د. حسين علي غالب بابان
منذ عدة عقود وعلماء البيئة والزراعة حول العالم يدقّون ناقوس الخطر، لكن من دون جدوى تُذكر، وحتى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال ولايته الأولى لم يتعامل مع التحذيرات المتعلقة بتغير المناخ بالجدية التي كان يطالب بها المجتمع العلمي، بل اتخذ مواقف متشككة تجاه بعض جوانب القضية، وانسحبت الولايات المتحدة في عهده من اتفاق باريس للمناخ.
اليوم أشاهد حرائق لا تُعدّ ولا تُحصى، فيما تشهد مناطق عديدة من أوروبا، التي كانت تتميز في أجزاء واسعة منها بالبرودة والثلوج والأمطار ارتفاعات قياسية في درجات الحرارة وموجات من الجفاف والحرائق وارتفاعًا في مخاطر الظواهر الجوية، وتشير الوكالة الأوروبية للبيئة إلى أن أوروبا هي أسرع قارات العالم ارتفاعًا في درجات الحرارة، وأن موجات الحر والجفاف والحرائق أصبحت من المخاطر المتزايدة، مع تفاوت واضح بين مناطق القارة.
نعم إن العالم بأسره يدفع ثمن عقود من التأخر في التعامل الجاد مع التحذيرات العلمية المتعلقة بتغير المناخ والتلوث البيئي. وقد أصبحت الآثار الصحية والاقتصادية والبيئية لهذه الظواهر أكثر وضوحًا من أي وقت مضى، وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن تلوث الهواء بشقيه ارتبط بنحو 6.7 مليون وفاة مبكرة حول العالم في عام 2019.
الآن بات على الحكومات أن تضع خططًا سريعة وفعّالة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وأن تعمل على زيادة المساحات الخضراء والتشجير بصورة كبيرة والحد من التلوث البيئي المتفشي، وتسريع التحول نحو مصادر الطاقة النظيفة وحماية الغابات والمياه والتربة وتعزيز قدرة المجتمعات على مواجهة موجات الحر والجفاف والحرائق والفيضانات.
كما ينبغي على الحكومات أن تصارح شعوبها بالحقائق العلمية، من دون تهويل أو تقليل من خطورة الوضع حتى يكون المواطنون شركاء حقيقيين في عملية التغيير، وليسوا مجرد متلقين للقرارات الحكومية.
لقد أصبح الأمر أكبر من أن يُتجاهل أو يُؤجَّل، خصوصًا مع تزايد الأدلة العلمية على اتساع مخاطر الحرارة الشديدة والجفاف وحرائق الغابات وتدهور النظم البيئية، وتشير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ إلى أن تغير المناخ الناجم عن النشاط البشري أدى إلى زيادة الجفاف والظروف الملائمة للحرائق في مساحات واسعة من الأراضي المغطاة بالنباتات حول العالم، كما أدى إلى إطالة مواسم الطقس الملائم للحرائق في مناطق عديدة.
إن العالم لا يحتاج اليوم إلى مزيد من التحذيرات بقدر ما يحتاج إلى قرارات جادة وسريعة وإلى تعاون دولي حقيقي، لأن حماية البيئة والمناخ لم تعد قضية تخص دولة أو قارة بعينها وإنما أصبحت قضية تمس مستقبل البشرية بأسرها.