صابر المحمدي
ما أقسى أن يفتح المرء كتابًا طالما آنس بصاحبه، ثم يتذكر أن صاحبه قد سبق إلى رحمة الله، ويطيل النظر في صفحاته، فيخال أن الحروف ازدادت حياةً بعد غياب كاتبها، وأن الكلمات تحمل من الشجن ما لم تكن تحمله من قبل، وعندئذٍ يدرك أن الكتاب الصادق لا يموت برحيل صاحبه، بل يبدأ حياةً أخرى في قلوب قرائه.
إذا ذُكر الأستاذ الأديب محمد بن صالح البليهشي -رحمه الله-، حضرت سيرةُ رجلٍ عاش للعلم، وربّى عليه، وكتب له، حتى صار ذكره مقرونًا بما خلّفه من أثرٍ طيب، ولم تكن الفجيعة في رحيله قاصرةً على أهله ومحبيه، بل امتد صداها إلى كل من عرفه، أو قرأ له، أو انتفع بعلمه، وخُيّل إلى محبيه أن المجالس التي كانت تأنس بحديثه قد أوحشها الصمت، وأن المكتبات التي ازدانت بمؤلفاته قد لبست ثوب الحنين إلى صاحبها.
كانت ولادته في المضيق بوادي الفرع، ثم ساقه الله إلى طريقٍ امتلأ بالعلم والعطاء، فكان التعليم رسالته، والأدب أنيسه، والصحافة ميدانه، والتاريخ بعض همه.
مضى في ذلك كله في هدوء المخلصين، لا يطلب من الناس ثناءً، وإنما يطلب أن يؤدي الأمانة كما ينبغي، حتى غدت سيرته أبلغ شاهدٍ على صاحبها.
وأثرى المكتبة العربية بمؤلفاتٍ لم يكتبها ليكثر بها عدد كتبه، وإنما كتبها لأنها كانت جزءًا من ضميره، ونبضًا من قلبه، ووفاءً للمكان الذي أحبه، وللتاريخ الذي رأى أن حفظه أمانة.
كتب عن المدينة المنورة، ووادي الفرع، وبدر، والوطن، والتربية، ثم أحيا تراث الأديب عبدالعزيز الربيع، وفاءً لرجلٍ من رجال الأدب، وإيمانًا بأن الوفاء لأهل الفضل بعض الوفاء للعلم نفسه.
ولم يكن مما يلفت الناس كثرة حديثه عن نفسه، بل حسن عمله، وصدق كلمته، وهدوء سمته.
يمضي في طريقه كما يمضي الغيث؛ لا يستلفت الأنظار، وإنما يترك أثره حيث حل، فتورق به النفوس كما تورق الأرض بعد المطر. كان يؤمن أن العمل الصادق أبلغ من الثناء، وأن الكلمة إذا خرجت من قلبٍ مخلص بلغت القلوب بغير استئذان، ولذلك استقرت محبته في النفوس استقرار النور في الفجر، لا يُرى وهو يولد، ولكن يُرى حين يملأ الأفق.
ثم جاء اليوم الذي كُتب على كل حي، فانتهت رحلةٌ امتلأت بالعطاء، وسكت صوتٌ طالما آنست به المجالس، غير أن الصفحات التي خطها بقيت تنبض بما أودعه فيها من علمٍ وصدق، فكأنها تحمل شيئًا من حياة صاحبها إلى كل من يقرؤها.
وللكتب وفاءٌ لا يعرفه إلا أصحابها؛ فإنها تحفظ أصوات مؤلفيها بعد أن تسكت، وتبقي آثارهم بعد أن يغيبوا، وتعيد إلى القارئ شيئًا من أرواحهم كلما قلّب صفحاتها.
كذلك كانت كتب الأستاذ الأديب محمد بن صالح البليهشي -رحمه الله-؛ لا تُقرأ على أنها أوراقٌ جُمعت، بل على أنها عمرٌ كاملٌ أودعه صاحبُه بين دفتيها، ثم مضى، وبقي العمر شاهدًا عليه.
رحم الله الأستاذ الأديب محمد بن صالح البليهشي رحمةً واسعة، وأكرم نزله، وأعلى درجته، وجعل ما نشره من علم، وما خطه من أدب، وما بثه من خير، في ميزان حسناته، وألحقه بالصالحين، وجعل كتبه شاهدةً له، ودعوات محبيه نورًا يبلغه في قبره، إنه سميعٌ مجيب.