صالح الشادي
هو واحد من أولئك الرجال النادرين الذين لم تحبسهم المناصب ولم تذيبهم المهام، ولم تلههم مراكز القرار عن موطن القلب الأول. معالي الدكتور عبدالعزيز خوجة، ذلك الاسم الذي ظل يتردد في قاعات الدبلوماسية وفي أروقة الوزارات كحديث عن كفاءة واقتدار، يبقى في وجداني وفي وجدان كل من عرفه عن كثب، علماً من أعلام الأدب والشعر، ليس في بلادنا فحسب، بل في العالم العربي بأكمله. فهو أحد أبرز الشعراء وأعمقهم وأرقهم، وإن لم أقل إنه الأول في جيله ومعاصريه، فلأن الحياء يمنعني، لكن الروح تقول ذلك يقيناً.
لا يمر أسبوع في حياتي إلا ويغدق عليّ فيه برسائل جميلة، تحمل عذوبة ما صاغه وما كتبه، وكأنه يراسلني من عالم موازٍ من النقاء والجمال. في كل مرة أقرأ فيها بيتاً من شعره، أو قصيدة من قصائده، أشعر أنني أقف على شاطئ بحر لا قرار له من الرقة والإنسانية. وهو رغم فارق التجربة الشاسع بيننا، ورغم تواضع ما أنظمه أمام جمال ما يكتب، لا يبخل عليّ بكلمة طيبة، ولا يحجب عني عطر ثناء، وكأنه يرى في حرفي المتواضع ما لا يراه غيره، وكأنه يعانق في كل قارئ شاعراً ينتظر البزوغ.
لقد أخذت منه المناصب الكثير، ومضت سنوات طوال بين العمل الأكاديمي والسلك الدبلوماسي في تركيا وروسيا والمغرب ولبنان، وصولاً إلى وزارة الثقافة والإعلام، لكنها لم تستطع أن تأخذ منه شيئاً من روحه الشاعرة، ولا أن تنال من عشقه الأول للكلمة. كان يحمل ديوانه في حقائب السفر، وفي فترات الاستراحة بين الاجتماعات، وفي ليالي السهر القصيرة التي يختلسها من نهارات السياسة المزدحمة، يعانق الورقة والقلم، ليخلد مشاعره في بحور الشعر العربي الأصيل. تخيلوا لو كان متفرغاً لهذا الفن الجميل، ماذا كان سيترك لنا من كنوز؟ لكنه حتى مع انشغاله، استطاع أن يرسم لنفسه مكانة سامقة في سماء الشعر، وأن يكتب أكثر من ثلاثة عشر ديواناً، ليكون بذلك واحداً من أبرز الأصوات الشعرية في المملكة والعالم العربي.
ما يميز تجربته الشعرية، أنها ليست مجرد قصائد تقال وتقرأ، بل هي رحلة روحية متكاملة، تبدأ من التأمل في آيات الخلق، وتنتهي بالغوص في أعماق النفس البشرية. شعره يحمل بين طياته نفحات إيمانية صادقة، ورومانسية عذبة لا تكل، وفلسفة وجودية تلامس القلب قبل العقل. إنها مرآة تعكس سمو أخلاقه، وكرم روحه، وتواضعه الراقي، ذلك التواضع الذي لا تجده إلا عند العظماء حقاً.
لقد كان شعره دواءً للروح، وجليساً للوحدة، ونوراً في ظلمات الأسئلة الوجودية. وما زلت أذكر كيف كانت قصائده تلامسني في لحظات الضيق، وكيف كانت أبياته تمنحني أملاً جديداً كلما تعثرت. إنها دعوة مفتوحة لكل محب للأدب، ولكل باحث عن الجمال، أن يعيد اكتشاف هذا الرمز الجميل، وأن يستعيد كنوز شعره التي ربما غابت عن الكثيرين بسبب انشغاله بالعمل العام. شعره ليس مجرد إرث ثقافي، بل هو حالة إنسانية تستحق أن تدرس، وأن تحلل، وأن تظل حاضرة في مناهجنا ومكتباتنا.
أمد الله في عمر معالي الدكتور عبدالعزيز خوجة، وأطال في بقائه ذخراً للأدب والثقافة العربية، وجعل ما كتبه وما سيكتبه نوراً يضيء دروب الأجيال القادمة. فهو لم يكن يوماً مجرد وزير أو دبلوماسي، بل كان قبل كل شيء وأكثر من كل شيء، شاعراً أحب الحياة فعاشها في قصائده، وأحب الناس فمنحهم من روحه دون أن ينتظر مقابلًا. في عصر تغيب فيه الروحانيات وتتوارى القيم الجميلة، يظل خوجة شاهداً حياً على أن الجمال يمكن أن ينبت في قلب السياسة، وأن الشعر يمكن أن يبقى نبضاً خفاقاً حتى في زحام الدنيا. اسعد الله أيامه وأدام عطاءه، فما زالت درر قصائده تنتظر من يغوص في بحرها، ليستخرج منها ما يعيد للكلمة العربية بهاءها وروعتها.