د. علي معاضة الغامدي
منذ أكثر من ربع قرن، غادرت أسوار جامعة ليستر البريطانية حاملاً شهادتي، وقبل فترة، تلقيت بريداً إلكترونياً من رئيس الجامعة يتحدث فيه بوضوح عن تحديات مالية استجدت على المؤسسة، مقترحاً تحجيم بعض البرامج أو الأقسام. لم يكن الخطاب مجرد إحاطة إجرائية، بل كان أقرب إلى المشاركة في المسؤولية؛ خطاباً يحمل تقديراً عميقاً لمنتسبي الجامعة وخريجيها، ويوضح كيف تدار الأزمات في المؤسسات العريقة بوعي تربوي قبل أن يكون إدارياً، وهذا الموقف يعيد فتح ملف فلسفة التحول في الجامعات الوطنية التي أتمت عقودا من الزمن، وكيف يمكن موازنة الطموح نحو السمعة البحثية العالمية مع الحفاظ على الجوهر المعرفي الذي قامت عليه.
إن أساس أي تحول ناجح هو وجود استراتيجية معلنة بتفاصيلها الدقيقة، فالجامعة ليست مجرد مبانٍ وتصنيفات، بل هي رؤية وطنية لمستقبل العلم؛ لذا فإن أي لجنة أو جهة استشارية لها أن تقدم آفاقا تطويرية فلا بد أن تبني توصياتها انطلاقاً من هذه الاستراتيجية، بحيث يكون دورها تمكينياً لما خططت له الجامعة، وليس تغييرياً لمساراتها التأسيسية. هذه الاستراتيجية الواضحة هي التي تحمي التخصصات العميقة مثل الجغرافيا والتاريخ وعلم الاجتماع واللغات والتربية وغيرها من أن تعامل كأرقام مجردة في ميزانية، بل تعامل كأصول إستراتيجية للأمن المعرفي والوطني.
وتخبرنا تجارب الجامعات الحكومية الكبرى ذات السمعة العالمية أن التحديات غالباً ما تكون فرصة للتحديث لا للاستغناء؛ فجامعة كوليدج لندن وهي جامعة حكومية عريقة، ورغم توجهها البحثي المكثف، لم تفرط في أقسام الجغرافيا أو اللغات، بل جعلتها في قلب أبحاث الاستدامة العالمية، محولة هذه التخصصات التقليدية إلى محركات لرفع سمعتها الدولية عبر دمجها في مشاريع عابرة للتخصصات. كما أن جامعة طوكيو، وهي جامعة وطنية رائدة، واجهت ضغوطاً لتقليص العلوم الإنسانية والاجتماعية، لكنها قاومت هذا التوجه مؤكدة أن العلوم الأساسية هي القوة الدافعة للابتكار، وبدلاً من الإلغاء، طورت برامجها وربطت علم الاجتماع والجغرافيا بالدراسات الحضرية والبيئية، مما حافظ على شموليتها الأكاديمية؛ فالسمعة البحثية الحقيقية تبنى حين تتفرد الجامعة بتطوير تخصصاتها الأصيلة لتواكب المستقبل، لا حين تتخلى عنها.
وعلى سبيل المثال: يبرز دور علم الجغرافيا كركيزة أساسية لا يمكن تجاوزها في تحقيق متطلبات التنمية الشاملة، ولاسيما في ظل الطموحات الكبرى لرؤية المملكة 2030 التي تستند في جوهرها إلى المكان واستثماره، فالمشاريع العملاقة والتخطيط الحضري وتطوير البنية التحتية وحماية البيئة كلها قضايا جغرافية بامتياز، تتطلب مختصين قادرين على تحليل البيانات المكانية وربطها بالبعد التنموي والاقتصادي. إن تهميش هذا التخصص أو إضعافه يتناقض مع الحاجة الملحة لخبرات وطنية تدرك تفاصيل الجغرافيا المحلية وتساهم في تحويل التضاريس والموارد إلى فرص اقتصادية مستدامة، مما يجعل الحفاظ على عمق هذا القسم الأكاديمي ضرورة تنموية تسبق كونه ترفاً معرفياً.
وفي سباق التصنيفات الدولية، قد تقع بعض المؤسسات في فخ السمعة الرقمية على حساب الأثر المجتمعي، وهو الأثر الذي أرى أنه لا يدخل في المؤشرات؛ حيث يتم التركيز على مؤشرات الاقتباس ومعاملات التأثير في تخصصات تقنية معينة لرفع الترتيب العالمي، بينما يتم إغفال التخصصات التي تصنع الوعي الجمعي وتربي الأجيال وتؤمن الغذاء.
إن الأثر الحقيقي للجامعة الوطنية يتجاوز الأرقام المسجلة في قواعد البيانات الدولية، ليقاس بمدى ارتباط أبحاثها ومخرجاتها باحتياجات مجتمعها وبيئته وتاريخه، كما أن التحولات الكبرى في المؤسسات الأكاديمية تحتاج إلى درجة عالية من الشفافية في العمل؛ فالجامعة كيان حي يتنفس بآراء منسوبيه من أساتذة وطلاب، وخبرات مستفيديها من خريجين وجهات توظيف، وعندما يكون هؤلاء المنسوبون جزءاً من صناعة القرار، تتحول التحديات إلى فرص للتطوير المشترك، وتضمن المشاركة المجتمعية والشفافية في عرض المسببات والنتائج أن يكون التحول متوافقاً مع الهوية الوطنية، ومبنياً على أسس صلبة تتجاوز النظرة المادية العابرة.
إن الهدف من رفع السمعة البحثية والتأثير هو في النهاية خدمة المجتمع، والعلوم التأسيسية هي التي تمنح البحوث التطبيقية معناها؛ فالتكنولوجيا بلا إطار اجتماعي أو تربوي تظل ناقصة، والمدن الذكية تحتاج إلى الجغرافي والمخطط بقدر حاجتها للمبرمج، وعليه، فإن تقديرنا للجامعات العريقة ينبع من قدرتها على الصمود والتجدد؛ وكما تعلمنا من مدرسة ليستر وغيرها، فإن التواصل الراقي والوضوح الاستراتيجي هما ما يصنعان الفرق، فالحفاظ على الأقسام التي شكلت وعينا طيلة العقود الماضية، وتطويرها بما ينسجم مع طموحاتنا العالمية، هو الرهان الحقيقي الذي يضمن للجامعة مكانتها في قائمة التميز، وفي ذاكرة الوطن على حد سواء.