عايض بن خالد المطيري
في السنوات الأخيرة، أصبح من اللافت أنّ الثقة بالسعودي في كل ميدانٍ من ميادين العمل بلغت ذروتها، بل يمكن القول إنها تجاوزت سقف التوقعات. لم يعد الحديث عن «إتاحة الفرصة للسعودي» كما كان في السابق، بل بات الحديث عن «انتزاعه للمكانة» بجدارة، وفرض اسمه بكفاءة واقعية، لا بقراراتٍ أو مجاملات.
من الطب إلى الهندسة، ومن التصميم إلى الميكانيكا، وحتى في المطاعم والمقاهي، باتت القناعة العامة -لدى السعوديين والمقيمين على حدٍّ سواء- أن السعودي حين يتولى عملًا، فهو يعمل بثقة، وإتقان، ومسؤولية. لم تعد المسألة مرتبطة بالمهنة، بل بالشخص ذاته؛ بالشغف الذي يحمله، وبالانضباط الذي بات سمة عامة لجيلٍ جديدٍ يعي قيمة العمل، ويقدّر أثره في بناء الوطن وصورته.
في مهنة الطب مثلًا، التي كانت يومًا ما عنوانًا لاستقدام الكفاءات من الخارج، أصبح الطبيب السعودي اليوم من أعمدة المستشفيات الكبرى، يُستشار ويُعتمد عليه، ويُسلَّم له زمام أصعب الحالات بثقة مطلقة. الأمر ذاته ينسحب على الهندسة بمختلف فروعها، حيث أبدع المهندس السعودي في تصميم وتنفيذ مشاريع عملاقة، باتت شاهدة على قدرة وطنية راسخة، لا تقل في حرفيتها عن أية كفاءة عالمية. ولأن الثقة لا تُمنح إلا بعد تجربة، فقد اكتسبها السعوديون في مجالاتٍ كانت يومًا حكرًا على غيرهم. نرى ذلك في المهن الحرفية؛ من ميكانيكا السيارات إلى صيانة الأجهزة، حيث تجد السعودي يقف بزيه العملي، يعمل بدقة، ويستقبل العملاء بابتسامة وثقة. لم يعد المشهد غريبًا، بل أصبح مألوفًا ومحببًا، لأننا جميعًا -كمجتمع- لمسنا الفارق بين العمل من أجل الراتب والعمل من أجل السمعة والمهنية.
حتى في مهنة الطبخ والمطاعم، التي كانت تُصنَّف سابقًا ضمن الأعمال التي «لا تليق بالسعودي» بحسب النظرة التقليدية القديمة، قلب الجيل الجديد المعادلة. اليوم نرى طهاة سعوديين يقودون مطاعم بمفاهيم عالمية، ويقدّمون أطباقًا تحمل بصمة وطنية تعبّر عن ذائقة وذهنية ناضجة. النجاح في هذا الميدان لم يكن وليد صدفة، بل ثمرة وعيٍ مجتمعي بأن العمل ليس تصنيفًا اجتماعيًا، بل قيمة إنسانية ووطنية.
الثقة بالسعودي لم تأتِ من فراغ، بل من التزامٍ متواصل، ومن كسرٍ لصورة نمطية طالما علقت بالأذهان. والإنجاز الحقيقي هنا ليس فقط في إثبات الكفاءة، بل في تغيّر نظرة المجتمع ـ من الداخل والخارج ـ تجاه مفهوم العمل.
إننا اليوم أمام تحوّلٍ وطني مهم: السعودي لم يعد رمزًا للوظيفة الحكومية فقط، بل نموذجًا للعامل المهني المتقن، الطبيب الموثوق، المهندس المبدع، الحرفي الأمين، والطاهي المتميز. وهذه النقلة ليست إنجازًا فرديًا، بل ثمرة رؤية وطنية آمنت بأن الاستثمار الحقيقي هو في الإنسان.
وفي الوقت الذي تُبنى فيه المشاريع وتُفتح فيه فرص العمل في كل مجال، علينا أن نحافظ على هذا الرصيد الكبير من الثقة، لأنها رأس المال الحقيقي لأي مجتمع يسعى للنهوض. الثقة لا تُشترى، ولا تُفرض، بل تُكتسب بالصدق والإتقان، وقد اكتسبها السعوديون بعملهم، لا بأقوالهم.
وهذا وحده كافٍ لنقول: إن الثقة في السعودي لم تعد مجاملة وطنية، بل حقيقة مهنية ترسخت في الوعي الجمعي، وآن لنا أن نحافظ عليها كإنجازٍ يستحق الاحترام والبقاء.