صالح الشادي
يجسد مؤتمر «الأمن والتاريخ 2026»، الذي تنظمه وزارة الداخلية في العاصمة الرياض، نقلة نوعية في مفهوم المؤتمرات الأمنية، حيث يخرج من الإطار التقليدي ليكون منصة فكرية وتاريخية معمقة، تجمع بين الماضي والحاضر لتشكيل وعي وطني مستنير نحو المستقبل. هذا المؤتمر، الذي يُعقد تحت رعاية صاحب السمو الملكي الأمير عبدالعزيز بن سعود بن نايف وزير الداخلية، وبعنوان «تاريخنا ومستقبلنا.. أمن ونماء»، يعكس إدراكاً عميقاً بأن الأمن ليس مجرد إجراءات لحظية، بل هو امتداد تاريخي وثقافي يشكل جوهر هوية الدولة السعودية ومسيرتها التنموية عبر ثلاثة قرون.
تتأتى أهمية هذا المؤتمر من كونه يجسد نموذجاً رائداً في ربط الأمن بالتاريخ والهوية الوطنية، وهو ما يعد استمراراً لنهج تأسيسي راسخ، فالمؤتمر لا ينظر إلى الأمن بوصفه غاية في حد ذاته، بل بوصفه الركيزة الأساسية التي مكنت من بناء الدولة واستقرار المجتمع وتحقيق التنمية الشاملة، ومن خلال استحضار التجربة التاريخية الممتدة، يسهم المؤتمر في ترسيخ الفهم العميق لدى النشء والباحثين بأن ما تحقق من منجزات وازدهار هو ثمرة لجهود متواصلة في ترسيخ الأمن والاستقرار وبناء المؤسسات، مما يعزز الاعتزاز بالوطن والانتماء لديه. هذا الربط الجوهري بين الأمن والتاريخ هو ما يميز هذا المؤتمر، حيث يتحول إلى أداة فعالة لتوثيق التجربة السعودية الفريدة وتقديمها كنموذج معرفي وعلمي.
يتسم محتوى المؤتمر بغنى استثنائي وتنوع منهجي، إذ يضم أكثر من خمسين جلسة حوارية وخاصة ولقاءً تفاعلياً، يشارك فيها نخبة من المؤرخين والخبراء والأكاديميين، وتتناول مسيرة الدولة السعودية بأبعادها الأمنية والتنموية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. ولا يقتصر الأمر على الجلسات الحوارية، بل يمتد ليشمل فعاليات نوعية كالمعرض المصاحب الذي يستعرض تاريخ الأمن في المملكة عبر مراحله المختلفة، ومسار الأمن كتجربة تاريخية بصرية وتقنية تعرض تطور منظومة الأمن. هذا التنوع يضمن وصول الرسالة المعرفية إلى مختلف الفئات، ويسهم في إنتاج محتوى علمي موثق ومستدام، يبني جسوراً بين الأجيال لفهم أعمق لتطور الدولة ومؤسساتها.
تبرز جهود وزارة الداخلية في هذا السياق كجهود رائدة ومتكاملة، تتجاوز مهامها التقليدية في حفظ الأمن لتشمل دوراً محورياً في التثقيف الوطني والتاريخي، وإذكاء الوعي بالهوية الوطنية. فتنظيم هذا المؤتمر يأتي امتداداً لمنتديات سابقة، مع توسع كبير في برامجه وفعالياته، مما يعكس التزاماً مؤسسياً راسخاً بجعل هذا الحدث منصة وطنية سنوية للحوار وإنتاج المعرفة في مجالات الأمن والتاريخ والهوية والتنمية. وتعمل الوزارة من خلال هذا المؤتمر على تحقيق أهداف إستراتيجية، منها: ترسيخ المبادئ الوطنية والقيم الأصيلة كالوسطية والاعتدال، وتطوير محتوى أمني مبتكر يجمع بين المنهجية العلمية والرؤية المستقبلية لإعداد قادة المستقبل. هذه الرؤية التثقيفية الشاملة تجسد حرص الوزارة على بناء إنسان واعٍ بمسؤوليته الوطنية، مدركاً لقيمة أمن وطنه وتاريخه، وهو ما يتجلى أيضاً في مبادراتها الأخرى كإصدار الكتب التاريخية والأفلام الوثائقية التي توثق مسيرة الأمن.
وتأتي الرعاية الكريمة من صاحب السمو الملكي الأمير عبدالعزيز بن سعود بن نايف وزير الداخلية، وتوجيهاته المستمرة، لتجسد الدعم اللامحدود من القيادة الرشيدة لهذا التوجه الفكري والحضاري، حيث يولي سموه اهتماماً بالغاً بتعزيز الجوانب المعرفية والتاريخية للأمن، إيماناً منه بأن تمكين المجتمع من المعرفة الصحيحة بتاريخه وأمنه هو الضمانة الحقيقية لاستدامة الاستقرار والتنمية. ويمثل هذا المؤتمر ترجمة عملية لتوجيهات القيادة -أيدها الله- في تعزيز الهوية الوطنية والاعتزاز بالتاريخ السعودي الزاخر، بما يواكب مستهدفات رؤية المملكة 2030 في بناء مجتمع حيوي يعتز بجذوره ويتطلع بثقة نحو مستقبله المشرق، في مشهد حضاري يعكس عمق الدولة ورسوخ مؤسساتها.