رمضان جريدي العنزي
مشهدٌ غير حضاري يتكرر في عددٍ من الشوارع والأسواق والأحياء في المدن والهجر والأرياف: عمالةٌ سائبة تتجمع في الطرقات، تقف عند الإشارات، وعلى الأرصفة، وفي الميادين، تنتظر من يستوقفها لعملٍ عابر، حتى أصبح وجودها في بعض المواقع أمرًا مألوفًا، وكأن الشارع تحول إلى سوقٍ مفتوح للعمل بلا تنظيم ولا رقابة، المسألة هنا ليست انتقاصًا من العامل ولا من حقه في طلب الرزق، وإنما السؤال عن التنظيم والرقابة والمسؤولية: كيف تتكدس هذه الأعداد في الشوارع؟ ومن أين جاءت؟ ومن المسؤول عن وجودها؟ وهل تعمل وفق أنظمة واضحة، أم أن الأمر تُرك حتى أصبح ظاهرةً تتسع يومًا بعد آخر؟ حين تصبح الأرصفة أماكن لتجمع العمالة، فإننا أمام خللٍ لا ينبغي أن يُنظر إليه بعين التجاهل، فالشارع ليس مكتب توظيف، والإشارة المرورية ليست منصةً لعرض الخدمات، والأحياء ليست ساحاتٍ مفتوحة لممارسات العمل العشوائي، والأخطر من المشهد نفسه هو اعتياده، فالمشكلة تبدأ حين تتحول المخالفة إلى منظر مألوف، والتجمع إلى ظاهرة طبيعية، ثم يصبح السؤال أين الرقابة؟ نحن بحاجة إلى رقابةٍ ميدانية فاعلة، وتنظيمٍ واضح، ومتابعةٍ جادة للعمالة التي لا تمارس عملًا نظاميًا أو تتجمع في الأماكن العامة بصورة مخالفة، مع تطبيق الأنظمة بعدالة وحزم وسرعة، ومعالجة أسباب الظاهرة من جذورها، لا الاكتفاء بحملاتٍ موسمية سرعان ما ينتهي أثرها، هيبة النظام لا تُبنى بالأنظمة المكتوبة وحدها، وإنما بإنفاذها على أرض الواقع، فالشارع ملكٌ للجميع، والنظام حقٌ للجميع، والأمن والتنظيم مسؤوليةٌ لا تحتمل التساهل، ومن غير المقبول أن تبقى ظاهرةٌ بهذا الوضوح أمام أعين الجميع دون معالجةٍ حاسمة، والمطلوب ليس التضييق على طالب الرزق، بل أن يكون الرزق عبر الطريق النظامي، وأن تبقى الشوارع للناس، لا أن تتحول إلى ساحاتٍ للعمالة العشوائية، إن استمرار هذه الظاهرة بهذا الشكل لم يعد أمرًا يمكن تجاهله أو التعايش معه؛ فالشارع ليس مأوى للعمالة السائبة، ولا ساحةً للعمل العشوائي، ولا يجوز أن تتحول الأرصفة والإشارات والميادين إلى تجمعاتٍ مفتوحة بلا تنظيم، المطلوب رقابةٌ حقيقية، وحضورٌ ميداني، وتطبيقٌ صارم للأنظمة، ومحاسبة كل من يثبت مخالفته، بلا تساهل ولا استثناء، فالأنظمة حين تُكتب ثم لا تُطبّق تفقد هيبتها، والرقابة حين تغيب تفتح الباب للفوضى، ومن يرى هذه المشاهد تتكرر يومًا بعد يوم ثم يكتفي بالصمتفإنه يترك المشكلة تكبر حتى تصبح واقعًا يصعب احتواؤه، لقد آن الأوان أن تُغلق أبواب العشوائية، وأن يعود الشارع إلى وظيفته الطبيعية: طريقًا للناس، لا سوقًا مفتوحًا للعمالة غير المنظمة، باختصار: لا نريد شوارعَ بلا حسيب، ولا عمالةً بلا تنظيم، ولا مخالفاتٍ بلا مساءلة؛ نريد نظامًا يُرى أثره في الميدان، ورقابةً لا تنام، ومحاسبةً لا تعرف المجاملة، فمن أراد العمل فليعمل من خلال الطريق النظامي، ومن خالف النظام فعليه أن يتحمل تبعات مخالفته.