د. عيسى محمد العميري
تؤكد التطورات الأمنية الأخيرة التي شهدتها دولة الكويت، وما أعلنته النيابة العامة بشأن ضبط عناصر تابعة للحرس الثوري الإيراني عقب توغلهم بصورة غير مشروعة داخل إقليم الدولة واجتياز حدودها البحرية والتسلّل إلى نطاق عسكري محظور، أن حماية سيادة الدول وحدودها ليست خياراً يمكن التهاون فيه، وإنما مسؤولية وطنية وقانونية ودولية أصيلة. وقد أعلنت النيابة العامة إحالة المتهمين إلى المحكمة المختصة بعد استكمال إجراءات التحقيق وجمع الأدلة والقرائن المتعلقة بالواقعة. وتكتسب هذه الخطوة أهمية كبيرة، لأنها تؤكد أن دولة الكويت تتعامل مع أي مساس بأمنها وسيادتها وفق المؤسسات الدستورية والقانونية، وبما يضمن محاسبة كل من تثبت مسؤوليته عن ارتكاب جرائم تمس أمن الدولة وسلامة أراضيها. ووفق ما أعلنته النيابة العامة، كشفت التحقيقات عن عملية منظمة تضمنت استخدام قوارب وتجهيزات ملاحية وميدانية، وضبط أسلحة وذخائر وأجهزة اتصال ورصد، مع الاشتباه في التخطيط لاستهداف مواقع ومنشآت ذات طبيعة عسكرية وسيادية وأمنية. إن ما قامت به النيابة العامة يمثِّل نموذجاً مهماً لدولة القانون؛ فحماية الحدود تبدأ بمنع أي اختراق أو تسلّل، ثم تأتي مرحلة التحقيق القضائي الموضوعي، وصولاً إلى محاكمة من تثبت إدانته أمام القضاء المختص. وهذه المعادلة تؤكد أن أمن الكويت ليس مجالاً للمساومة، وأن احترام سيادة الدولة يظل قاعدة أساسية لا يجوز تجاوزها تحت أي ظرف. وفي هذا السياق، من المهم التأكيد أن لدولة الكويت، كما لدولة قطر وسائر الدول ذات السيادة، الحق الكامل في حماية حدودها البرية والبحرية والجوية، واتخاذ الإجراءات المشروعة التي تكفل حماية أراضيها وشعوبها ومؤسساتها ومنشآتها. فهذا الحق لا يستند فقط إلى القوانين الوطنية، وإنما يجد أساسه في قواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، الذي يؤكد في المادة 51 الحق الطبيعي للدول في الدفاع عن نفسها، فرادى أو جماعات، في مواجهة الاعتداء المسلح. ومن هنا فإن الكويت وقطر، باعتبارهما دولتين تتمتعان بالسيادة الكاملة، لا يمكن أن تكون حدودهما مجالاً للاختراق أو التسلّل أو الأعمال العدائية. ولهما الحق في اتخاذ التدابير القانونية والأمنية اللازمة لمنع أي اعتداء أو تهديد، وفي حماية قواتهما ومواطنيهما والمقيمين على أراضيهما والمنشآت الحيوية والإستراتيجية. كما أن من حق الدولتين، في إطار قوانينهما الوطنية وختصاصاتهما القضائية، محاكمة كل من يرتكب أفعالاً مجرّمة على أراضيهما أو ضمن ولايتهما القضائية، مع ضمان إجراءات المحاكمة العادلة واحترام حقوق المتهمين. فسيادة القانون لا تعني التساهل مع الجريمة، بل تعني مواجهتها بالأدلة والتحقيق والقضاء. إن الرسالة الأهم التي ينبغي أن تصل إلى الجميع هي أن أمن دول الخليج وسيادتها ووحدة أراضيها خطوط حمراء، وأن حماية الحدود مسؤولية لا تقبل التهاون. كما أن اللجوء إلى القضاء لمحاكمة من يثبت تعديه يمثِّل الطريق الحضاري والقانوني لترسيخ هيبة الدولة وحماية أمنها واستقرارها. وفي ظل الظروف الإقليمية الدقيقة، فإن تضامن دول مجلس التعاون الخليجي وتنسيقها في حماية أمنها وحدودها أصبح أكثر أهمية من أي وقت مضى، مع التمسك بالقانون الدولي والوسائل المشروعة، وبما يحفظ أمن المنطقة واستقرارها ويمنع تكرار أي محاولات للمساس بسيادة دولها. اللهم احفظ خليجنا آمنا مطمئناً.
** **
- كاتب كويتي