د. محمد بن أحمد غروي
منذ الثمانينيات وكل عام يتسبب الضباب الدخاني الناتج عن حرائق الغابات في إندونيسيا في ارتفاع مستويات تلوث الهواء في الأرخبيل في موسم يتسم بالجفاف سارع من من الحرائق وآثارها الاقتصادية والصحية. يمثل الضباب الدخاني أحد الأزمات العابرة للحدود بين دول منطقة آسيان، والتي تشتد بين الفينة والأخرى مع سوء الأحوال الجوية.
مع التوسع المكاني للنطاق الزراعي إنتاج زيت النخيل وغيرها من المحاصيل الي تضم آسيان 56 % من الأراضي الخثية الرطبة و الاستوائية في العالم، إلا أن أكثر من 3 ملايين هكتار قد دُمرت جراء هذه الحرائق. مؤثرة سلبًا على صحة الإنسان وإنتاج الغذاء والتنوع البيولوجي، كما ساهمت في تغير المناخ العالمي. وأدت ممارسات تجفيف الأراضي وإزالة الغابات إلى تحويل النظم البيئية الهشة للأراضي الخثية في المنطقة من مخازن للكربون إلى مصادر لانبعاثه.
شهدت رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي موجاتٍ كبيرة من الحرائق وتلوث الضباب العابر للحدود. وقد وقعت إحدى أشد موجات تلوث الضباب تدميراً في التاريخ في التسعينات حيث أثرت على بروناي دار السلام وإندونيسيا وماليزيا والفلبين وسنغافورة وتايلاند، ويُقدّر أن تكلفتها على المنطقة تجاوزت 9 مليارات دولار أمريكي من الخسائر الاقتصادية والاجتماعية والبيئية. وعلى الصعيد البيئي، فقد أطلقت ما يُقدّر بمليار إلى ملياري طن من الكربون.
إذ ربطت دراسة أجرتها جامعة هارفارد بين الضباب الدخاني الذي حدث عام ، 2015، وكان من الأسوء خلال السنوات الماضية، ووفاة أكثر من 100 ألف حالة مبكرة في إندونيسيا وماليزيا وسنغافورة، كما تسببت الحرائق واسعة النطاق في هذا العام في حالة طوارئ إقليمية بسبب الضباب الدخاني، وكلفت إندونيسيا 16 مليار دولار أمريكي، وأدت إلى تصاعد التوترات الدبلوماسية بين الدول المجاورة.
خلال هذا العام بدأت حرائق الغابات في إندونيسيا مطلع أغسطس شمِلت عدد من الأقاليم الإندونيسية، كان غالبها في كاليمانتان التي شكلت فيها البؤر الساخنة للحرائق وانبعاث الدخان حوالي 80 % من إجمالي ما رصدته الحكومة الإندونيسية ولم تقتصر الأضرار على إندونيسيا وحدها، إذ امتد الضباب إلى الجارة في ماليزيا التي سجلت مستويات تلوث هواء «غير صحية» في حوالي 30 منطقة على مستوى البلاد.
مع توقع استمرار الأجواء الجافة خلال الأسبوع، كما رفع المركز المتخصص للأرصاد الجوية التابع لرابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) مستوى الإنذار إلى المستوى الثاني لمنطقة جنوب آسيا. هذا هو ثاني أعلى مستوى، مما يشير إلى تزايد خطر الضباب الدخاني العابر للحدود. يشير الإنذار إلى تصاعد نشاط البؤر الساخنة كما نصح بالعمل عن بعد وارتداء الكمامات لمن يعاني من مشاكل في التنفس.
تشتد خطورة الضباب الدخاني العابر للحدود مع تعرض إندونيسيا لطقس جاف غير معتاد خلال الأسابيع الأخيرة، مع انخفاض ملحوظ في معدل هطول الأمطار وارتفاع متوسط درجات الحرارة بنحو 1.2 درجة مئوية فوق المعدل الطبيعي منذ يوليو، وفقًا لبيانات مركز Atmospheric G2. ومن المتوقع استمرار الظروف الجافة.
وعلى خلفية تفاقم أزمة الضباب الدخاني في الأسابيع الأخيرة اتفقت ماليزيا وبروناي على طرح قضية تلوث الضباب الدخاني العابر للحدود على مستوى رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان)، وتعزيز التعاون إقليميًا لبحث التدابير الممكنة لمعالجة هذه المشكلة المتكررة
رغم توقيع آسيان لمكافحة تلوث الضباب العابر للحدود (AATHP) لا تزال حرائق الغابات والضباب الدخاني مشكلة سنوية تُكبّد الاقتصادات المحلية لدول آسيان خسائر بمليارات الدولارات، وتهدد صحة ملايين البشر في المنطقة في وقت تتفاقم فيه ظاهرة النينيو هذا العام ومن ارتفاع أكثر حرارة وجفافًا في المنطقة تزداد مخاطر الحرائق مستقبلا، لتكون بؤر اشتعال تحرق الأخضر واليابس وتؤثر على سكان الأرخبيل.