د. عبدالرحمن بن حسين فقيهي
يحتاج الإنسان سنوات طويلة ليتعلم الكلام، وربما يحتاج عمرًا كاملًا ليتعلم الصمت.
فالكلام قدرة نكتسبها مبكرًا، أما الصمت فمعرفة متأخرة؛ لا تأتي من عجز اللسان، بل من اتساع التجربة. وكلما مضت بالإنسان الحياة أدرك أن كثيرًا مما قاله لم يكن ضروريًا، وأن معارك كثيرة خاضها بالكلمات لم تكن تستحق، وأن بعض المواقف التي ظن أنه انتصر فيها لأنه قال كل ما عنده، كان الأجمل لو أنه خرج منها وفي صدره شيء لم يقله.
الصمت بهذا المعنى ليس فراغًا، بل امتلاء، فالذي لا يملك ما يقوله ويسكت، لم يختر الصمت، وإنما انتهى إليه. أما الذي يعرف ويستطيع ويملك الحجة، ثم يزن الموقف ويرى أن السكوت أولى، فهذا يمارس نوعًا رفيعًا من السيطرة على النفس. ذلك أن الإنسان لا تظهر قوته دائمًا فيما يفعله، بل أحيانًا فيما يستطيع فعله ثم يترفع عنه.
ولهذا فإن بعض الصمت أخلاق، وأن تعرف من أسرار الناس ما يكفي لإيذائهم، ثم تموت تلك الأسرار في صدرك. أن تنتهي صداقة، فلا تنتهي معها الأمانة. أن تقع خصومة، فلا تتحول المجالس القديمة إلى وثائق اتهام. أن يسيء إليك شخص كان قريبًا منك، فلا تستدعي ما عرفته عنه في أيام المودة لتنتصر عليه في أيام الجفاء.
ليس امتحان الأخلاق أن تحفظ سر من تحب؛ فهذا يسير، وإنما امتحانها الحقيقي أن تحفظ سر من لم تعد تحب.
هناك أشياء لا يكشفها الإنسان عن نفسه إلا بعد الخصومة. فكم من شخص بدا كريم الخلق سنوات، ثم فضحته ساعة غضب. وكم من علاقة انتهت، لكنها تركت وراءها إنسانين كريمين لم يتبادلا التشهير، ولم يقتسما أسرار الماضي على المجالس، ولم يحاولا إقناع العالم بأن أحدهما ملاك والآخر شيطان.
أن تنتهي العلاقات ويبقى الأدب؛ تلك مرتبة لا يبلغها كثيرون.
والصمت أيضًا كرامة.
فالإنسان في بداياته يرهقه أن يُساء فهمه. يريد أن يصحح كل رواية، ويرد على كل اتهام، ويشرح مقصده لكل أحد. يشعر أن صورته في أذهان الناس مسؤولية يجب أن يتولاها بنفسه، فيمضي جزءًا من حياته في تقديم المرافعات عن ذاته.
ثم ينضج.
فيكتشف أن بعض الناس لن يفهموه مهما شرح، وأن بعضهم لا يبحث أصلًا عن الحقيقة، بل عن كلمة يبني عليها خصومة أخرى. ويدرك أن الإنسان إذا جعل راحته معلقة بفهم الآخرين له، عاش أسيرًا لتفسيرات لا يملكها.
عندها يتعلم أن يمضي.
لا لأن الكلام نفد، ولكن لأن العمر أغلى.
وفي هذا الزمن تحديدًا، صار الصمت أصعب من أي وقت مضى. لم تعد الكلمة تحتاج إلى مجلس ولا منبر؛ يكفي أن تلمس شاشة حتى يصل غضبك إلى آلاف الناس. لم يعد بين الانفعال والنشر إلا ثوانٍ، ولذلك كثرت الكلمات التي لو تأخر أصحابها عنها دقائق لما كتبوها.
نحن لا نعاني اليوم نقصًا في القدرة على التعبير، بل ربما نعاني فائضًا فيها.
الجميع يتحدث، والجميع يعلق، والجميع يملك رأيًا في كل شيء. في حادثة لم يشهدها، وفي إنسان لم يعرفه، وفي تخصص لم يدرسه، وفي نيات لا يعلمها إلا الله. وأصبح البعض يخشى أن تمر قضية دون أن يضع اسمه في هامشها، وكأن الصمت إلغاء للوجود.
ومن هنا أصبحت القدرة على عدم المشاركة في كل ضجيج شكلًا من أشكال الحرية.
ليس عليك أن تدخل كل نقاش.
ولا أن تجيب كل مستفز.
ولا أن تصحح كل تصور.
ولا أن تنتصر في كل خصومة.
ثمة انتصارات لا تتحقق بإسكات الطرف الآخر، وإنما بإسكات الرغبة في الرد داخلك.
ولعل هذا هو أصعب الصمت.
أن تكون الكلمة جاهزة على طرف لسانك، والحجة حاضرة، والرد قادرًا على الإيلام، ثم تقول لنفسك: لا.
هذه الـ«لا» لا يسمعها أحد، لكنها قد تكون واحدة من أعظم انتصارات الإنسان على نفسه.
وقد لخّص الهدي النبوي ميزان الكلمة في قوله صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت». لم يجعل البديل عن الكلام السيئ كلامًا أقل سوءًا، وإنما الصمت. وكأن بين الإنسان والندم بابًا صغيرًا اسمه: ألا يقول.
لكن للصمت وجهًا آخر ينبغي ألا نتجاهله.
فليس كل ساكت حكيمًا، كما ليس كل متكلم ثرثارًا. قد يكون الصمت خوفًا، وقد يكون هروبًا، وقد يتحول إلى مشاركة غير معلنة في الخطأ. فالسكوت عن حق يجب بيانه ليس حكمة، والصمت أمام ظلم تستطيع دفعه ليس وقارًا، وترك النصيحة في موضعها ليس حسن تدبير.
الحكمة إذن ليست في أن تصمت، بل في أن تعرف متى يكون الكلام أمانة، ومتى يكون الصمت أمانة.
وهذه المعرفة لا تمنحها الكتب وحدها؛ تمنحها الخسارات أيضًا.
فالسنوات تعلم الإنسان بالتدريج أن الكلمات لا تعود بعد خروجها، وأن الاعتذار ـ مهما كان صادقًا ـ لا يعيد دائمًا قلبًا إلى حاله الأولى. يمكن أن تسحب رسالة، وتحذف منشورًا، وتعتذر عن عبارة، لكنك لا تستطيع أن تدخل إلى ذاكرة إنسان وتمحو منها ما سمع.
ولهذا كان بعض الصمت رحمة.
رحمة بمن أمامك، ورحمة بنفسك، ورحمة بعلاقة قد تنجو لأنك لم تقل في لحظة غضب كل ما تستطيع قوله.
ثم إن للصمت معنى أعمق لا يتعلق بالآخرين أصلًا.
إنه اللحظة التي يخلو فيها الإنسان من ضجيج العالم ليسمع نفسه.
نحن نهرب أحيانًا إلى الأصوات لأن السكون يضعنا أمام أسئلة مؤجلة: ماذا فعلنا بأعمارنا؟ كم شخصًا آذيناه ونحن نظن أننا على حق؟ كم معركة انتصرنا فيها وخسرنا أنفسنا؟ وكم شيء نطارده لأن الناس يريدونه لا لأننا نريده؟
لهذا يخيف الصمت بعض الناس؛ لأنه لا يجامل.
في الضجيج تستطيع الهرب من نفسك، أما في الصمت فتجلس معها وجهًا لوجه.
وكلما تقدم الإنسان في العمر، خفت رغبته في تفسير نفسه، وقلت معاركه، وصغر عدد الأشخاص الذين يستطيعون استفزازه. ليس ذلك برودًا، بل إعادة ترتيب للقيمة: هذا يستحق أن أتكلم، وهذا يستحق أن أصمت، وهذا لا يستحق مني شيئًا.
ولعل النضج في إحدى صوره ليس أن تعرف ماذا تقول، وإنما أن تعرف ما الذي لم يعد يستحق أن يقال.
ففي نهاية الأمر، لا تُقاس الحكمة بعدد الكلمات التي امتلكناها، بل بعدد الكلمات التي امتلكنا القدرة على قولها ثم أنقذنا أنفسنا والآخرين منها.
وبين كلمة كان يمكن أن تهدم، وصمت أبقى الأشياء في مواضعها، تتشكل مساحات خفية من الأخلاق لا يراها الناس.
هناك، تحديدًا، يكون الصمت كلامًا لا يسمعه أحد، لكنه يقول عن صاحبه الكثير.