هدى بنت فهد المعجل
ليس كل إنسان وُلد وفي ظهره عائلةٌ تسنده، ولا كل من سار في الحياة وجد كتفًا يطمئن إليه حين تميل به الأيام. هناك من يبدأ رحلته وفي يده يدٌ تمسكه، وهناك من يبدأها وحيدًا، كأن الحياة أرادته أن يتعلم المشي قبل أن يتعلم الاتكاء. وبين الاثنين فرقٌ لا تصنعه الظروف وحدها، بل تصنعه الطريقة التي ينظر بها الإنسان إلى ما حدث له.
كنتُ أظن أن العزوة شيءٌ يولد معنا؛ أبٌ يسند، وأخٌ يحمي، وعائلةٌ تفتح أبوابها حين تضيق الدنيا. ثم أدركت أن العزوة، في معناها الأعمق، ليست دائمًا أشخاصًا يقفون خلفك، بل قد تكون شيئًا تبنيه داخل نفسك حتى تصبح أنت السند الذي كنت تبحث عنه.
اليُتم ليس غياب شخصٍ فحسب؛ أحيانًا هو أن تكبر وأنت تتعلم مبكرًا أن الحياة لا تمنح الجميع القدر نفسه من الحماية. أن تخرج إلى الدنيا بخطوات مترددة، ثم تكتشف أن عليك أن تصنع من هشاشتك صلابة، ومن خوفك شجاعة، ومن حاجتك استقلالًا. وما أقسى أن يصنع الإنسان نفسه من المواد التي كانت الحياة تحاول أن تهدمه بها.
لقد خرجتُ من قسوة الأيام لا كما دخلتها. تركت في الطريق أشياء كثيرة: خوفًا قديمًا، وترددًا، وحاجةً إلى إثبات نفسي للآخرين. والأهم أنني تركت خلفي النسخة التي كانت تنتظر من ينقذها. فهمت أن أعظم انتصار ليس أن تهزم الحياة، بل أن تصل إلى مرحلةٍ لا تعود فيها الحياة قادرة على تعريفك.
وحين يصنع الإنسان نفسه بنفسه، يصبح لبعض التدخلات معنى آخر. ليس كل من يقترب منك يملك حق تغيير مسارك، وليس كل من ظن أنه يعرف مصلحتك يعرف الطريق الذي قطعته حتى وصلت إلى هنا. بعض الناس يرون النتيجة، ولا يرون السنوات التي دفعت ثمنها. يرون هدوءك، ولا يعرفون كم عاصفةً احتجت حتى تصل إليه.
لذلك، حين أختار طريقي، لا أبحث عن موافقة الجميع. يكفيني أن أعرف لماذا اخترته، وإلى أين يقودني. فالإنسان الذي دفع ثمن استقلاله من عمره، لا يسمح لأحد أن يحوّل حياته إلى مشروعٍ لإرضائه.
بالتالي، ربما تكون العزوة الحقيقية هي أن تصل إلى اليوم الذي تقول فيه بثقة: لم يكن خلفي أحد، فتعلمت أن أكون خلف نفسي. ولم يفتح لي الطريق أحد، فشققت طريقي بيدي. وحين لم أجد من يحملني، حملت نفسي ومضيت.