د. عبدالمحسن الرحيمي
في مايو 2026، نشرت مجلة نيتشر بحثًا عن «روبن»، وهو نظام ذكاء اصطناعي متعدد الوكلاء شارك في مراحل متقدمة من الاكتشاف العلمي، من قراءة الأدبيات وتوليد الفرضيات إلى اقتراح التجارب وتحليل نتائجها وتطوير فرضيات جديدة. وقد استخدم الباحثون النظام في البحث عن مرشحات علاجية للضمور البقعي الجاف المرتبط بالعمر، ثم اختبروا بعض المقترحات تجريبيًا، لتتجاوز أهمية هذا التطور مجرد قدرة الآلة على تنفيذ بعض مهام الباحث، وتصل إلى مشاركتها في أجزاء من العملية التي تُنتج المعرفة العلمية نفسها.
ولعقود طويلة، كانت الشهادة العلمية تمثل دليلًا على امتلاك معرفة متخصصة اكتسبها الإنسان عبر سنوات من الدراسة والتدريب والبحث، وكانت هذه الوظيفة منطقية في عالم كانت فيه المعرفة محدودة الوصول، وكان الوصول إلى المصادر وتحليلها يتطلب وقتًا وجهدًا وخبرة، لكن هذه المعادلة بدأت تتغير مع ظهور أدوات قادرة على الوصول إلى كميات هائلة من المعلومات وتحليلها خلال وقت قصير، ولم تعد المعرفة حبيسة الكتب والمكتبات وقواعد البيانات المتخصصة كما كانت من قبل.
لم تعد المعرفة نادرة كما كانت. أصبح الإنسان قادرًا على الوصول إلى كميات هائلة من المعلومات خلال ثوانٍ، وأصبحت الأنظمة الذكية قادرة على البحث والمقارنة والتحليل وتوليد الفرضيات، ومع انتقال الذكاء الاصطناعي من استرجاع المعلومات إلى المشاركة في البحث العلمي، لم يعد امتلاك المعلومات وحده معيارًا كافيًا للتميز، لأن ما أصبح أكثر أهمية هو قدرة الإنسان على فهم هذه المعلومات، ووضعها في سياقها، والتحقق منها، ومعرفة ما الذي يستحق أن يتحول إلى سؤال أو بحث أو اكتشاف.
ومن هنا تبدأ إعادة النظر في وظيفة الشهادة؛ فإذا كانت الشهادة تثبت أن صاحبها يعرف مجموعة من المعلومات، فإن قيمة هذا الجانب ستتراجع تدريجيًا كلما أصبحت الآلة قادرة على الوصول إلى المعلومات وتحليلها بصورة أسرع، أما إذا كانت الشهادة تثبت أن الإنسان يستطيع فهم المعرفة، والتحقق منها، واكتشاف ما يستحق البحث، وإنتاج معرفة جديدة، وتحمل مسؤولية استخدامها، فإن قيمتها لن تتراجع، بل قد تصبح أكثر أهمية، لأن الإنسان لن يكون مطالبًا بأن ينافس الآلة في كمية المعلومات التي تستطيع الوصول إليها، وإنما في قدرته على تحديد ما تعنيه هذه المعلومات وما الذي يمكن أن يبنى عليها.
وهذا التحول لا يتعلق بالشهادة وحدها، وإنما يعيد تعريف العالم نفسه؛ فالعالم في المستقبل لن تكون قيمته في قدرته على قراءة أكبر عدد من الأوراق أو تحليل أكبر كمية من البيانات، لأن الذكاء الاصطناعي يستطيع مساعدته في ذلك، وإنما في قدرته على اختيار المشكلة الصحيحة، وفهم ما تعنيه النتائج، واكتشاف ما لم يظهر بعد، وتصميم التجربة التي تستطيع التمييز بين التفسيرات المختلفة، ثم الحكم على ما إذا كانت النتيجة تستحق أن تصبح معرفة علمية يمكن الاعتماد عليها.
ولهذا فإن الذكاء الاصطناعي لا يلغي دور العالم، وإنما يدفع قيمته إلى مستوى آخر، وينطبق الأمر نفسه على الجامعة؛ فالطالب الذي يستطيع إنتاج إجابة بواسطة الذكاء الاصطناعي لا يثبت بالضرورة أنه يمتلك المعرفة التي يفترض أن تقيسها الجامعة، ولذلك قد يصبح التقييم الأكاديمي أكثر ارتباطًا بقدرة الطالب على تفسير كيف وصل إلى النتيجة، ولماذا اختار منهجًا معينًا، وكيف تحقق من المعلومات، وكيف تعامل مع الخطأ، وما الذي أضافه بنفسه، لأن الإجابة النهائية وحدها لن تكون دائمًا دليلًا كافيًا على المعرفة التي يمتلكها.
وفي الدراسات العليا سيكون هذا التحول أكثر وضوحًا، فالقيمة لن تكون في عدد الصفحات أو المراجع التي يستطيع الباحث إنتاجها، وإنما في أصالة السؤال، وقوة المنهج، والقدرة على تفسير النتائج، وتحويلها إلى إضافة حقيقية للمعرفة، ولذلك قد تتغير وظيفة الشهادة تدريجيًا من إثبات ما يعرفه الإنسان إلى إثبات ما يستطيع أن يفعله بالمعرفة، وهو تحول يتجاوز التعليم إلى طبيعة العلاقة بين الإنسان والعمل والاختصاص.
فالإنسان قد لا يكون قادرًا على منافسة الآلة في سرعة الوصول إلى المعلومات أو تحليلها، لكنه يستطيع أن يحدد لماذا تستحق معلومة معينة أن تتحول إلى بحث، ولماذا تستحق نتيجة معينة أن تُختبر، وما الذي تعنيه هذه النتيجة للإنسان والمجتمع، وهنا تظهر قيمة الحكم العلمي والخبرة والمسؤولية، وهي أمور لا تختصرها كمية المعلومات التي يستطيع الفرد الوصول إليها.
وربما نكون أمام انتقال تدريجي من اقتصاد الشهادة إلى اقتصاد القدرة؛ حيث لا تختفي الدرجات العلمية، وإنما يتغير ما ننتظر منها أن تثبته، فالشهادة المستقبلية الأقوى لن تكون بالضرورة التي تقول: إن صاحبها يعرف أكثر من الآلة، وإنما التي تثبت أنه يعرف كيف يتعلم، وكيف يتحقق، وكيف يكتشف، وكيف يحكم، وكيف يتحمل مسؤولية ما يعرف.
إن «روبن» لا يمثل نهاية العالم الأكاديمي، لكنه يكشف أن الحدود بين الباحث والأداة بدأت تتحرك، ومع تحرك هذه الحدود لن يكون التحدي أمام الجامعات هو منع الذكاء الاصطناعي، بل إعادة تعريف التعليم بحيث لا تصبح الشهادة دليلًا على شيء تستطيع الآلة القيام به، وإنما دليلًا على القدرة الإنسانية التي تجعل استخدام الآلة ذا معنى.
فقد لا تكون أزمة الشهادة أن الذكاء الاصطناعي أصبح يعرف أكثر، وإنما أن الشهادة ما زالت تحاول إثبات الشيء نفسه الذي لم يعد امتلاكه حكرًا على الإنسان.