د.عبدالرحيم محمود جاموس
ليست حرب الإبادة التي تعرض لها قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023 حربًا على الإنسان والعمران وحدهما؛ إنها، في أحد أخطر أبعادها، حرب على المكان والذاكرة والهوية والرواية. ولذلك فإن تدمير الموروث الثقافي الفلسطيني في غزة لا يجوز التعامل معه بوصفه خسارة ثقافية جانبية، بل باعتباره قضية وطنية وسياسية وقانونية متصلة بالصراع على الأرض والهوية والحق في تقرير المصير.
فالموروث الثقافي ليس حجارة صماء. المسجد والكنيسة والمقبرة والموقع الأثري والبيت التاريخي والسوق القديم والمخطوط والمتاحف والمقتنيات التراثية، كلها شواهد على وجود الإنسان واستمراره في المكان. إنها ذاكرة متجسدة تنتقل من جيل إلى جيل، وتحفظ للشعب صلته المادية والروحية بأرضه وتاريخه.
وقد وثقت اليونسكو، حتى 24 مارس/ آذار 2026، تضرر 164 موقعًا ثقافيًا في قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، بينها 14 موقعًا دينيًا، و128 مبنى ذا قيمة تاريخية أو فنية، و9 معالم، ومتحفان، و8 مواقع أثرية، وثلاثة مستودعات للممتلكات الثقافية المنقولة.
وهنا تتضح المسألة السياسية: عندما يتزامن تدمير المساكن والمؤسسات مع تدمير الشواهد التاريخية والثقافية، فإن الخطر لا يقتصر على إزالة المباني، بل يمتد إلى قطع الصلة بين الإنسان الفلسطيني ومكانه وتاريخه. ومن ثم فإن حماية التراث تصبح جزءًا من حماية الحق في الأرض والهوية وتقرير المصير.
ولذلك لم يترك القانون الدولي حماية التراث لمساحة النوايا الحسنة. فاتفاقية لاهاي لعام 1954 أرسَت نظامًا دوليًا لحماية الممتلكات الثقافية أثناء النزاعات المسلحة، يشمل المعالم المعمارية والتاريخية والأثرية والأعمال الفنية والمخطوطات والمجموعات ذات القيمة الثقافية، ويلزم الدول باحترامها والامتناع عن أعمال العداء الموجهة إليها، كما يفرض تدابير لمنع السرقة والنهب والتخريب.
والأهم في الحالة الفلسطينية أن الاتفاقية تتناول صراحة مسؤوليات القوة القائمة بالاحتلال، فتُلزمها، في حدود الإمكان، بدعم السلطات المختصة في حماية الممتلكات الثقافية والمحافظة عليها، واتخاذ تدابير الحماية اللازمة للممتلكات المتضررة من العمليات العسكرية.
ويعزز البروتوكول الثاني لعام 1999 هذه الحماية، إذ يحظر في الأراضي المحتلة التصدير غير المشروع للممتلكات الثقافية أو نقل ملكيتها، كما يحظر الحفريات أو التغييرات التي تستهدف إخفاء الأدلة الثقافية أو التاريخية أو العلمية أو تدميرها.
ومن هنا ينبغي أن تنتقل فلسطين من توثيق الخسارة إلى بناء ملف للمساءلة.
المطلوب إنشاء سجل فلسطيني موحد للتراث الثقافي المتضرر والمهدد في غزة، مدعوم بالصور والخرائط والصور الفضائية والشهادات والسجلات التاريخية، وربطه بالمنظومات الدولية المختصة. ولا ينبغي أن يقتصر الملف على إثبات أن موقعًا قد دُمّر، بل يجب أن يحدد طبيعته وقيمته، وموقعه وتاريخه، وتاريخ تضرره، والظروف المحيطة بالواقعة، وما إذا تعرض للنهب أو النقل أو الاستيلاء أو التغيير.
وبذلك يتحول التراث من موضوع للتوثيق الثقافي إلى مصدر من مصادر الأدلة في المساءلة القانونية.
كما يجب ألا يُفصل هذا الملف عن ملفات التهجير والتدمير واسع النطاق وتغيير الواقع الديموغرافي والجغرافي. فالتراث في الحالة الفلسطينية ليس منفصلًا عن قضية الأرض؛ إنه أحد الأدلة المادية على استمرارية الوجود الفلسطيني فيها.
ومن هنا، فإن إعادة إعمار غزة لا ينبغي أن تُختزل في إعادة بناء الإسمنت. فالمدينة التي تُبنى من جديد دون ذاكرتها قد تستعيد عمرانها، لكنها تفقد جزءًا من روحها. ولذلك يجب أن تتضمن خطة إعادة الإعمار خطة وطنية ودولية لإعادة بناء الذاكرة: ترميم ما يمكن ترميمه، وإنقاذ المقتنيات، وإعادة تأهيل المواقع التاريخية، وإعادة بناء المتاحف والمراكز الثقافية، وتوثيق ما تعذر إنقاذه، وإدماج التراث في التعليم والثقافة والإعلام.