د. ياسين علي محمد عزي
في مملكتنا الحبيبة، لم يعد المستقبل وعدًا تؤجله الأيام؛ صار واقعًا تراه العيون وتأنس به النفوس، وتزداد معه ثقة الإنسان بما يستطيع وطنه أن يبلغه. ومنذ أن جعلت رؤية المملكة 2030، بقيادة عرابها سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان -حفظه الله- تنمية القدرات البشرية في قلب مشروعها الوطني، غدت الجامعة أحد المواضيع التي يأخذ فيها هذا الطموح وجهه الإنساني؛ حيث لا تبقى المعرفة معرفةً وحدها، ولا الانتماء شعورًا ساكنًا، بل يتصل كلاهما بما يستطيع الإنسان أن يضيفه إلى وطنه من علم وعمل ومسؤولية.
حياة الجامعة أعمق من ازدحام ممراتها أو كثرة فعالياتها وانتظام قاعاتها. ثمة حياة تبدأ في الإنسان نفسه؛ في فضوله حين يجد ما يوقظه، وفي ثقته حين يشعر أن الجامعة ترى فيه قدرة تستحق أن تنمو، وفي علاقته بالمكان حين لا يعود حرمًا يأتي إليه كل صباح، وإنما جزءًا من حكايته مع المعرفة ومع نفسه.
ليست كل البدايات مما يحفظه التقويم. بعضها يترك تاريخه في الإنسان دون أن ندرك تفاصيل حدوثه. يدخل الطالب الجامعة في موعد معلوم، لكن دخوله الحقيقي إليها قد يحدث لاحقًا؛ عندما يدرك أن السؤال صار بعض مسؤوليته، وأن الاختيار لم يعد شأنًا يرتبه الآخرون من حوله، وأن ما أمامه يتجاوز مقررات جديدة إلى فرصة يكتشف فيها نفسه على نحو لم يعرفه من قبل.
بعد قرابة عقدين في التعليم الجامعي، صرت أرى البدايات بعين مختلفة. فالطالب في أيامه الأولى يدخل طورًا تتبدل فيه علاقته بذاته وبما يُنتظر منه. يصبح حضوره في قراراته أوضح، حين يفهم أن ما تمنحه الجامعة من حرية يضع في يده قدرًا أكبر من المسؤولية عن اختياراته. وفي هذه النقلة الهادئة تبدأ إحدى أولى خبراته الجامعية الحقيقية؛ إذ لم يعد القرار أمرًا يدور من حوله، بل شأنًا يشارك في صنعه ويتحمل ما يترتب عليه.
قد تكون القاعة التي يبحث عنها أول اختبار لاستقلاله، والرسالة التي يكتبها لأستاذه أول تعرّف إلى ثقافة التواصل الجامعي، واللقاء بمرشد أول مرة يكتشف فيها أن طلب المشورة لا ينتقص من قدرته على الاختيار. حتى الموعد نفسه يكتسب دلالة مختلفة؛ فاحترام الوقت لا يبقى تعليمات مكتوبة، بل يدخل في عاداته اليومية، حين يدرك أن حضوره في وقته جزء من مسؤوليته تجاه نفسه وتجاه من يشاركونه هذا المكان.
الأسبوع الأول هو الموضع الأول الذي تظهر فيه هذه الثقافة. قيمته لا تقاس بما يملأ أيامه وحدها، وإنما بما يؤسس له بعدها؛ في القاعة، وفي الإرشاد، وفي علاقة الطالب بأستاذه، وفي الطريقة التي تتغير بها حاجته إلى جامعته كلما نضج. فالبداية الجميلة تكتمل حين تصبح طبعًا في المؤسسة، لا ذكرى محفوظة في برنامج استقبال.
عرفت شيئًا من ذلك من داخل العمل الأكاديمي في معهد اللغة الإنجليزية بجامعة جازان، حين كنت وكيلًا للمعهد للشؤون الأكاديمية. كان اختبار القبول يمنحنا مؤشرًا مهمًا على مستوى الطالب، ثم تأتي المتابعة وبرامج الدعم والأنشطة التعليمية لتضيف إلى ذلك الرقم معرفة لا يستطيع أن يقدمها وحده. وقد عرفت تلك الفترة اختبارات قبول لقراءة القدرة اللغوية للطلبة المستجدين، وبرامج تدخل أكاديمي لمن يحتاج إلى دعم أقرب، إلى جانب أنشطة إضافية تمنح الطالب فرصة أوسع للممارسة.
ما بقي معي من تلك الخبرة هو هذا الفارق الدقيق بين أن تعرف مستوى الطالب، وأن تعرف علاقته بتعلمه. وفي تعليم اللغة يظهر هذا الفارق في أبسط التفاصيل؛ فالطالب لا يدخل القاعة بنتيجة اختبار فقط، بل بتاريخ كامل من النجاح والتردد، ومن محاولات شجعته وأخرى جعلته أكثر حذرًا، ومن صورة سابقة عن قدرته قد تكون أثقل عليه من صعوبة اللغة نفسها.
قد يجلس طالبان أمام الورقة نفسها، ويحصلان على الدرجة نفسها، ثم يبدأ كل واحد منهما من موضع إنساني مختلف تمامًا. فالجاهزية لا تختصرها معرفة ما يحمله الطالب في تلك اللحظة؛ الأهم ما إذا كان يملك الثقة والمرونة اللتين تعينانه على أن يتعلم ما لم يعرفه بعد.
لذا الجامعة الناضجة لا تزيل عن الطالب صعوبة ما سيواجهه، ولا تعفيه من مسؤولية اختياره؛ تمنحه في الوقت المناسب ما يساعده على أن يرى أوضح، وأن يختبر قدرته من غير أن يُترك وحيدًا أمام كل ما يجهله. وتُعرف جودة الرعاية بما تتركه في الطالب من قدرة على أن يفعل بنفسه، لا بكثرة ما يُفعل نيابة عنه.
مع السنوات، تتغير حاجة الطالب إلى جامعته كما يتغير هو نفسه. في البدايات قد يحتاج إلى من يفسر له ما لم يألفه، ثم إلى من يساعده على قراءة خياراته، حتى يأتي وقت يصبح فيه القرار أوثق صلة بنضجه واستقلاله. ويظل أجمل ما في الإرشاد أن يحضر من غير أن يصادر الاختيار، وأن يمنح الطمأنينة من غير أن يربي الاتكالية.
ولهذا بقيت لدي قناعة لا تزال ترافقني: بعض التعليم يبدأ قبل المحتوى؛ يبدأ حين يصبح الطالب نفسه جزءًا من السؤال، لا مجرد متلقٍ للإجابة.
الجاهزية لا ترتبط بما يملكه الطالب في لحظة البداية وحدها؛ قيمتها فيما يبقى معه حين تتغير الأسئلة من حوله، فيظل قادرًا على السؤال والمحاولة، ويعرف كيف يعود إلى التعلم كلما اكتشف أن ما يعرفه لم يعد كافيًا لما يريد أن يعرفه بعد.
أما الإرشاد الأكاديمي فقد منحني صورة أخرى لهذه العلاقة. كم من سؤال بسيط عن التسجيل كان يخفي وراءه حيرة أكبر في التخصص أو القدرة أو المستقبل، وكم من قرار بدا محدودًا في فصل واحد ثم جاوز تلك اللحظة بكثير. المرشد المتمرس لا يسمع العبارة وحدها؛ يتعلم مع الوقت أن يصغي إلى التردد الذي صحبها، وإلى القلق الذي لم يجد صاحبه كلمات له، وإلى طموح لم يعرف الطالب بعد كيف يسميه.
الإرشاد في هذه الصورة لا يختار للطالب حياته، ولا يتركه يواجه الجامعة وحيدًا. ثمة حكمة في أن تمهد له بعض المعالم ثم تمنحه شرف الاختيار، وأن تتغير هذه المصاحبة كلما تقدم؛ فالمستجد غير من أوشك على التخرج، والنضج لا ينشأ من اعتماد دائم على الآخرين ولا من انقطاع مبكر عنهم. ينمو الإنسان حتى يصبح أقدر على أن يدل نفسه، وربما أن يدل غيره.
في جازان، تكتسب متابعة سمو نائب أمير المنطقة، الأمير ناصر بن محمد بن عبد الله بن جلوي ـ حفظه الله ـ لانطلاقة العام الدراسي دلالة تتجاوز مشهد الزيارة الميدانية نفسه؛ فحضور سموه بين المدارس ووقوفه المباشر على الجاهزية والخطط والبرامج والمرافق يمنح البداية قدرًا من العناية يليق بمكانة التعليم وما يمثله في بناء الإنسان. وحين تنزل الجاهزية من الأوراق إلى الميدان، وتصبح موضع متابعة من سموه، فإن الرسالة الأبعد لا تتعلق بفتح الأبواب في موعدها فحسب، وإنما بمدى استعداد المؤسسة للإنسان الذي سيدخل منها. وهنا تلتقي المتابعة القيادية مع فلسفة البداية نفسها؛ فالطالب الذي نطالبه بالانضباط والجدية يستحق أن يجد منذ يومه الأول مؤسسة سبقت حضوره إلى الاستعداد، وأحسنت أن تجعل من بدايته ما يليق بما سيُبنى بعدها.
وأقرأ شيئًا من هذه الروح في نماذج سعودية قائمة اليوم. ففي جامعة الملك سعود يحمل البرنامج التعريفي لطلبة السنة الأولى المشتركة عبارة لافتة: «جاهزيتك لرحلتك الجامعية». وتسبق بعض متطلبات البرنامج الحضور إلى الجامعة؛ فيتعرف الطالب إلى الأنظمة، ويستكمل بياناته، ويستخدم بريده الجامعي، ويؤدي اختبار تحديد المستوى في اللغة الإنجليزية، ثم تأتي الخبرة الحضورية بمعرفة المكان والخدمات والتفاعل. وفي هذا الترتيب ما يخفف شيئًا من غربة البداية قبل أن تطلب المحاضرات الأولى من الطالب كامل حضوره الذهني.
في جامعة جازان تحمل عبارة «حياكم في جامعتكم» دلالة إنسانية جميلة. «جامعتكم» كلمة صغيرة في المبنى، كبيرة فيما تستدعيه من انتماء؛ فبالأمس كان الطالب ينتظر قبوله، واليوم يُخاطب بوصفه واحدًا من أهل المكان. وقد تبقى هذه النسبة بعد التخرج بسنوات حين يعود إليه في ذاكرته ويقول ببساطة لا تحتاج إلى شرح: جامعتي.
غير أن دفء الاستقبال يكتسب قيمته حين يجد امتداده بعد أيامه الأولى؛ حين يطرق الطالب باب أستاذ، أو يجلس إلى مرشد، أو يتردد، أو يخطئ، أو ينجح في خطوة صغيرة قد لا يلتفت إليها كثيرون. فالانتماء الذي تبدأه لحظة ترحيب يحتاج إلى ما يرعاه في تفاصيل التجربة اليومية حتى يستقر في الوجدان.
واحترام الموعد يحمل الدلالة نفسها. الجامعة تعلّم قيمة الوقت قبل أن تشرحها، بالطريقة التي تحترم بها مواعيدها؛ بمحاضرة تبدأ جادة منذ اليوم الأول، وببرنامج استقبال يحسن موقعه فلا يضع الطالب بين ما يطلبه جدوله وما تدعوه إليه جامعته. وحين تحسن المؤسسة ترتيب بداياتها، تصل إلى المستجد رسالة هادئة بأن المكان الذي دخله يحترم وقته، وينتظر منه المعاملة نفسها.
وقد ينسى الطالب بعد أعوام اسم القاعة التي استُقبل فيها، أو بعض ما ظهر على شاشات العرض، وربما غابت عنه صياغة لائحة قرأها في أيامه الأولى. غير أن الذاكرة تحتفظ بأشياء أخرى: هل شعر أن أحدًا رآه حين احتاج؟ هل وجد من يصغي إليه؟ كيف عومل خطؤه؟ وهل خرج من الموقف راغبًا في المحاولة مرة أخرى؟ وربما بقيت هذه التفاصيل في الإنسان أطول من أشياء بدت، في لحظتها، أكبر منها.
في الجامعة يتعلم الإنسان أشياء لا تسكن المقررات وحدها؛ يتعلم شيئًا عن حضوره، وعن صوته، وعن حدود ما يعرفه، وعن الوقوف إلى جوار الآخرين من غير أن يذوب فيهم أو يستغني عنهم. ومع الأيام تدخل هذه الخبرات في تكوينه بهدوء، حتى يكتسب استقلاله من غير أن يفقد قدرته على الإصغاء، وثقته من غير أن يغلق على نفسه باب المراجعة.
ويبقى الأستاذ، وسط كل ما يتغير في الجامعة، قادرًا على ترك شيء لا تصنعه الأدوات وحدها. التقنية توسع الوصول إلى المعرفة، والذكاء الاصطناعي يمنح التعلم إمكانات لم تكن مألوفة، غير أن لقاء طالب بأستاذ يرى فيه قدرة قبل اكتمالها يظل تجربة من نوع آخر. قد يدخل الطالب مقررًا لا يعرف عنه إلا اسمه، ثم يخرج منه وقد اقترب العلم من نفسه؛ وقد تدخل طالبة مترددة في قدرتها، فتغادر بعد كلمة أو موقف أو فرصة صغيرة وهي تنظر إلى نفسها بثقة لم تكن هناك من قبل.
في تعليم اللغة رأيت مثل هذه اللحظات مرارًا، وليست أجملها دائمًا الإجابة المكتملة؛ فقد تكون اللحظة الأصدق حين يخطئ الطالب ثم يرفع يده مرة أخرى. وبين المحاولتين شيء يتجاوز اللغة نفسها: خوف يخف، وثقة تعود إلى موضعها، وإدراك بأن التعلم لا يشترط أن يصل الإنسان كاملًا، وإنما أن يحتفظ بقدرته على المحاولة.
الجيل الجامعي اليوم ينشأ في وطن تتبدل أمامه صور العمل والمعرفة والحياة بوتيرة لافتة؛ تظهر مجالات جديدة، وتتغير الأدوات، وتصبح فرص كانت بعيدة عن الخيال قبل سنوات قليلة جزءًا من الواقع. وحين يعيش الطالب هذا كله من الداخل، يأخذ اعتزازه بوطنه وولاءه لقيادته بعدًا من المسؤولية؛ أن يكون جديرًا بما يراه حوله من طموح، وأن يرد إلى وطنه شيئًا مما منحه إياه علمًا يتقنه، وخلقًا يحمله، وعملًا ينفع به.
وتنمية القدرات البشرية تبدأ قبل الاقتراب من التخرج بوقت طويل؛ في الطريقة التي يفكر بها الطالب، وفي نوع الأسئلة التي يتعلم أن يطرحها، وفي قدرته على مراجعة أدواته كلما تغيرت المعرفة. والخريج الذي سيدخل عالمًا تعيد فيه تطبيقات الذكاء الاصطناعي تشكيل كثير من المهن لن تكفيه معرفة يحتفظ بها كما تلقاها؛ يحتاج إلى عقل يقظ، ونفس لا تفقد فضولها، وقيم تمنح ما يتعلمه وجهته، وصلة بوطنه تجعل المعرفة عنده مسؤولية بقدر ما هي فرصة.
من أجمل ما يمكن أن تحققه الجامعة أن يغادرها الإنسان حي الصلة بالسؤال، راسخ الصلة بوطنه، قادرًا على أن يتعلم من جديد كلما احتاج، مدركًا أن تخصصه باب إلى المعرفة لا جدارًا حولها، وأن الشهادة محطة في حياة علمية أطول، وأن العلم يبلغ بعض غايته حين يعود إلى الناس نفعًا وإلى الوطن إضافة.
وهكذا يصبح الأسبوع الأول بذرة لثقافة تكبر مع الطالب. فالفضول الذي يبدأ فيه يحتاج إلى ما يصونه، والانتماء الذي تولده لحظة الاستقبال يحتاج إلى ما يعمقه، والعون الذي يتلقاه المستجد ينبغي أن يتحول مع نضجه إلى قدرة على الاعتماد على نفسه، وربما إلى استعداد لأن يكون هو نفسه عونًا لمن يأتي بعده.
فالجامعة الحية لا تنفق دفء البدايات كله في أيامها الأولى، ثم تترك ما بعدها للعادة.
حين يغادر الطالب جامعته بعد أعوام، قد يتذكر ذلك الذي دخلها يومًا يبحث عن قاعته. وبين الصورتين لا تقف الشهادة وحدها شاهدًا؛ ثمة إنسان أعاد النظر في نفسه أكثر من مرة، وتعلم أن الجهل ليس عيبًا إذا قاده إلى السؤال، وأن الاختيار لا يكتمل إلا حين يعرف صاحبه ما يترتب عليه، وأن ما منحه وطنه من فرصة يحمّله، في المقابل، مسؤولية ما يستطيع أن يضيفه إليه.
عندها يستعيد الأسبوع الأول قيمته؛ لا بما احتواه من برامج، وإنما بما أودعه في الطالب ثم نما معه. تمضي أسابيع الجامعة، ويبقى السؤال الأهم فيما تركته في الإنسان؛ في عقله ووجدانه، وفي ذلك الجزء الذي عاد به إلى وطنه علمًا ومسؤولية.
تلك هي الأرواح الحية؛ أن تبدأ الجامعة في الإنسان منذ أسبوعه الأول، ثم يظل فيها شيء منه، ويظل فيه شيء منها، حتى بعد أن يغادر أبوابها.
** **
- أكاديمي وكاتب سعودي