د. سالم بن محمد آل جفشر
جاء حجب محتوى عدد من مشاهير ومشهورات منصات التواصل الاجتماعي عن الظهور داخل المملكة مؤخراً ليعيد إلى الواجهة قضية أرى من واقع التخصص الأكاديمي والخبرة الإعلامية أنها تستحق نقاشاً أعمق من مجرد الاحتفاء بالحجب أو الاعتراض عليه، فالقضية ليست في مشهور أو مشهورة ولا في مقطع عابر أثار الجدل ثم انتهى وإنما في منظومة رقمية كاملة أصبحت قادرة على صناعة الشهرة والتأثير وتغيير الذائقة وتشكيل بعض أنماط السلوك الاجتماعي خارج الأطر التقليدية للعمل الإعلامي.
وما يجعل الإجراء الأخير لافتاً أن بعض أصحاب هذا المحتوى يقيمون خارج المملكة بينما يصل ما يقدمونه إلى الجمهور داخلها، وهذا يكشف حقيقة مهمة في الإعلام الرقمي وهي أن الجغرافيا لم تعد تحدد نطاق التأثير فصانع المحتوى قد يعيش على بعد آلاف الكيلومترات لكنه حاضر يومياً في هواتف أبنائنا وبناتنا، ويسهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة في تشكيل تصوراتهم عن النجاح والشهرة والمال والعلاقات والسلوك الاجتماعي ولذلك أصبحت الحدود الرقمية للمجتمع لا تقل أهمية عن حدوده الجغرافية.
من هنا فإن حماية المجتمع من المحتوى المخالف أو الهابط لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مواجهة مع حرية التعبير أو صناعة المحتوى بل باعتبارها جزءاً من مسؤولية أوسع لحماية البيئة الاتصالية التي يعيش فيها المجتمع خصوصاً مع انتقال جزء كبير من التأثير من المؤسسات الإعلامية التقليدية إلى المنصات الرقمية.
لقد تغيرت قواعد اللعبة الإعلامية ففي الإعلام التقليدي كان المحتوى يمر قبل وصوله إلى الجمهور عبر سلسلة من البوابات المهنية تبدأ بالمحرر وتمر بالسياسة التحريرية والمراجعة المهنية والقانونية، بينما ألغت منصات التواصل جانباً كبيراً من هذه البوابات وأصبح الفرد قادراً خلال ثوان على مخاطبة مئات الآلاف وربما الملايين دون أن يمر ما يقوله أو يعرضه بأي مستوى من مستويات المراجعة المهنية.
وهنا تكمن إحدى المفارقات الكبرى في إعلام اليوم فقد يمتلك شخص لم يدرس الإعلام ولم يتدرب على أخلاقياته ولم يتعرف بصورة كافية على أنظمته ومسؤولياته جمهوراً يفوق جمهور مؤسسة إعلامية كاملة، وقد يصبح تأثيره في بعض الفئات العمرية أقوى من تأثير الصحيفة أو القناة وهذا لا يعني التقليل من صناع المحتوى أو إنكار ما قدمه كثير منهم من نماذج ناجحة ومبدعة ومفيدة، بل إن عدداً كبيراً من المؤثرين السعوديين يقدمون محتوى يستحق التقدير في المعرفة والثقافة والسياحة وريادة الأعمال والتقنية والترفيه لكن المشكلة تبدأ عندما تنفصل قوة التأثير عن المسؤولية.
وهنا يظهر ما يعرف في دراسات الإعلام الرقمي باقتصاد الانتباه حيث أصبحت المنافسة على وقت الإنسان وانتباهه وأصبحت المشاهدات والتفاعلات تتحول إلى قيمة إعلانية وعقود وأموال وفي مثل هذه البيئة قد يجد المحتوى الصادم أو المثير أو المستفز فرصة أكبر للانتشار من المحتوى المتزن لأن خوارزميات المنصات تقيس التفاعل ومدة المشاهدة والقدرة على إبقاء المستخدم داخل المنصة وليس بالضرورة القيمة الاجتماعية أو الثقافية لما يشاهده.
ومن هنا تبدأ دائرة خطرة فمحتوى هابط أو مثير يحقق مشاهدات ثم تتحول المشاهدات إلى متابعين ويتحول المتابعون إلى قيمة إعلانية ثم تتحول تلك القيمة إلى أموال فتصل الرسالة إلى آخرين بأن الأسلوب نفسه نموذج اقتصادي ناجح يمكن تقليده، وهكذا لا نكون أمام محتوى هابط فقط وإنما أمام اقتصاد قد يكافئ هذا المحتوى ويعيد إنتاجه.
والأخطر اجتماعياً أن التأثير لا يحدث دائماً بصورة مباشرة فالإنسان لا تتغير قيمه بسبب مقطع واحد، لكنه قد يتأثر نتيجة التعرض المتكرر للنماذج نفسها حتى يصبح ما كان مستهجناً مألوفاً وما كان مرفوضاً أقل إثارة للاستغراب وهذه المسألة تصبح أكثر حساسية عندما يكون الجمهور من الأطفال والمراهقين الذين لا يمتلكون دائماً الأدوات النقدية الكافية للتمييز بين الشهرة والنجاح وبين الاستعراض والإنجاز وبين الحرية والمسؤولية.
وحين يرى الشاب بصورة متكررة أن الشهرة يمكن أن تتحقق بالصراخ أو الاستفزاز أو كشف الخصوصيات أو استعراض المال والمظاهر أو تجاوز بعض القيم الاجتماعية، ثم يرى أن صاحب هذا المحتوى يحصل على ملايين المشاهدات والعقود الإعلانية فإننا أمام رسالة تربوية غير مباشرة قد تكون أكثر تأثيراً من عشرات المحاضرات وهنا لا أتحدث عن فرض نموذج اجتماعي واحد ولا عن محاربة الترفيه أو الإبداع وإنما عن مسؤولية يجب أن توازي حجم التأثير، فكلما اتسعت دائرة الجمهور تعاظمت المسؤولية تجاهه.
ولذلك فإن حجب المحتوى المخالف عن الظهور داخل المملكة عندما تستوجب المخالفة ذلك يمثل إجراء مهماً في حماية الفضاء الرقمي السعودي لكنه في تقديري يعالج النتيجة أكثر مما يعالج جذور الظاهرة، فالحجب ضرورة عند المخالفة لكن الحوكمة أكثر استدامة.
وهذه النقطة تعيدني إلى رؤية سبق أن طرحتها في مقال نشرته صحيفة الجزيرة حول تحويل المؤسسات الصحفية السعودية إلى شركات إعلامية حديثة متعددة المنصات تقود صناعة المحتوى والتأثير في العصر الرقمي، وقد دعوت فيه إلى ألا تبقى العلاقة بين المؤسسات الصحفية والمؤثرين وصناع المحتوى علاقة منافسة وإنما تتحول إلى شراكة مؤسسية تستفيد فيها المؤسسات من قدرة المؤثرين على الوصول إلى الجمهور، ويستفيد صناع المحتوى من الخبرة المهنية والتحريرية والقانونية المتراكمة لدى هذه المؤسسات.
وما نشهده اليوم يعزز الحاجة إلى هذا الطرح فالمؤسسات الصحفية السعودية تمتلك خبرة تراكمية تمتد لعقود في التحرير والتحقق وإدارة المحتوى وأخلاقيات النشر والمسؤولية القانونية، بينما يمتلك المؤثرون سرعة الوصول والمرونة والجمهور والتفاعل ويمكن الجمع بين القوتين في منظومة إعلامية حديثة تحقق الفائدة للطرفين وتحمي المجتمع في الوقت نفسه.
لا أقصد بذلك أن يصبح كل مشهور موظفاً في صحيفة أو أن يخضع محتواه لرئيس تحرير بالمفهوم التقليدي، وإنما أن تتحول المؤسسات الصحفية إلى شركات إعلامية متكاملة تضم أذرعاً متخصصة في إدارة المؤثرين والمواهب وصناعة المحتوى والإنتاج والاستشارات والتدريب وإدارة السمعة والمراجعة القانونية بحيث يحتفظ صانع المحتوى بشخصيته واستقلاليته الإبداعية، وفي الوقت نفسه يجد خلفه بيت خبرة مهنياً يحذره قبل الخطأ ويوجهه قبل المخالفة ويساعده على تحويل الانتشار إلى تأثير إيجابي ومستدام.
وهنا ننتقل من العقوبة بعد النشر إلى الوقاية قبل النشر وهذا في تقديري جوهر الحوكمة التي نحتاج إليهان فالهدف ليس التضييق على صانع المحتوى وإنما إيجاد إطار مهني يحميه من الوقوع في المخالفة ويحمي الجمهور من المحتوى الضار ويجعل المسؤولية جزءاً أصيلاً من صناعة التأثير.
لكن المسؤولية لا تقع على صانع المحتوى وحده فهناك طرف مهم في هذه المعادلة وهو المعلن فالمال الإعلاني أصبح أحد محركات صناعة الشهرة الرقمية وبعض الشركات تختار المؤثر وفق عدد المتابعين والمشاهدات دون أن تمنح الوزن الكافي لجودة المحتوى أو سجله المهني ومسؤوليته الاجتماعية، فلا يمكن أن نطالب بتقليص المحتوى الهابط بينما تستمر بعض الميزانيات الإعلانية في مكافأته ولا يمكن أن نستنكر الإسفاف اجتماعياً ثم نحوله تجارياً إلى مصدر للربح.
ولهذا أرى أهمية دراسة تطوير تصنيف مهني للمؤثرين وصناع المحتوى لا يقوم على عدد المتابعين وحده وإنما يأخذ في الاعتبار جودة المحتوى والالتزام بالأنظمة والسجل المهني والمسؤولية الاجتماعية وموثوقية الإعلانات ومستوى التأهيل مع مسارات تدريبية في أخلاقيات الإعلام والأنظمة والخصوصية وحماية الطفل والتحقق من المعلومات والإعلانات والمسؤولية الاجتماعية، ويمكن أن تصبح هذه المعايير من المؤشرات التي تستعين بها الجهات والشركات عند اختيار المؤثرين لحملاتها وعندها يصبح المحتوى الجيد ذا قيمة اقتصادية وليس مجرد قيمة أخلاقية.
من واقع العمل الإعلامي أعتقد أن من الخطأ التعامل مع الظاهرة باعتبارها مواجهة بين المجتمع والمشاهير، فالمملكة تحتاج إلى صناع المحتوى والمؤثرين المبدعين كما تحتاج إلى الصحفيين والإعلاميين والمؤسسات الإعلامية القوية؛ لأن صناعة المحتوى أصبحت جزءاً من القوة الناعمة والاقتصاد الإبداعي وصورة الوطن أمام العالم لكننا نحتاج إلى الانتقال من صناعة المشهور إلى صناعة المؤثر المسؤول، فالمشهور قد يمتلك جمهوراً أما المؤثر الحقيقي فيمتلك إلى جانب جمهوره قيمة ورسالة ومسؤولية.
ولهذا فإن الخطوة التالية بعد حجب المحتوى المخالف يجب ألا تكون انتظار مخالفات جديدة وحجبها تباعاً بل استثمار هذه المرحلة في بناء منظومة أكثر شمولاً لحوكمة صناعة التأثير الرقمي تشارك فيها وزارة الإعلام والجهات التنظيمية والمؤسسات الصحفية والجامعات والقطاع الخاص والمعلنون وصناع المحتوى أنفسهم، بحيث لا يكون هدفها التضييق على الإبداع وإنما الارتقاء به ولا تنتظر الخطأ حتى تعاقبه وإنما تبني البيئة المهنية التي تقلل احتمالات وقوعه.
لقد أصبحت شاشة الهاتف اليوم إحدى مؤسسات التنشئة المؤثرة إلى جانب الأسرة والمدرسة والإعلام وهذه حقيقة يجب ألا نتعامل معها باستخفاف، فمن يدخل إلى هاتف الطفل كل يوم قد يدخل إلى طريقة تفكيره أيضاً ومن يستحوذ على ساعات من انتباه أبنائنا يملك مساحة مؤثرة في تشكيل تصوراتهم عن العالم، ولذلك فإن حماية الفضاء الرقمي ليست قضية إعلامية فقط بل قضية اجتماعية وتربوية وثقافية.
حجب المحتوى الهابط أو المخالف خطوة مهمة عندما يتجاوز الأنظمة والضوابط لكن النجاح الأكبر ليس في عدد الحسابات التي نستطيع حجب محتواها وإنما في قدرتنا على بناء بيئة إعلامية لا تجعل الإسفاف طريقاً مربحاً إلى الشهرة، ولا تجعل إثارة الجدل معياراً للنجاح ولا تجعل عدد المشاهدات أهم من قيمة ما يشاهده الناس.
وهنا أجدد ما طرحته سابقاً في صحيفة الجزيرة بأن مستقبل الإعلام السعودي لا ينبغي أن يبنى على الاختيار بين المؤسسات الصحفية والمؤثرين وإنما على شراكة مهنية تجمع الطرفين داخل اقتصاد إعلامي حديث يقوم على المهنية والابتكار والاستدامة والمسؤولية ويستفيد من الخبرة الطويلة للمؤسسات الصحفية ومن قوة الوصول التي يمتلكها صناع المحتوى.
فالمعركة الحقيقية ليست مع مشهور يعيش في الخارج أو الداخل وإنما مع المحتوى الهابط عندما يتحول إلى قدوة ومع الإسفاف عندما يتحول إلى تجارة ومع الشهرة عندما تنفصل عن المسؤولية وحماية عقول أبنائنا لا تعني أن نغلق نوافذهم على العالم، بل أن نبني لديهم وعياً أقوى وأن نوفر لهم محتوى أجود وأن نجعل المسؤولية جزءاً أصيلاً من صناعة التأثير، فالشهرة في عصر المنصات قد يصنعها مقطع عابر أما التأثير الذي يستحق أن يبقى فلا تصنعه إلا القيمة والمسؤولية.
وفي هذا السياق فإن الشكر والتقدير لمعالي وزير الإعلام وللجهات المختصة ولكل من أسهم في حجب هذه الحسابات والمحتويات عن الظهور داخل المملكة هو تقدير لموقف مسؤول في حماية فضائنا الرقمي وصيانة مجتمعنا من محتوى هابط يهدد منظومة الأخلاق والقيم الإسلامية والاجتماعية والثقافية الأصيلة التي قام عليها مجتمعنا السعودي وحافظ عليها جيلاً بعد جيل.
ما نأمله أن تكون هذه الخطوة بداية لمسار أكثر شمولاً في حوكمة صناعة المحتوى والتأثير الرقمي وأن تستمر الجهات المختصة بحزم في حماية المجتمع من كل محتوى يتجاوز الأنظمة، أو يسيء إلى قيمه بالتوازي مع دعم صناع المحتوى المبدعين والواعين الذين يقدمون صورة تليق بالمملكة ومجتمعها وثقافتها، فحماية الفضاء الرقمي اليوم هي حماية للعقول والقيم والهوية وحين نحمي ما يشاهده أبناؤنا فإننا لا نحمي حاضرهم فقط بل نسهم في حماية مستقبل مجتمع بأكمله.
** **
- أستاذ الإعلام والاتصال بجامعة جازان