أنس تشكالا
كم من إنسان وقف طويلًا أمام بابٍ مغلق، يظن أن الطريق قد انتهى، وأن الفرصة قد ضاعت، وأن الحياة قد أغلقت في وجهه نافذةً لن تُفتح بعد اليوم. غير أن الزمن يعلّمنا درسًا مختلفًا؛ فليست كل الأبواب التي تبدو مغلقة قد أُغلقت فعلًا، وإنما كثير منها ينتظر أن نغيّر طريقة الطَّرق، أو أن نمتلك شجاعة البحث عن باب آخر.
نحن نربط النجاح غالبًا بالفرص التي تأتي من الخارج؛ وظيفة، أو منحة، أو توصية، أو شخصا يؤمن بنا. لكن الحقيقة أن أعظم التحولات تبدأ في الداخل، حين يؤمن الإنسان بنفسه قبل أن يؤمن به الآخرون. فالإيمان بالفكرة هو أول خطوة في تحويلها إلى واقع، أما انتظار التصفيق قبل العمل، فلا يصنع إلا الأحلام المؤجلة.
كثير من الإنجازات التي نراها اليوم بدأت بفكرة صغيرة لم يلتفت إليها أحد. لم تكن تملك المال، ولا الشهرة، ولا الضمانات، لكنها امتلكت شيئًا أهم من ذلك كلّه: صاحبًا لم يتخلَّ عنها عندما تجاهلها الآخرون. فالأفكار، شأنها شأن البذور، لا تطلب منا أن نصفق لها، وإنما أن نمنحها الوقت والرعاية حتى تنمو.
ولعل أكثر ما يثقل خطوات الإنسان خوفه من الفشل. فهو لا يتردد لأن الطريق صعب، بل لأنه يتخيل النهاية قبل أن يبدأ. ينسى أن كل طريق واضح اليوم كان يومًا مجهولًا، وأن كل ناجح عرف لحظات من الشك، لكنه لم يسمح لها بأن تكون الكلمة الأخيرة.
إن الحياة لا تكافئ من يملك الأفكار وحدها، وإنما تكافئ من يمنح أفكاره فرصة الحياة. فكم من فكرة عظيمة ماتت في دفاتر أصحابها، وكم من مشروع بسيط غيّر حياة الناس لأن صاحبه امتلك شجاعة البداية، ولم ينتظر الظروف المثالية التي لا تأتي غالبًا.
وقد لا يكون النجاح في الوصول إلى القمة، بل في القدرة على مواصلة الصعود. فالإنسان الذي يتعلم من عثراته، ويحوّل إخفاقاته إلى خبرة، يكون قد ربح أكثر ممن وصل سريعًا دون أن يتعلم شيئًا من الطريق. فالقيمة الحقيقية ليست في عدد المرات التي نجحنا فيها، بل في عدد المرات التي نهضنا فيها بعد التعثر.
ومن أجمل ما تمنحه التجارب للإنسان أنها تعيد تعريف النجاح نفسه. ففي البدايات نظنه محطةً نصل إليها، ثم نكتشف بعد سنوات أنه أسلوب حياة، يقوم على التعلم المستمر، والعمل المتقن، والإيمان بأن كل يوم فرصة جديدة لبناء شيء أفضل مما كان بالأمس.
ولا ينبغي أن نستهين بالأثر الذي يتركه التشجيع في حياة الناس. فكلمة صادقة قد توقظ موهبة نائمة، وثقة يمنحها معلم لتلميذه قد تغيّر مسار حياته، كما أن لحظة إيمان من أب أو أم أو صديق قد تكون الشرارة الأولى لإنجاز لم يكن ليرى النور لولا ذلك الدعم.
ولذلك، فإن أجمل ما يمكن أن نقدمه لمن حولنا ليس الحلول الجاهزة، بل الثقة التي تجعلهم يكتشفون قدرتهم على صناعة الحلول بأنفسهم. فالإنسان الذي يؤمن بإمكاناته يصبح أكثر استعدادًا لمواجهة العقبات، وأكثر قدرة على تحويل المستحيل إلى مشروع قابل للتحقيق.
ولعلنا نحتاج، بين حين وآخر، إلى أن نتذكر أن بعض الأبواب لا تُفتح بالمفاتيح، وإنما بالإصرار، وأن بعض الطرق لا تظهر إلا لمن يجرؤ على السير فيها. فالحياة لا تعد أحدًا بأن تكون سهلة، لكنها تمنح المجتهدين فرصةً ليكتبوا قصصهم بأيديهم، لا أن ينتظروا من يكتبها لهم.
فإذا وجدت يومًا بابًا لا يفتح، فلا تُسارع إلى إعلان النهاية. ربما لم يكن الباب هو المشكلة، وربما كانت الحياة تدعوك إلى أن تصنع بابك بنفسك. ففي النهاية، لا يُذكر الذين انتظروا الطريق، بل الذين شقّوه.