مهدي آل عثمان
لم تعد العلاقات الدولية في عالم اليوم تُبنى على التحالفات التقليدية وحدها، بل أصبحت المصالح الاقتصادية والاستثمارية جزءاً رئيساً من صناعة النفوذ وتوازن العلاقات بين الدول. ومن هذا المنطلق تمضي المملكة العربية السعودية في سياسة واضحة تقوم على تنويع الشراكات، وتوسيع دائرة المصالح المشتركة، وتعزيز حضورها الاقتصادي والسياسي في مختلف مراكز القوة حول العالم.
وهي سياسة تنتهجها قيادة المملكة في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وسمو ولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز -حفظهما الله-، انطلاقاً من رؤية تجعل المصلحة الوطنية السعودية في مقدمة الأولويات، وتبني علاقاتها مع دول العالم على الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة واستقلال القرار.
وجاءت الزيارة الأخيرة لصاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، إلى الجمهورية الفرنسية لتقدم نموذجاً واضحاً لهذا النهج، إذ لم تكن الزيارة مجرد محطة سياسية في العلاقات بين الرياض وباريس، بل حملت معها أبعاداً اقتصادية واستثمارية واستراتيجية تؤكد عمق الشراكة بين البلدين واتساع مجالاتها.
وشهدت الزيارة تعزيز الشراكة الاستراتيجية السعودية الفرنسية، إلى جانب توقيع اتفاقيات ومذكرات تفاهم في عدد من المجالات الحيوية، من بينها الاستثمار والصناعة والتقنية والذكاء الاصطناعي والصحة والدفاع والترفيه والطاقة والنقل والخدمات اللوجستية والسياحة والثقافة.
وهذا التنوع في مجالات التعاون يعكس انتقال العلاقات الدولية للمملكة إلى مرحلة تقوم على تشابك المصالح، بحيث يصبح التعاون الاقتصادي والاستثماري ركيزة موازية للتعاون السياسي والدبلوماسي.
لكن العلاقات مع فرنسا ليست إلا جزءاً من صورة أوسع في السياسة السعودية، فالمملكة تحافظ على علاقاتها الاستراتيجية التاريخية مع الولايات المتحدة الأمريكية، وفي الوقت نفسه توسع شراكاتها مع فرنسا وبريطانيا ودول الاتحاد الأوروبي، وتطور علاقاتها الاقتصادية والتجارية مع الصين والهند وروسيا ودول آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية.
وهذا التنوع لا يعني الانتقال من محور إلى آخر، ولا الانحياز إلى قوة دولية على حساب أخرى، بل يمثل نهجاً سعودياً يقوم على بناء العلاقات وفق المصالح الوطنية، وفتح قنوات التعاون مع الجميع دون الارتهان لأي طرف.
وقد عبر سمو ولي العهد عن هذا التوجه بوضوح في أحاديث سابقة، مؤكداً أن سياسة المملكة الخارجية وعلاقاتها مع دول العالم تقوم على ما يحقق مصالح المملكة ويحفظ أمنها، مع استمرار الشراكات القائمة وبناء شراكات جديدة مع مختلف القوى والاقتصادات الدولية.
وهنا تكمن الحنكة في السياسة السعودية، فالمصلحة الوطنية هي الأساس، لكنها لا تُبنى على حساب مصالح الآخرين، بل على إيجاد مساحات واسعة من التعاون المشترك الذي يعود بالنفع على جميع الأطراف.
إن تنويع الاستثمارات السعودية في الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا وغيرها من الأسواق العالمية، ومقابل ذلك استقطاب الاستثمارات الدولية إلى المملكة، يخلق شبكة كبيرة من المصالح المتبادلة التي تزيد من أهمية الاقتصاد السعودي في المنظومة الاقتصادية العالمية.
فالاستثمار لم يعد مجرد وسيلة لتحقيق العائد المالي، بل أصبح أداة من أدوات القوة والتأثير. وكلما اتسعت المصالح الاقتصادية بين المملكة والدول الكبرى، أصبح استقرار الاقتصاد السعودي ونموه جزءاً من مصالح شركائها أيضاً، وهو ما يضيف بعداً آخر إلى مكانة المملكة السياسية والدبلوماسية.
وتمنح هذه السياسة المملكة مساحة واسعة للحركة في نظام دولي يشهد تغيرات متسارعة وتنافساً شديداً بين القوى الكبرى. فالعلاقة الوثيقة مع واشنطن لا تحول دون بناء علاقة اقتصادية قوية مع بكين، والتعاون مع أوروبا لا يمنع من إقامة مصالح مشتركة مع روسيا أو الهند.
بل إن المملكة استطاعت أن تقدم نموذجاً يقوم على التعامل مع الجميع من موقع الدولة الواثقة بقدراتها ومصالحها، بعيداً عن الاصطفافات الحادة التي قد تحد من استقلال القرار الوطني.
ويأتي هذا النهج متكاملاً مع رؤية السعودية 2030، التي لم تستهدف تنويع الاقتصاد الداخلي فحسب، بل سعت أيضاً إلى تعزيز مكانة المملكة في الاقتصاد العالمي، وجذب رؤوس الأموال، وتوطين الصناعات، وتطوير التقنية والسياحة والطاقة والخدمات اللوجستية، وفتح مجالات جديدة للشراكة مع كبرى الشركات والاقتصادات الدولية.
كما أصبح صندوق الاستثمارات العامة واحداً من أبرز أدوات المملكة في بناء حضور اقتصادي عالمي، من خلال استثماراته المتنوعة في قطاعات وأسواق متعددة، في الوقت الذي أصبحت فيه المملكة نفسها وجهة جاذبة للاستثمارات والشركات الدولية الباحثة عن فرص النمو في واحدة من أكبر الاقتصادات وأكثرها تحولاً في المنطقة والعالم.
ومن هنا فإن زيارة ولي العهد إلى فرنسا لا يمكن النظر إليها بوصفها حدثاً منفصلًاً، بل باعتبارها حلقة ضمن سياسة سعودية متكاملة تقوم على تنويع الشركاء، وتوسيع دائرة المصالح، وتعزيز حضور المملكة في الشرق والغرب.
وهذا التوازن في العلاقات الدولية يزيد من قوة المملكة واستقلالية قرارها، ويجعلها طرفاً مهماً في المعادلات الاقتصادية والسياسية، فالدولة التي ترتبط مصالح القوى الكبرى باستقرارها وازدهارها تصبح أكثر تأثيراً وحضوراً في صناعة القرار الدولي.
لقد أصبحت المملكة اليوم أكثر قدرة على تحويل إمكاناتها الاقتصادية وموقعها الجغرافي وثقلها السياسي إلى أدوات لبناء شراكات طويلة المدى، وهي بذلك لا تبحث عن علاقة عابرة مع هذه الدولة أو تلك، بل تبني شبكة متكاملة من المصالح تجعلها شريكاً مهماً لمختلف القوى الدولية.
إن تنويع الاستثمارات وتبادل المصالح ليس مجرد سياسة اقتصادية، بل هو استثمار طويل المدى في قوة المملكة ومكانتها واستقلال قرارها. وكلما اتسعت دائرة المصالح المشتركة التي تربط السعودية بدول العالم، تعاظم وزنها في المعادلات الاقتصادية والسياسية الدولية.
وإن هذه المكانة التي وصلت إليها المملكة العربية السعودية لم تكن وليدة الصدفة، وإنما جاءت بعد فضل الله سبحانه وتعالى بما أنعم به على هذه البلاد من أمن واستقرار، وما أفاء عليها من الخيرات، وما هيأ لها من قيادة حكيمة تحكم بكتاب الله وسنة نبيه- صلى الله عليه وسلم-، ممثلة في خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وسمو ولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، وهذه الأسرة المباركة التي حملت مسؤولية هذه البلاد وصانت وحدتها ومصالحها.
ونسأل الله الكريم أن يديم على المملكة العربية السعودية أمنها وعزها ورخاءها، وأن يحفظ قيادتها وشعبها، وأن يزيدها رفعة ومكانة وتأثيراً بين دول العالم.