علي بن عبدالله علي الوهابي
لم تعد مسيرة المملكة العربية السعودية خلال السنوات الأخيرة مجرد مرحلة من مراحل التطوير المعتادة بل أصبحت قصة تحول شاملة أعادت رسم ملامح الدولة واقتصادها ومجتمعها وموقعها في العالم، وفي قلب هذا التحول يقف صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، الذي ارتبط اسمه بمشروع وطني واسع حمل عنوانًا واضحًا منذ انطلاق رؤية المملكة 2030: بناء دولة أكثر قوة، واقتصاد أكثر تنوعًا، ومجتمع أكثر حيوية.
منذ الإعلان عن رؤية 2030 عام 2016 بدأت المملكة تنتقل تدريجيًا من الاعتماد الكبير على النفط إلى بناء منظومة اقتصادية أكثر تنوعًا بالتوازي مع تطوير الخدمات الحكومية ورفع جودة الحياة وتمكين القطاع الخاص واستقطاب الاستثمارات وفتح مجالات جديدة أمام الشباب.
ولم تعد الرؤية مجرد وثيقة أهداف بل تحولت إلى برامج ومشروعات ومؤشرات تقاس نتائجها عامًا بعد آخر.
ولعل أبرز ما يميز هذه المرحلة أن التغيير لم يقتصر على قطاع واحد. ففي الاقتصاد اتجهت الدولة إلى توسيع قاعدة الإيرادات وتنمية القطاعات غير النفطية وتعزيز دور الاستثمار.
وفي السياحة والثقافة والترفيه ظهرت وجهات ومشروعات وفعاليات لم تكن جزءًا من المشهد السعودي قبل سنوات قليلة. أما في التقنية فقد أصبحت المملكة تراهن بصورة متزايدة على الذكاء الاصطناعي والبيانات والاقتصاد الرقمي بوصفها أدوات رئيسية للمنافسة عالميًا وتشير التقارير الرسمية إلى أن التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي أصبحا من المحاور الأساسية في مسيرة التنمية السعودية.
وفي الجانب الاجتماعي، كان التحول أكثر وضوحًا بالنسبة للمواطن. فقد توسعت الخيارات في مجالات الثقافة والرياضة والترفيه، وازدادت مشاركة الشباب والمرأة في مختلف قطاعات العمل والحياة العامة، وأصبحت جودة الحياة جزءًا أساسيًا من مفهوم التنمية، لا نتيجة جانبية لها.
وفي السياحة، وضعت المملكة نفسها على خارطة العالم من خلال تطوير العلا والدرعية ومشروعات البحر الأحمر وغيرها إلى جانب استضافة فعاليات رياضية وثقافية وترفيهية عالمية وهي خطوة لم تكن تستهدف السياحة وحدها وإنما بناء صورة جديدة للمملكة كوجهة اقتصادية وثقافية وسياحية قادرة على المنافسة.
أما المشاريع الكبرى، فقد أصبحت تمثل أحد أكثر وجوه رؤية 2030 وضوحًا. فمشروعات مثل نيوم، والقدية، والبحر الأحمر، وروشن، وتطوير الدرعية، ليست مجرد مشروعات عمرانية، وإنما محاولات لبناء مدن ووجهات وقطاعات اقتصادية جديدة، تستهدف خلق فرص العمل والاستثمار وتنويع الاقتصاد.
وفي الوقت نفسه، لم تغب الملفات الأساسية عن مسار التنمية. فقد استمرت المملكة في تطوير البنية التحتية، والخدمات الصحية، والإسكان، والتعليم، والأمن الغذائي والمائي، والطاقة المتجددة.
ومن الأمثلة اللافتة في هذا المجال محطة الخفجي لتحلية المياه، التي تعتمد على الطاقة الشمسية وتبلغ قدرتها الإنتاجية 90 ألف متر مكعب يوميًا.
وفي القطاع الثقافي والتراثي اتخذت المملكة مسارًا يجمع بين المحافظة على الإرث التاريخي والانفتاح على المستقبل. فقد شهدت السنوات الماضية مشروعات لإحياء المواقع التاريخية والمساجد القديمة، وتطوير جدة التاريخية، وتعزيز حضور الثقافة السعودية عالميًا إلى جانب تسجيل مواقع وعناصر من التراث السعودي ضمن قوائم اليونسكو.
اقتصاديًا ربما كان التحدي الأكبر هو أن يصبح النمو أقل ارتباطًا بتقلبات أسعار النفط. ولهذا جاءت برامج الرؤية لتدعم الاستثمار المحلي والأجنبي وتمكين القطاع الخاص وتطوير الصناعات والخدمات الجديدة وفي هذا السياق أصبح صندوق الاستثمارات العامة أحد أهم الأدوات التي تتحرك من خلالها المملكة لبناء قطاعات اقتصادية جديدة والاستثمار في فرص عالمية ومحلية.
واللافت أن التحول لم يعد محصورًا في الرياض أو المدن الكبرى إذ امتدت مشاريع التنمية إلى مختلف مناطق المملكة، وأصبح لكل منطقة دور في الاقتصاد الجديد سواء عبر السياحة أو الصناعة أو الزراعة أو التعدين أو الخدمات اللوجستية أو الثقافة.
وبعد مرور نحو عقد على إطلاق رؤية 2030، تبدو الصورة مختلفة عما كانت عليه في عام 2016. فالمملكة التي كانت تُعرَف عالميًا بصورة أساسية بوصفها دولة نفطية، أصبحت تقدم نفسها اليوم كاقتصاد يسعى إلى تنويع مصادر دخله وكمركز للاستثمار والتقنية والسياحة والرياضة والثقافة.
ولا يمكن اختزال هذه المسيرة في مشروع واحد أو قرار واحد فالتحول الذي تشهده السعودية هو حصيلة منظومة واسعة من الإصلاحات والبرامج والمشروعات التي تعمل معًا.
لكن اسم الأمير محمد بن سلمان أصبح مرتبطًا بهذه المرحلة بوصفه قائدًا للمشروع التنفيذي لرؤية طموحة أرادت للمملكة ألا تكتفي بمواكبة المستقبل بل أن تكون شريكًا في صناعته.
وربما يكون أهم ما تحقق حتى الآن أن كلمة «المستقبل» لم تعد تستخدم في السعودية للدلالة على زمن بعيد فقد أصبحت مشروعات المستقبل تُبنى اليوم والاستثمارات تُضخ اليوم والقطاعات الجديدة تُنشأ اليوم، والشباب الذين يفترض أن يقودوا المرحلة المقبلة بدأوا بالفعل في قيادة جزء كبير منها.
وهنا تكمن أهمية تجربة الأمير محمد بن سلمان فالقصة ليست قصة مشروعات ضخمة فحسب وإنما قصة انتقال في طريقة التفكير نفسها من انتظار المستقبل إلى الاستعداد له ومن الاعتماد على مورد واحد إلى البحث عن مصادر متعددة للقوة ومن النظر إلى المملكة باعتبارها جزءًا من الاقتصاد العالمي إلى السعي لأن تكون لاعبًا مؤثرًا فيه.
إنجازات السنوات الماضية لا تعني أن الطريق انتهى فالرؤية ما زالت تحمل أهدافًا ومراحل قادمة، والمشروعات الكبرى تحتاج إلى سنوات حتى تكتمل وتظهر نتائجها النهائية لكن المؤكد أن السعودية قطعت مسافة كبيرة منذ عام 2016 وأن التحول الذي بدأ آنذاك أصبح واقعًا يمكن ملاحظته في الاقتصاد والمدن والمجتمع والحياة اليومية.
وفي نهاية المطاف قد يكون أكبر إنجاز في هذه المرحلة هو أن الطموح السعودي لم يعد مجرد شعار لقد تحول الطموح إلى مشاريع، والمشاريع إلى قطاعات والقطاعات إلى فرص وأصبح أمام المملكة طريق جديد ترسم ملامحه اليوم بقيادة الأمير محمد بن سلمان، وبطموح يتجاوز حدود عام 2030 إلى ما بعده.