زياد الجارد
حذرت هيئة الغذاء والدواء مؤخراً من منتجات محددة من القهوة والشوكولاتة بعد ثبوت احتوائها على مادة غير مسموح باستخدامها، وأعلنت اتخاذ الإجراءات اللازمة لسحبها من الأسواق. خطوة مهمة لحماية المستهلك وتشكر عليها، لكن هل آلية السحب والرقابة الحالية هي الأكثر كفاءة؟
عندما يكون المنتج معروفاً، والمستورد معروفاً، والمنتج المستورد يخضع لمتطلبات التسجيل المسبق لدى الهيئة، فإن تتبعه يفترض ألا يكون صعباً. فالهيئة تملك بيانات الاستيراد والفسح، والمستورد يعرف موزعيه وعملاءه، وكل حلقة في سلسلة التوزيع يفترض أن تعرف الحلقة التالية.
وإذا كان المستورد معروفاً، فلماذا لا يبدأ التتبع منه نزولاً عبر سلسلة التوزيع، بدلاً من مطالبة السوق بالإفصاح صعوداً؟
لذلك يبدو المسار الطبيعي واضحاً: تبدأ الهيئة بالمستورد، ويلتزم المستورد بتحديد من باع لهم وسحب المنتج منهم، ثم تستمر العملية عبر سلسلة التوزيع حتى آخر نقطة وصل إليها المنتج.
فهل من المناسب أن يمتد طلب الإفصاح إلى منشآت لم تتعامل مع المنتج من الأساس، وأن تترتب على عدم تجاوبها معه إجراءات نظامية؟
المسؤولية يفترض أن تتبع مسار المنتج، لا أن تتوزع على السوق. فتوسيع دائرة البحث لا يضيف عبئاً على المنشآت فقط، بل قد يشتت الجهد الرقابي نفسه في آلاف الإفصاحات، بينما نقطة البداية معروفة ويمكن الانطلاق منها.
وتتبنى الهيئة نهجاً رقابياً قائماً على تقييم المخاطر، وهو توجه مفهوم لتسريع الفسح وعدم تعطيل حركة البضائع. لكن سرعة الفسح وحماية المستهلك ليستا خيارين متعارضين.
فلماذا لا تخضع المنتجات الجديدة، وفقاً لمستوى مخاطرها، للفحص المخبري عند أول وصول لها، ثم يتكرر الفحص بشكل دوري خلال الفترة الأولى من دخولها السوق؟
ولدى الهيئة بالفعل آليات تسمح بنقل الإرسالية إلى مستودع المستورد مع عدم التصرف بها حتى استكمال الإجراءات اللازمة. فلماذا لا يتوسع استخدام مثل هذه الآليات مع المنتجات الجديدة أو الأعلى خطورة، بما يسمح بإجراء الفحص عند الحاجة والتعامل مع المنتج المخالف قبل أن يصل إلى المستهلك؟
ولا يعني ذلك العودة إلى فحص كل منتج وكل شحنة، فتقييم المخاطر يفترض أن يساعدنا على توجيه الفحص، وزيادة فرص اكتشاف المنتج المخالف قبل وصوله إلى السوق.
في النهاية، الغاية من كل هذه الإجراءات هي حماية المستهلك ورفع مستوى الالتزام. والهيئة نفسها تضع نسبة التزام المنشآت ضمن مؤشراتها الاستراتيجية، لكن كثيراً ما تبرز في نتائج أعمالها الرقابية أعداد الزيارات والمنشآت المخالفة والمنتجات المضبوطة، دون أن يظهر معها بوضوح تطور نسبة الالتزام مقارنة بالسنوات السابقة.
فإذا ارتفع عدد المخالفات، هل يعني ذلك بالضرورة نجاحاً أكبر في العمل الرقابي؟ أم أن النجاح الحقيقي هو أن تنخفض المخالفات عاماً بعد عام لأن مستوى الالتزام ارتفع؟
فالحزم في الرقابة لا يعني كثرة العقوبات، وإنما بناء منظومة تقل فيها الحاجة إليها.
والهدف في النهاية هو سوق أكثر التزاماً، لا سوق أكثر مخالفات.