محمد بن عبدالله العتيق
المرأة ليست هامشاً في الحياة؛ فهي الأم والزوجة والبنت والأخت والخالة والعمة والجدة، ولا تستقيم الأسرة ولا تحلو الحياة من دونها. وقد أكرمها الإسلام، وجعل لها حقوقاً وعليها واجبات، وحفظ لها مكانتها وكرامتها، وأوصى النبي -صلى الله عليه وسلم- بها فقال: «استوصوا بالنساء خيراً».
الزوجة حين تترك بيت والدها ومرتع صباها وأهلها، وتنتقل إلى بيت زوجها وحياة جديدة، فإنها لا تترك مكاناً فقط، بل تترك عالماً كاملاً اعتادت عليه، وتبدأ مع رجل اختارته شريكاً لعمرها. ولهذا يجب على الرجل أن يعرف أنها أمانة في عنقه، وأن يكون لها عوناً وسنداً وظهيراً، لا مصدر خوف أو إهانة أو كسر خاطر.
هي التي حملت وولدت وأرضعت وسهرت وربت، وتحملت من أجل أبنائها ما لا يعلمه إلا الله. وألم الولادة وحده من أعظم صور التضحية التي تتحملها المرأة، ثم تبدأ بعد ذلك رحلة طويلة من السهر والتعب والرعاية والتربية، وربما تكرر ذلك مع أكثر من ابن وأكثر من بنت. فكيف بعد كل هذا لا يكون لها من زوجها وأبنائها إلا التقدير والتكريم والوفاء؟
ولا يوجد بيت يخلو من المشكلات؛ حتى بيت النبي -صلى الله عليه وسلم- وقعت فيه مواقف وخلافات، لكنها كانت تعالج بالحكمة والرحمة. فالمشكلة ليست في أن يختلف الزوجان، وإنما في أن يتحول الخلاف إلى إهانة وتجريح وإذلال وكسر للنفس، ثم يبقى أثره في القلب حتى بعد انتهاء المشكلة.
الرجل الحقيقي لا يستعرض قوته داخل بيته، ولا يجعل زوجته تشعر بأنها أمام خصم أو شخص ينتظر منها الخطأ حتى يعاقبها عليه. بل يكون هيناً ليناً، حنوناً محباً مقدراً، فإذا خرج إلى الناس واجه الحياة بقوته ومسؤوليته، أما بيته فموضع السكينة والرحمة.
ومن حمل مسؤولية الأسرة فعليه أن يكون أهلاً لهذه المسؤولية؛ أن يكون أهدأ في غضبه، وأحكم في قراراته، وأرحم بمن جعلها الله شريكة له في حياته. فالقوة الحقيقية ليست في رفع الصوت، ولا في التخويف، ولا في القدرة على كسر الطرف الآخر، وإنما في القدرة على ضبط النفس واختيار الرحمة حين يكون الإنسان قادراً على القسوة.
والحديث عن تكريم المرأة لا يعني رفض التعدد؛ فالتعدد مما أباحه الله، ومن كان قادراً وراغباً فيه وتحمل مسؤولياته وحقوقه فلا حرج عليه. لكن الخطأ أن يجعل الرجل من هذا الحق سلاحاً لقهر زوجته، أو يلوح به في كل خلاف، أو يجعله مادة للمزاح في كل مجلس، وكأنه يريد أن يختبر مقدار الألم الذي تستطيع هذه المرأة احتماله.
فالمرأة بطبيعتها تغار، والغيرة شعور إنساني لا ينقص من عقلها ولا من مكانتها. وقد عرفنا الغيرة حتى عند أمهات المؤمنين -رضي الله عنهن-، لذلك فالرجل الحكيم لا يستغل هذه الفطرة ليؤلم زوجته، ولا يحول غيرتها إلى مادة للتندر والضحك.
وإذا كان الرجل قادراً على التعدد وأراده، فليقدم عليه وهو يعرف حجم المسؤولية، وليؤد الحقوق التي أوجبها الله عليه. أما أن يكون غير محتاج إليه، ثم يجعل زوجته تعيش تحت التهديد والتلميح والوعيد، فهذا لا يليق بحسن العشرة ولا بحكمة الرجل.
الحق الشرعي لا يعني أن تستخدم ما أباحه الله لإيذاء إنسان. فالتعدد مباح، لكن قهر المرأة وإذلالها ليسا مباحين، والمزاح الذي يكسر قلبها ليس من حسن العشرة.
واحترام الزوج لزوجته لا يحفظ قلبها فقط، بل يحفظ مكانتها في أعين أبنائها. فالابن والبنت يتعلمان احترام أمهما من احترام أبيهما لها؛ فإذا رأيا الأب يهينها ويقلل منها ويرفع صوته عليها، فقد تهتز صورتها في نفوسهما، وقد يظنان أن هذه هي الطريقة الطبيعية التي يعامل بها الرجل المرأة.
أما حين يرى الأبناء أباهم يكرم أمهم، ويقدر تعبها، ويشكرها، ويحفظ مكانتها حتى في وقت الخلاف، فإنهم يتعلمون أن الأم لها قدر لا يمس، وأن المرأة شريكة حياة وليست شخصاً يمكن إهانته متى غضب الرجل.
والأب هنا لا يربي أبناءه بالكلام فقط، وإنما بالفعل. فالابن الذي يرى والده يحترم أمه سيكبر وهو يحمل هذا المعنى إلى بيته، والبنت التي ترى أباها يكرم أمها ستعرف أن من حقها أن تعيش مع رجل يحفظ كرامتها ويصون قلبها.
تذكَّر أيها الرجل أن هذه المرأة التي أمامك ربما حملت أبناءك، وذاقت ألم الولادة، وأرضعتهم، وسهرت عليهم، وتحملت مرضهم وتعبهم، وربما عاشت سنوات طويلة وهي تقدم بيتها وأبناءها على راحتها. فهل بعد ذلك يكون جزاؤها كلمة جارحة أو سخرية أو تقليلاً من شأنها؟
والمرأة ليست أُمَّاً فقط؛ فهي الزوجة التي يسكن إليها الرجل، والأخت التي يجد فيها أخوها الرحمة، والخالة والعمة والجدة، وهي جزء أصيل من تكوين الأسرة والمجتمع. ولا يمكن أن نتخيل الدنيا بلا امرأة؛ بلا أم تحتضن، ولا زوجة تسكن، ولا بنت تملأ البيت فرحاً، ولا جدة تحمل ذاكرة الأسرة وحنانها.
وربما تكون هذه الزوجة قد فقدت والدها، أو ابتعد عنها أهلها، أو انشغل عنها إخوتها، فأصبحت في بيتك ولا تجد بعد الله إلا ما تمنحه لها من أمان. فكن لها سنداً وظهيراً، وكن عند حاجتها زوجاً محباً، وأخاً كريماً، وأباً حانياً، وصديقاً وفياً.
ولا تجعلها مادة للضحك، ولا تجعل غيرتها لعبة، ولا تستخدم ما يؤلمها لتنتصر في نقاش أو لتضحك أمام الآخرين. فما أقسى المزاح حين يكون ثمنه قلب إنسان، وما أبشع أن يضحك شخص على حساب نفس طيبة مسكينة لا تستطيع أن تدافع عن مشاعرها.
ما أقوله ليس مجاملة للمرأة ولا بحثاً عن الظهور؛ فما أرضاه لأمي وزوجتي وابنتي أرضاه لبنات المسلمين، وما لا أقبل أن تُبصر به امرأة أخرى أو تُهان به، لا أقبله أن يكون وسيلة لإيذاء زوجة رجل مسلم أو أي امرأة أخرى.
استوصوا بالنساء خيراً؛ فتكريم المرأة ليس ضعفاً، والرحمة بها ليست نقصاً في الرجولة، وإنما هي من أعظم ما يكشف معدن الرجل الحقيقي. والرجل القوي ليس من تخافه زوجته، وإنما من تأمنه، وليس من يكسر قلبها، وإنما من يكون لها سنداً إذا ضاقت بها الحياة.
احفظوا بيوتكم بالرحمة، وربوا أبناءكم على الاحترام، واجعلوا الرجولة في بيوتكم خلقاً يراه الأبناء قبل أن يسمعوه؛ لأن ما يتعلمه الابن من أبيه اليوم، قد يحمله غداً إلى زوجته، وما تتعلمه البنت من أبيها اليوم، قد يكون معيارها حين تختار شريك حياتها.