رسيني الرسيني
الابتكار في التقنية غالبًا لا يولد في العزلة، وإنما في بيئة قادرة على تسهيل تحويل السطر البرمجي إلى شركة وسط منظومة تجمع الموهبة بالتمويل والفكرة بالسوق. ومن هنا تأتي مبادرة «الحي الرقمي» التي تشرف عليها الهيئة الملكية لمدينة الرياض، ليس باعتبارها مشروعًا عقاريًا يجمع الشركات التقنية في مكان واحد، وإنما لبناء مجتمع اقتصادي تتجاور فيه الشركات العالمية والناشئة والمستثمرون والمبرمجون والباحثون، وتنتقل بينهم المعرفة والفرص ورأس المال. ولذلك، فإن طموح الحي في جعل الرياض ضمن أفضل عشر مناطق تقنية عالميًا يعني في جوهره بناء أحد محركات اقتصاد المعرفة في العاصمة.
ميزة الرياض أنها لا تبدأ هذه الرحلة من الصفر، وإنما تستند إلى بنية تحتية رقمية متقدمة على مستوى العالم، من حيث توفر الأساس اللازم لبناء بيئة تقنية قادرة على استضافة الشركات ودعم نمو الأعمال الرقمية وتطويرها. ويعكس ذلك تصدر المملكة عالميًا مؤشر تنمية الاتصالات وتقنية المعلومات لعام 2026م الصادر عن الاتحاد الدولي للاتصالات، وهو ما يمنح الحي الرقمي قاعدة قوية لتحقيق طموحه في تحويل الرياض إلى مركز جاذب لمفهوم اقتصاديات التكتل، الذي يقوم على أن اجتماع الشركات والمواهب والمستثمرين في بيئة واحدة يسرع انتقال المعرفة، ويسهل الوصول إلى الكفاءات ورأس المال والعملاء، ويخلق فرصًا أكبر للتعاون والابتكار.
ولكن البنية التحتية وحدها لا تصنع مركزًا تقنيًا عالميًا، فالمنافسة اليوم بين المدن تمتد إلى البيئة التي يعمل داخلها المبتكر. وهنا تبرز أهمية ما يستهدفه الحي الرقمي من تقديم حوافز وإعفاءات قانونية وتنظيمية، إلى جانب مساعدة الشركات على تأسيس أعمالها وبناء فرقها التقنية والتوسع منها إقليميًا. فبالنسبة لشركة تقنية عالمية أو ناشئة، لا تقتصر جاذبية السوق على حجمه، وإنما تشمل سهولة ممارسة الأعمال، والوصول إلى التمويل واستقطاب المواهب وحماية الملكية الفكرية. وكلما تكاملت هذه العناصر، ارتفعت قدرة المدينة على جذب الاستثمارات التقنية وتحويلها إلى أعمال مستدامة تولد المعرفة والوظائف والقيمة الاقتصادية.
ويبقى الحكم على نجاح الحي الرقمي مرتبطًا بما سيضيفه إلى اقتصاد المدينة، وليس فقط بعدد الشركات التي ستتخذ منه مقرًا أو بحجم المساحات التي ستشغلها. ولهذا أعتقد أن النجاح سيكون بكم شركة ناشئة ستنطلق من الحي؟ وكم وظيفة نوعية سيخلقها؟ وكم من الاستثمارات ورؤوس الأموال الجريئة سيتمكن من جذبها؟ وكم منتجًا وابتكارًا وملكية فكرية ستخرج من الرياض إلى العالم؟ فالإجابة عن هذه الأسئلة ستحدد حجم الأثر الحقيقي للمبادرة، وقدرتها على تحويل التقنية إلى قيمة اقتصادية مستدامة، وبناء منظومة تتجاوز استقطاب الشركات إلى إنتاج المعرفة وتوطين الابتكار، بما يرسخ مكانة الرياض كوجهة عالمية للتقنية والابتكار.
حسنًا، ثم ماذا؟
نجاح مبادرة الحي الرقمي يعني إضافة محرك اقتصادي جديد للرياض، قادر على صناعة الفرص وجذب الاستثمارات وتعزيز حضور العاصمة على خريطة التقنية العالمية.