د. أحمد محمد القزعل
ليست كل كلمة تُقال في حقنا تستحق جوابًا، وليست كل إساءة تحتاج إلى معركة، وليست كل معركة إذا انتصرنا فيها أضافت شيئًا إلى حياتنا.
ومن علامات النضج أن يعرف الإنسان متى يتكلم ومتى يصمت، ومتى ينسحب من مساحة لا تشبه أخلاقه.
في طفولتنا كنا نظن أن القوة في سرعة الرد؛ فمن أساء إلينا أجبناه، ومن رفع صوته رفعنا أصواتنا، ومن انتقص منا بحثنا عن عبارة أقسى منها، ثم تكبر بنا الأيام، فنكتشف أن الإنسان لا ينتصر بكثرة ردوده، وإنما بقدرته على ألا يسمح لكل عابر أن يتحكم في مزاجه وكرامته ووقته.
النضج ليس أن تفقد القدرة على الرد، بل أن تمتلك القدرة عليه ثم تختار ألا تستخدمها. فهناك فرق كبير بين العجز عن الكلام.
وفي الأسرة تبدأ هذه التربية مبكرًا فحين يختلف الأب مع ابنه، لا ينبغي أن يكون الهدف أن يثبت الأب أنه الأقوى، بل أن يتعلم الابن كيف يختلف دون إساءة، وحين يخطئ الطفل في حق أخيه، لا يكفي أن نطالبه بالاعتذار؛ بل ينبغي أن نعلّمه أن بعض الكلمات تترك أثرًا وأن الإنسان الناضج لا يبحث عن آخر كلمة في كل نقاش.
وما أحوجنا إلى هذه التربية في زمن أصبحت فيه الردود أسرع من التفكير فكم من رسالة غاضبة تُرسل في لحظة، وتعليق جارح يكتب في ثوان، وحكم على إنسان قد يصدر من جملة واحدة.
لقد منحتنا وسائل التواصل قدرة هائلة على الكلام، لكنها لم تمنح الجميع القدرة نفسها على ضبط الكلام.
ومن أخطر ما يمكن أن نربي عليه أبناءنا أن نجعلهم أسرى لنظرة الآخرين، فالطفل الذي يتعلم أن عليه أن يرد على كل من يسخر منه، وأن يدافع عن نفسه في كل لحظة، قد يكبر وهو يعيش في حالة استنفار دائم، أما الطفل الذي يتعلم أن قيمته لا تتحدد بكلام الناس، فسيمتلك شيئًا أعظم من القدرة على الرد: القدرة على تجاوز ما لا يستحقه.
لكن عدم الرد لا يعني قبول الظلم أو السكوت عن الحقوق. فهناك مواقف يكون فيها الكلام واجبًا، والدفاع عن النفس ضرورة، ووضع الحدود حماية للكرامة.
كما أن الحكمة ليست في الصمت دائمًا، كما أنها ليست في الكلام دائمًا؛ حقيقة إن الحكمة أن يعرف الإنسان متى يكون الصمت حكمة، ومتى يكون الكلام مسؤولية...
إن المجتمع الناضج ليس مجتمعًا يخلو من الخلاف، وإنما مجتمع يعرف كيف يختلف دون أن يتحول الاختلاف إلى خصومة، وكيف يخاصم دون أن يتحول إلى عداوة، وكيف يبتعد دون أن يهدم الجسور خلفه.
ولعل أجمل ما يمكن أن نعلّمه لأبنائنا أن بعض المعارك لا تربحها عندما تنتصر فيها، بل عندما ترفض دخولها أصلًا، وأن كرامة الإنسان لا تحتاج إلى ضجيج كي تثبت وجودها، وأن الهدوء أمام الاستفزاز ليس دائمًا خوفًا؛ قد يكون وراءه عقلٌ عرف أن بعض الردود تمنح الإساءة عمرًا أطول.
فحين يصل الإنسان إلى مرحلة لا يستفزه كل شيء، ولا يرد على كل شيء، ولا يشرح نفسه للجميع، ولا يلاحق كل سوء فهم، يكون قد قطع شوطًا بعيدًا في طريق النضج.
فليست الحكمة أن تقول كل ما تستطيع قوله، وإنما أن تعرف ما الذي يستحق أن يُقال، ولمن، ومتى.