عمرو أبوالعطا
في هذا العالم المزدحم والمضطرب، حيث الجميع يركض بحثاً عن مفتاح واحد يفتح كل الأبواب، أو جملة واحدة تشرح كل الألغاز، يأتينا الفيلسوف الفرنسي العجوز إدغار موران ليقول لنا بهدوء: «مهلاً أيها السادة، لقد نسيتم أن تدركوا كم أن الحياة معقدة ببهجة!». موران، هذا الرجل الذي وُلد في عشرينيات القرن الماضي وعاش كل تقلبات هذا الكوكب، ليس مجرد عالم اجتماع أو فيلسوف؛ إنه كاشف الأوهام الكبرى. عاش فترة الماركسية وهي تعد بالجنة الحمراء على الأرض، ثم شاهدها تنهار لتترك وراءها كومة من الرماد وأسئلة لم تجد إجابة. فخرج موران من هذا المشهد بدرس واحد قاطع؛ التبسيط هو جريمة معرفية.
العلوم الاجتماعية التقليدية، سواء كانت ماركسية أو وضعية، كانت تعمل كـ«حاجب العيون». كانت تقول لنا؛ «انظروا إلى المجتمع بعين واحدة فقط، ولتكن عين الاقتصاد، أو عين البنية، أو عين الجنس، وسترون الحقيقة المطلقة!». لكن موران، بابتسامته الساخرة، قال: «يا إلهي! كيف يمكن أن أرى الفيل بعين واحدة دون أن أدرك أنه فيل؟ الإنسان ليس مجرد محفظة أو معدة أو شهوة. إنه كتلة هائلة من التناقضات السابحة معاً في حساء كوني». بدأ موران رحلته الفكرية بنقد قاسٍ لـ«التفكير التبسيطي». كان يرى أن أسوأ ما فعلناه نحن البشر هو أننا قطعنا أوصال العالم. فصلنا بين السياسي والأخلاقي، بين البيولوجي والاجتماعي، بين الفرد والمجتمع. أصبح كل خبير يملك مربعاً صغيراً في العالم ويعتقد أنه يملك الحقيقة بأسرها، تماماً كأشخاص يتحدثون عن قطعة من قماش الفيل دون أن يعرفوا شكل الفيل.
وهنا، يضع يده على الجرح ويقدم لنا «بارادايم التعقيد». هذا البارادايم ليس نظرية مكتملة أو كتالوجًا للحلول الجاهزة، هو فن الرؤية الشاملة. إنه يقول لك؛ لكي تفهم الوردة، يجب أن تدرس ترابها، شمسها، تاريخها، علاقتها بالنحلة، وقدرتها على الموت. لكي تفهم الإنسان، يجب أن تراه كائناً ثلاثي الأبعاد لا ينفك؛ «الإنسان العاقل» الذي يفكر ويصنع القوانين، و«الإنسان الجاهل/المجنون» الذي يؤمن بالخرافات ويصنع الحروب، و«الإنسان الصانع» الذي يبني ويهدم. جوهرنا هو أننا نعيش في هذا التناقض الغريب. نحن نرفع قبعاتنا احترامًا للعلم، ثم نركض وراء أبشع الشائعات. ونحن نصنع الدساتير العظيمة ثم نخونها بأبسط مصالحنا. هذه هي المعادلة التي يجب أن نتعلم العيش معها.
يُعد المجتمع في عيون موران نظاماً «ذاتي التنظيم»، أي أنه ليس آلة جامدة يديرها مهندس مركزي. هو أشبه بمستعمرة نمل فوضوية ومنظمة في آن واحد. التغيير الاجتماعي لا يأتي من أوامر عليا بالضرورة، بل من الديالوجيك، أي الحوار المستمر بين القوى المتناقضة داخله: النظام يتصارع مع الفوضى، والمركز يتصارع مع الهامش، والحرية تتصارع مع المساواة. والجميل في نظر موران أن هذا الصراع ليس للقتل، بل للإبقاء على الحياة. فلو انتصر النظام المطلق، مات المجتمع تحجراً. ولو انتصرت الفوضى المطلقة، انهار المجتمع. سر الحياة الاجتماعية يكمن في البقاء على حافة الهاوية بينهما.
لنتعمق قليلاً في هذا الفكر الذي يسميه موران «المنهج» (La Méthode)، وهو مشروعه الفكري الرئيسي الذي استغرق عقوداً. يصر على أن أي دراسة اجتماعية جادة يجب أن تتبنى مبادئ ثلاثة؛ أولاً، مبدأ الديالوجيك الذي ذكرناه، حيث يجب أن نعيش في التوتر بين الثنائيات المتعارضة (مثل المنطق واللاعقلانية في السلوك البشري). ثانياً، مبدأ الإعادة (Récusivité)، وهي فكرة تشبه الدائرة المغلقة التي لا بداية لها ولا نهاية؛ فالمجتمع ينتج الأفراد، والأفراد بأفعالهم يعيدون إنتاج المجتمع، وبالتالي لا يمكن الفصل بين السبب والنتيجة في التحليل الاجتماعي. نحن نعيش في حلقة لانهائية من التفاعل والتأثير المتبادل. وثالثاً، مبدأ الهولوغرامي (Hologramme)، وهو يشير إلى أن الجزء يحمل في طياته صورة الكل، وأن الكل موجود في الجزء. أي أن كل فرد في المجتمع يحمل بصمات الثقافة والتاريخ والمصير المشترك للمجتمع بأكمله، والعكس صحيح. هذه المبادئ الثلاثة هي العدسة التي يجب أن ننظر بها إلى أي ظاهرة اجتماعية، من أبسط عادة يومية إلى أعظم ثورة تاريخية.
وهنا نصل إلى النقلة الكبرى في فكره الاجتماعي، وهي «المدينة الكوكبية» (La Cité Planétaire). بعد أن اكتشفنا أن الأرض كروية، جاء موران ليقول لنا؛ «يا سادة، اكتشفوا أن مصيركم كروي أيضاً!». مع تحديات الأزمة البيئية والتغير المناخي والتهديدات العابرة للحدود، لم يعد المجتمع هو الدولة القومية ذات الحدود المرسومة بقلم رصاص. أصبحنا جميعاً في سفينة واحدة في بحر متلاطم، شئنا أم أبينا.
هذه «الكوكبية» ليست يوتوبيا شاعرية عن الحب والأخوة، هي ضرورة وجودية. تفرض علينا الانتقال من «مواطنة الدولة» إلى «المواطنة الكونية». أن تدرك أنك بينما تهتم بكهرباء بيتك، يجب أن تهتم بثقب الأوزون فوق القطب الجنوبي؛ لأن مصير الاثنين واحد. موران لا يطلب منك أن تلغي هويتك المحلية، لكن أن تضيف إليها هوية أوسع وأرحم، هي هوية الإنسان الكوني. هذه الدعوة هي الأساس لمفهوم «السياسة الإنسانية»، وهي السياسة القادرة على أن تعالج المشكلات على مستوى البشرية جمعاء، متجاوزة أنانية الدول. هي نظرة ترى في الآخرين كائنات تشاركنا نفس المصير البيولوجي والحضاري.
الإصلاح الفكري عند موران هو ثورة في التعليم، تجعلنا نرى الروابط الخفية بين الأشياء بدلاً من عزلها. يجب أن يتعلم الطفل أن المعرفة الضائعة هي تلك التي لا تعرف كيف تربط بين ما تعرفه. يجب أن يتعلم كيف يعيش مع اللايقين ويحتضنه، بدلاً من الركض وراء اليقينيات الزائفة التي تنتهي بالاستبداد الفكري. هو يطالب بأن نتعلم ليس فقط عن العالم، بل كيف نفكر في العالم. هذا يتطلب تحرير العقل من سجن التخصصات الضيقة. فالتعليم الحديث يقطع المعرفة إلى جزر منفصلة (الجغرافيا في مكان، التاريخ في آخر، والفيزياء في مكان ثالث)، بينما الواقع، في الحقيقة، هو محيط متصل، لهذا يجب أن يكون التعليم قادراً على تعليم المعرفة التي تعرف (أي المعرفة النقدية الشاملة)، القادرة على تحديد الأخطاء والأوهام الكامنة في المعرفة ذاتها، والاعتراف بأننا نعيش في منطقة ضبابية من الشك المنظم.
تطبيق هذه الرؤية على الديمقراطية يغير مفهومنا لها تماماً. الديمقراطية في نظر موران ليست مجرد صندوق اقتراع يوضع فيه اسم، هي عملية حوار دائم بين المتناقضات؛ بين حاجة الفرد للحرية وحاجة المجتمع للنظام.
ما يثير الدهشة في فكر موران هو قدرته على ربط البيولوجيا بالاجتماع بالسياسة. يذكرنا بأننا في نهاية المطاف كائنات حية تسعى للحياة، وأن هذا الدافع البيولوجي يتشابك مع قدرتنا على التعقيد الفكري الذي يقودنا نحو بناء حضارات عظيمة وفي الوقت نفسه نحو تدميرها. إن الأزمة البيئية مثلاً ليست أزمة في علم النبات أو الحيوان، بل هي أزمة في التفكير الاجتماعي الذي فشل في رؤية الترابط بين النشاط الاقتصادي وحياة الكوكب. لهذا يرى أن حل المشكلات الاجتماعية الكبرى يتطلب دائمًا ما يسميه «ميتانظام» (Metasystem)، أي نظام فكري أعلى قادر على استيعاب التناقضات المتعددة دون محاولة تصفيتها أو تبسيطها.
لا يقدم لنا إدغار موران مفتاحاً ذهبياً لحل المشكلات، بل يقدم لنا عدسة مكبرة لنرى المشكلات بكامل عظمتها وتشابكها. يهمس في أذن كل قارئ؛ لا تخف من التعقيد. التعقيد ليس عائقاً، هو الواقع بجماله ودهائه. فكما أن الحياة مزيج معقد من الفرح والألم، كذلك المجتمع مزيج معقد من العدل والظلم، والنظام والفوضى. إن مهمتنا الاجتماعية ليست أن نلغي أحد طرفي المعادلة، بل أن نتعلم الرقص بينهما ببراعة وشجاعة. هذه هي الحكمة الاجتماعية الكونية التي تركها لنا هذا الفيلسوف الذي أيقظ الفكر من سباته التبسيطي. وربما كان هذا هو أفضل ما يمكن أن يقدمه لنا فيلسوف في زمن أصبحت فيه البساطة مجرد وهم خطير.