمية ثمنًا لا يمكن التنبؤ بحجمه.
والخسارة هنا لن تقتصر على طرف سياسي أو عسكري، بل قد تمتد إلى الشعوب والأسواق ومشروعات التنمية ومستقبل الاستقرار في المنطقة، ولهذا فإن التوصل إلى تفاهم، مهما كانت صعوبته سوف يكون أقل كلفة من ترك الأوضاع تنزلق إلى مواجهة لا يعرف أحد أين تتوقف، ولا يعني ذلك أن الاتفاق يجب أن يأتي على حساب المصالح الإيرانية أو الأمريكية، ولا أن يخرج طرف منتصرًا والآخر مهزومًا، فالتسويات الكبرى لا تقوم عادة على منح طرف كل ما يريد، بل على تحديد المصالح الأساسية التي لا يمكن تجاوزها، ثم إيجاد مساحة مشتركة تسمح لكل طرف بأن يحقق الحد الأدنى الذي يجعله قادرًا على الدفاع عن الاتفاق أمام مؤسساته وشعبه، وإيران التي تعاني عبئًا اقتصاديًا متزايدًا، أمام فرصة للنظر إلى الاتفاق من زاوية أبعد من الحسابات السياسية الضيقة، فالتوصل إلى تفاهم مستقر يمكن أن يفتح الباب أمام علاقات اقتصادية جديدة، ويعيد حركة الاستثمار والتجارة، ويخفف الضغوط المفروضة على الاقتصاد، بما ينعكس في النهاية على حياة المواطن الإيراني، لكن الأهم من ذلك أن المنطقة كلها تحتاج إلى الخروج من دائرة الأزمات المؤجلة، فمنذ سنوات تعيش منطقة الخليج بين احتمالات التصعيد والتهدئة، وبين التهديد والردع، وبين التفاوض والعقوبات، ثم العودة من جديد إلى طاولة التفاوض، إنها دائرة تستنزف الجميع وتؤجل بناء الثقة وتمنح القوى التي تعيش على الفوضى مساحة أكبر للحركة.
وفي هذا السياق، تعد السياسة السعودية نموذجًا لواقعية استراتيجية مختلفة، فالمملكة لم تجعل الحرب خيارًا مفضلًا لإدارة الخلافات، بل سعت خلال السنوات الأخيرة إلى بناء شبكة واسعة من العلاقات والتفاهمات، انطلاقًا من إدراك واضح بأن استقرار المنطقة هو الشرط الأول لنجاح مشروعات التنمية الكبرى، وأن الدولة التي تبني اقتصاد المستقبل لا تستطيع أن تبقى أسيرة أزمات الماضي، المملكة لا تنظر إلى أمن الخليج باعتباره قضية محلية تخص دولة أو دولتين، بل باعتباره منظومة مترابطة، ينعكس أي خلل فيها على الجميع، ولذلك جاءت تحركاتها الدبلوماسية قائمة على الحوار وفتح قنوات الاتصال وتوسيع مساحات التفاهم، حتى مع الدول التي تختلف معها في الرؤية والمصالح، وهذه ليست سياسة ضعف، بل قراءة واقعية لمعنى القوة في القرن الحادي والعشرين، تدرك المملكة إن أي تفاهم بين واشنطن وطهران لن يكون شأنًا أمريكيًا إيرانيًا فقط، كما تدرك ان أي اتفاق محتمل ستنعكس نتائجه على أمن الخليج، واستقرار المنطقة، وأسواق الطاقة، ومستقبل التنمية فيها، وكل يوم يمر من دون حسم يفاقم حالة عدم اليقين.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن الأزمات المفتوحة لا تبقى ساكنة، بل تتحرك باستمرار وتنتج أزمات أخرى، الفراغ السياسي يفتح المجال أمام الحسابات الخاطئة، والتوتر المستمر يمنح المليشيات المسلحة والمتطرفة فرصًا لاستغلال المشهد، ويجعل البحر والحدود والجغرافيا أدوات إضافية في لعبة الضغط، ولهذا فإن الخروج من الحلقة القديمة أصبح ضرورة، لا مزيد من التفاوض الذي لا ينتهي، ولا مزيد من التهديد الذي لا يتحول إلى قرار، ولا مزيد من إدارة الأزمة بدلًا من حلها، فإيران تمتلك أوراقًا، والولايات المتحدة تمتلك أوراقًا أكبر، لكن امتلاك أدوات القوة لا يعني أن استخدامها إلى النهاية هو الخيار الأفضل، فكل ورقة تفاوضية لها لحظة مناسبة، وكل سياسة لها حدود، وكل مفاوضات تصل في النهاية إلى لحظة يجب أن يختار فيها الطرفان بين اتفاق يمكن الدفاع عنه أو مواجهة قد يصعب التحكم في نتائجها.
المنطقة اليوم لا تحتاج إلى مزيد من الصبر الإستراتيجي او التكتيكي، بل إلى شجاعة اتخاذ القرار في الوقت المناسب، لا شجاعة تأجيله، على طهران أن تدرك أن الوقت ليس حليفًا دائمًا، وأن الظروف الدولية والإقليمية يمكن أن تتغير بسرعة، وعلى واشنطن أن تدرك أن سياسة الضغوط لا تؤدي دائمًا إلى النتيجة التي تريدها، وأن الاتفاق الأكثر استدامة هو الذي يمنح جميع الأطراف مصلحة حقيقية في الحفاظ عليه، أما دول المنطقة وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية فلديها مصلحة مباشرة في أن تتجه المفاوضات نحو تفاهم يمنع الانزلاق إلى المواجهة، لأن الاستقرار لم يعد ترفًا سياسيًا، بل أصبح ضرورة اقتصادية وأمنية لمستقبل المنطقة كلها، إن أخطر ما في المفاوضات الطويلة ليس طولها، بل الوهم الذي قد يصيب أطرافها بأن الوقت لا يزال ملكًا لهم، فالوقت ليس محايدًا، إنه يتحرك ويغير الظروف ويعيد ترتيب موازين القوة ويخلق مفاجآت لم تكن موجودة عندما بدأت المفاوضات، ولهذا فإن الحكمة لا تكمن في التفاوض إلى ما لا نهاية، بل في معرفة اللحظة التي يصبح فيها الاتفاق أفضل من الانتظار، فالوقت قد يكون سلاحًا في يد السياسي، لكنه إذا أُسيء استخدامه، قد يتحول إلى السلاح الذي يطلق النار على حامله.