سعدون مطلق السوارج
في التاسع عشر من أغسطس من كل عام، يستعيد العالم معنى العمل الإنساني؛ تلك القيمة التي تتجاوز حدود الجغرافيا، وتضع الإنسان في مقدمة الأولويات حين تضيق به الأزمات، وتشتد عليه الحاجة، وتتعاظم أمامه مخاطر الحروب والكوارث والنزوح والفقر.
وفي المملكة العربية السعودية، لا تأتي هذه المناسبة منفصلة عن تاريخ الدولة ومسيرتها؛ فالعمل الإنساني لم يكن فعلًا موسميًا أو استجابة عابرة لظرف طارئ، بل ظل قيمة متجذرة في المجتمع، تطورت أدواتها مع تطور الدولة، واتسعت مؤسساتها مع اتساع إمكاناتها، حتى أصبحت اليوم منظومة إنسانية ذات حضور دولي واسع.
وهنا تبدأ القراءة الأعمق للتجربة السعودية: القصة ليست في حجم ما أُعطي فقط، وإنما في تاريخ العطاء الذي نما مع تاريخ الدولة نفسها.
منذ عهد المؤسس الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، ترسخت في مسيرة الدولة السعودية قيمة البذل والوقوف إلى جانب المحتاج، ثم واصلت المملكة عبر عهود ملوكها المتعاقبة بناء مؤسساتها وتطوير أدواتها، حتى أصبح العمل الإنساني أحد وجوه حضورها في الداخل والخارج. ولأن التاريخ لا يُقرأ كصور متجاورة، وإنما كتراكم يصنع المرحلة التالية، فإن فهم الحاضر الإنساني للمملكة يحتاج إلى النظر في هذا الامتداد كله؛ فكل مرحلة أضافت إلى ما قبلها، وكل تجربة فتحت الباب أمام تجربة أكثر تنظيمًا واتساعًا.
ومن الشواهد المبكرة على هذا التطور البرنامج السعودي للتوائم الملتصقة الذي بدأ عام 1990، وتحول عبر أكثر من ثلاثة عقود إلى تجربة طبية وإنسانية عالمية، عكست قدرة المملكة على توظيف خبراتها الطبية في إنقاذ الحياة وإعادة الأمل إلى أسر واجهت حالات بالغة التعقيد.
ثم جاء عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود ليشهد مرحلة متقدمة في البناء المؤسسي للعمل الإنساني؛ ففي عام 2015 تأسس مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، ليحمل رسالة المملكة الإنسانية إلى مناطق الأزمات والكوارث، ويعمل في مجالات الإغاثة والتنمية والصحة والتعليم والمياه والإيواء والأمن الغذائي وغيرها.
وهنا ينبغي أن تكون القراءة التاريخية منصفة ودقيقة:
المركز لم يبدأ الحكاية؛ وإنما جاء في عهد الملك سلمان ليمنح مسيرة العطاء السعودي إطارًا مؤسسيًا عالميًا أكثر اتساعًا وتنظيمًا.
وهذه ليست مجرد صياغة؛ إنها دلالة على التحول الذي شهدته المملكة في هذه المرحلة، إذ أصبح العمل الإنساني أكثر قدرة على التخطيط والتنفيذ والشراكة والمتابعة وقياس الأثر.
وتكشف الأرقام حجم هذه المسيرة؛ فقد تجاوزت المساعدات السعودية الإنسانية والتنموية والخيرية 145 مليار دولار، عبر آلاف المشروعات في 175 دولة، فيما جاءت المملكة في المرتبة الثانية عالميًا والأولى عربيًا بين الدول المانحة للمساعدات الإنسانية والإغاثية لعام 2025 وفق بيانات التتبع المالي للأمم المتحدة.
175 دولة
ليس هذا رقمًا يُقرأ سريعًا ثم يُنسى؛ إنها خريطة واسعة من الاحتياج الإنساني، انتقلت إليها المساعدة السعودية في أوقات مختلفة، وفي أزمات متعددة، وفي مجالات تتصل بأبسط حقوق الإنسان وأكثرها جوهرية.
لكن الرقم، مهما كبر، لا يستطيع وحده أن يشرح معنى العمل الإنساني، فالإنسان لا يتذكر قيمة المساعدة لأنها بلغت ملايين أو مليارات؛ وإنما لأنها وصلته في اللحظة التي كان يحتاجها فيها.
ولهذا فإن القيمة الحقيقية للعمل الإنساني لا تكمن في حجم المساعدة وحده، وإنما في حجم الأثر الذي تتركه.
الغذاء يواجه الجوع، لكن الأمن الغذائي يحمي المجتمع من تكرار الأزمة. والماء يروي العطش، لكن مشاريع المياه والإصحاح تحمي الإنسان من المرض. والمأوى يحفظ الأسرة من قسوة النزوح، لكن التعافي وإعادة التأهيل يمنحانها فرصة للعودة إلى الحياة.
ومن هنا اتسع مفهوم الإغاثة في التجربة السعودية من الاستجابة للحظة إلى حماية الإنسان وتمكينه ومساعدته على استعادة قدرته على الوقوف من جديد.
ويقدم مشروع «مسام» في اليمن مثالًا شديد الدلالة على ذلك؛ فإزالة الألغام ليست مجرد عملية فنية، وإنما عمل إنساني في جوهره، لأنه يزيل خطرًا يحول الأرض إلى تهديد دائم للمدنيين، ويعيد فتح الطرق والمزارع والمجالات أمام الحياة.
ليس كل عمل إنساني يُقاس بما يصل إلى الإنسان؛ بعضه يُقاس بما يُزال من طريقه.
وهنا تصبح الإغاثة فعلًا يتجاوز تقديم المساعدة إلى إزالة أسباب الخوف، وإعادة المجال أمام الإنسان كي يعيش ويتحرك ويزرع ويعود إلى بيته.
ومن هذه الزاوية تتضح خصوصية التجربة السعودية؛ فهي لا تحصر العطاء في الغذاء والدواء، بل تمتد به إلى الصحة والتعليم والمياه والإيواء والأمن الغذائي وإزالة الألغام، وإلى برامج التأهيل والتنمية التي تستهدف الانتقال بالإنسان من لحظة الاحتياج إلى مساحة أوسع من القدرة على التعافي.
ثم جاءت رؤية السعودية 2030، التي يقودها صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، لتفتح فصلًا جديدًا في العلاقة بين الدولة والمجتمع والقطاع غير الربحي.
والرؤية هنا لا تأتي باعتبارها بداية لقيمة العطاء، ولا بوصفها بديلًا عن تاريخ العمل الخيري السعودي، وإنما باعتبارها إطارًا وطنيًا حديثًا يوسع المشاركة، ويرفع كفاءة القطاع غير الربحي، وينقل التطوع والعمل المجتمعي إلى مستوى أكثر تنظيمًا واستدامة.
وهنا يتحول السؤال من:
كم قدمنا؟
إلى سؤال أكثر عمقًا:
كيف نحول ما نقدمه إلى أثر مستدام؟
وهذه النقلة من أهم ملامح التحول الوطني؛ فالعمل الخيري حين تتكامل معه التقنية والحوكمة والبيانات والشراكات، لا يفقد روحه الإنسانية، وإنما يصبح أكثر قدرة على الوصول إلى المستحق، وقياس أثره، والاستمرار.
ولعل أحدث شواهد هذا التحول جاء في 20 أغسطس 2026، حين صدر أمران ملكيان بتحويل المنصة الوطنية للعمل الخيري «إحسان» إلى مؤسسة مستقلة غير هادفة للربح باسم «مؤسسة إحسان للعمل الخيري»، مع تشكيل مجلس أمناء لها. ويستهدف القرار تعزيز العمل الخيري، وربط المتبرعين بالمستفيدين، وتمكين الأفراد والشركات والجهات من الإسهام، ورفع كفاءة القطاع غير الربحي.
وهذا التطور لا ينبغي النظر إليه باعتباره إجراءً إداريًا فحسب؛ بل بوصفه شاهدًا معاصرًا على نضج التجربة المؤسسية للعمل الخيري في المملكة.
فالمنصة التي أصبحت خلال سنوات قليلة قناة وطنية واسعة للعطاء تدخل اليوم مرحلة مؤسسية جديدة، بما يعكس قدرة التجربة السعودية على تطوير أدواتها كلما نضجت حاجتها وتعاظم أثرها.
وهنا تبدو رؤية 2030 في صورتها العملية: ليست أهدافًا تُكتب للمستقبل فحسب، وإنما منظومة تتجدد أدواتها كلما نضجت التجربة، ويُبنى فيها الجديد على ما تحقق، ليزيد أثره ويمنحه قدرة أكبر على الاستدامة.
وتتسع هذه الصورة مع التحول الذي شهده العمل التطوعي؛ فقد جعلت رؤية 2030 من المشاركة التطوعية أحد مسارات بناء المجتمع الحيوي، وانتقلت ثقافة التطوع من المبادرات الفردية المحدودة إلى مجال أكثر تنظيمًا واتساعًا.
وهنا لا يعود المواطن متلقيًا للأثر فقط؛ بل يصبح شريكًا في صناعته.
وهذه من أكثر التحولات دلالة في التجربة السعودية الحديثة: أن الدولة لا تحتكر صناعة الخير، وإنما تفتح المجال للمجتمع كي يكون جزءًا من منظومته.
فالدولة توفر البيئة والقدرة.
والمؤسسة تنظم.
والتقنية تيسر الوصول.
والقطاع الخاص يشارك.
والمتبرع يقدم.
والمتطوع يمنح من وقته وخبرته.
وفي النهاية يتحول ذلك كله إلى أثر يصل إلى إنسان يحتاجه.
ومن هنا أصبح العمل الإنساني السعودي أكبر من مفهوم الإغاثة التقليدية؛ فهو جزء من حضور المملكة في العالم، ومن مسؤوليتها تجاه المجتمعات المتضررة، ومن قوتها الإنسانية، ومن رؤيتها لبناء مجتمع حيوي وقطاع غير ربحي أكثر فاعلية.
ومن منظور القراءة التاريخية، فإن أجمل ما في هذه المسيرة أنها لا تحتاج إلى وضع الماضي في مواجهة الحاضر.
المؤسس وضع الأساس، والملوك من بعده واصلوا البناء، وفي عهد الملك سلمان اتسعت المؤسسات الإنسانية السعودية عالميًا، ومع قيادة الأمير محمد بن سلمان ورؤية 2030 دخل العمل غير الربحي والتطوعي مرحلة جديدة من التمكين والتنظيم والتحول الرقمي.
لا مرحلة تلغي أخرى
كل مرحلة منحت التالية أرضًا أصلب للانطلاق، وهذه هي القراءة الأكثر إنصافًا لتاريخ المملكة؛ فالدول العريقة لا تُبنى في مرحلة واحدة، ولا تختصر إنجازاتها في عهد واحد، وإنما تتراكم فيها التجارب حتى يصبح ما كان مبادرةً مؤسسة، وما كان مؤسسةً منظومة، وما كان منظومةً ثقافة وطنية راسخة.
ولهذا فإن اليوم العالمي للعمل الإنساني لا يمثل بالنسبة للمملكة مناسبة للاحتفاء بالماضي فقط، بل مناسبة للنظر إلى ما وصلت إليه الدولة اليوم، وإلى ما يمكن أن تصنعه غدًا.
فالمملكة التي قدمت مساعداتها إلى 175 دولة، ونفذت آلاف المشروعات الإنسانية والتنموية، وأسست مركزًا عالميًا للإغاثة، ووسعت قاعدة التطوع، وطورت قطاعها غير الربحي، وأعادت الآن صياغة «إحسان» في إطار مؤسسي مستقل، لا تكتب فصلًا منفصلًا عن تاريخها؛ بل تكتب فصلًا جديدًا في كتاب طويل من العطاء.
وهنا تظهر البصمة التي لا تكشفها الأرقام وحدها، فالتاريخ لا يحفظ للأوطان مقدار ما أنفقته فقط؛ بل يحفظ ماذا فعلت بما أنفقته، وكيف حفظت كرامة من وصل إليه عطاؤها، وكيف حولت قدرتها إلى حياة أفضل لإنسان قد تفصله عنها آلاف الأميال، لكنه يقترب منها في المعنى.
وراء كل مشروع إنسان.
وراء كل تبرع ثقة.
وراء كل متطوع وقتٌ وهبه للخير.
وراء كل مؤسسة إرادة دولة.
وراء كل مرحلة قيادة واصلت البناء.
وراء كل رقم قصة إنسان لا ينبغي أن تضيع في زحام الإحصاءات.
ولهذا فإن أعظم ما تقوله المسيرة السعودية ليس أن المساعدات تجاوزت 145 مليار دولار، ولا أنها امتدت إلى 175 دولة؛ وإنما أن العطاء أصبح جزءًا من هوية الدولة وأدواتها ومؤسساتها ومجتمعها، وأن هذه الهوية تتجدد مع كل مرحلة من مراحل البناء الوطني.
وقد تُقاس قوة الدول بما تملك، وقد يُقاس نفوذها بما تستطيع أن تفعل؛ لكن مكانتها الإنسانية تُختبر في اللحظة التي لا يملك فيها إنسان ما يكفي ليحيا، فتكون الدولة قادرة على أن تمنحه فرصة أخرى للحياة.
وهنا تكتمل الحكاية:
من جذورٍ أرست معنى العطاء، إلى دولةٍ راكمت القدرة، إلى قيادةٍ جعلت من العمل الإنساني مؤسساتٍ عابرة للحدود، إلى رؤيةٍ توسع مشاركة المجتمع وتعظم أثره.
لم يتغير جوهر الحكاية؛ اتسعت أدواتها، ولم يتوقف العطاء عند جيل؛ بل انتقل من جيل إلى جيل، ومن مبادرة إلى مؤسسة، ومن مؤسسة إلى منظومة، ومن منظومة إلى أثر.
وهكذا يظل الإنسان في قلب الحكاية.
فالعطاء إذا كان موقفًا يُشكر.
وإذا أصبح نهجًا يُحترم.
وإذا صار مؤسسةً يُقاس أثره.
أما إذا امتد عبر الزمن، وتوارثته الأجيال، وحملته القيادة، ونظمته الدولة، وشارك فيه المجتمع، وأصبح جزءًا من ذاكرة الوطن، فإنه يتحول إلى شيء أبقى من المساعدة وأعمق من المناسبة:
يتحول إلى تاريخ.
فالعطاء حين تسنده دولة، وتحميه قيادة، وتنظمه مؤسسة، ويشارك فيه مجتمع، لا يبقى إحسانًا عابرًا ينتهي بانتهاء الحاجة؛ بل يصبح أثرًا، والأثر إذا امتد عبر الأجيال، يصبح ذاكرة وطن لا يغيب.
** **
- باحث ومؤرخ في التراث الكويتي والخليجي