عبدالرحمن الحضري
في مسرحية «باي باي لندن» عام 1981 أطلق الراحل عبدالحسين عبدالرضا تهكمه اللاذع على «المتميرضين» الذين يتخذون العلاج في الخارج غطاءً للسياحة، متسائلاً بجملته الشهيرة: (يعني ما تطيبون إلا يدزونكم لندن)؟!
هذا التهكم العميق، الذي عرّى ظاهرة اجتماعية ومؤسساتية حينها، يقابله اليوم مشهد لا يقل سخرية، سمعته عرضًا في حديث جانبي بين عاملين في أحد المراكز الصحية، إذ يتضاعف ضغط العمل لديهم فجأة، وبشكل عجيب مع أول أيام الدوام!
ولو أردنا عكس نكتة «أبو عدنان» لقلنا اليوم: (يعني ما تمرضون إلا إذا بدأ الدوام)؟!
يبدو أن التكاسل عن الدوام بات ظاهرة عابرة للأجيال والمسميات، حيث يتفنن الموظف والطالب على حد سواء في رسم ملامح الألم. تجد المراجع يبالغ في وصف حالته للطبيب ويستجدي عطفه، لا رغبةً في زيادة جرعة الدواء، بل طمعًا في توصية براحة ليومين أو ثلاثة. أما المفارقة المضحكة المبكية، فتتجلى في الطالب الذي ما إن ينال صك الإجازة المرضية ويعود لمنزله، حتى يقلب البيت رأسًا على عقب لعبًا وتكسيرًا، لنتساءل بصدق: وين المرض يابو الشباب؟!
الأطباء في المراكز الصحية لديهم من القصص الصباحية ما يفوق الخيال.
يقول أحدهم إنه مع بداية كل دوام، تغص الممرات بطالبي الاستشفاء من أمراض لا وجود لها. مسرحيات تبدأ بـ «دق اللطمة» للإيهام بالإنفلونزا، وتمر بمن «يسلهم» بنصف عين لتمثيل الإعياء التام. لكن الذروة الدرامية كانت مع شاب قرر تجاوز كل المناهج الطبية، إذ وضع «قرن فلفل» تحت عقبه وارتدى فوقه الجوارب والحذاء، إيمانًا منه بأسطورة شعبية تقول: إن هذا الفعل سيرفع حرارة جسمه في مقياس الحرارة إلى الأربعين، ليضع الطبيب أمام أمر واقع ويجبره على منحه الإجازة!
وأمام هذه الظواهر المتكررة ومحاولات التحايل الساذجة مع كل عودة للعمل أو مقاعد الدراسة، لم تقف الجهات المعنية متفرجة، بل اتُخذت إجراءات صارمة لاقتلاع هذه التجاوزات. تمثلت في التحول الرقمي الكامل بدءًا بتسجيل الموعد وصولاً إلى صرف العلاج عبر منصة «صحتي» وإلغاء التقارير الورقية التي كانت مرتعًا للتلاعب، وربط الإجازات آليًا بأنظمة الموارد البشرية ونظام «نور» في وزارة التعليم. والأهم من ذلك، أن هذه الإجراءات تُعرّض المتمارض والطبيب المتواطئ للعقوبة، مما أعاد للمنظومة انضباطها.
وبين سياحة «باي باي لندن» وقرن الفلفل، ندرك أن ادعاء المرض هربًا من الدوام بات حيلة مكشوفة عالجتها الأنظمة بحزم. لكن.. وبعيدًا عن أروقة المستشفيات والعمل، يبقى هناك «تميرض» من نوع آخر، تميرضٌ في محراب العشق، لا تكشفه موازين الحرارة ولا تفضحه المنصات الرقمية؛ حيث العلة في الروح لا في الجسد، وهو الداء الشفيف الذي عبر عنه الفنان فيصل السعد بلسان كل عاشق متيم حين قال:
دكتور عالجني إذا عندك علاج.. أنا مريض وعلتي داخلية!