إبراهيم بن يوسف المالك
لم تكن الولايات المتحدة طوال العقود الماضية مجرد أكبر اقتصاد في العالم، بل كانت تتمتع بامتياز نادر: تستطيع أن تقترض بالعملة التي يصدرها اقتصاد العالم، ومن سوق ينظر إلى سنداتها باعتبارها أحد أكثر الأصول أمانًا وسيولة. لذلك ظل تضخم الدين الأمريكي، رغم خطورته المتراكمة، أقل قدرة على تقييد واشنطن مما كان يمكن أن يحدث لأي دولة أخرى. كان السؤال غالبًا: كم تستطيع الولايات المتحدة أن تنفق؟ أما السؤال عن استعداد السوق لتمويل هذا الإنفاق فكان يبدو أقل إلحاحًا. اليوم بدأت المعادلة تتغير، لا لأن السوق فقد ثقته بأمريكا، وإنما لأنه بدأ يرفع ثمن هذه الثقة.
تجاوز عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل ثلاثين عامًا مستوى 5.3 %، وهو الأعلى منذ 2007، فيما تجاوز الدين الفيدرالي 40 تريليون دولار. لكن أهمية الرقمين لا تكمن في حجمهما وحده، بل في اجتماعهما في لحظة تحتاج فيها واشنطن إلى الاقتراض وإعادة تمويل التزامات ضخمة بصورة مستمرة. تستطيع الحكومة الأمريكية أن تقترض، ولا أحد يشك في ذلك، لكن امتلاك القدرة على الاقتراض لا يعني امتلاك القدرة على تحديد سعره.
وهنا تكمن إحدى أهم التحولات في المشهد المالي الأمريكي. يستطيع الاحتياطي الفيدرالي التأثير في أسعار الفائدة القصيرة، لكنه لا يستطيع أن يحدد للمستثمر العائد الذي يقبله مقابل إقراض الحكومة لعشرين أو ثلاثين عامًا.
فالسند طويل الأجل لا يسعر قرار اليوم فقط، وإنما يسعر توقعات التضخم والنمو والسياسة النقدية وحجم الدين والإصدارات المقبلة، ويضيف إليها علاوة المخاطر والزمن. ولذلك فإن ارتفاع العوائد الطويلة ليس مجرد حركة في سوق السندات، بل إشارة إلى أن السوق بدأ يضع سعرًا أكثر صرامة للمستقبل الأمريكي.
ومن هذه الزاوية تصبح تحركات وزارة الخزانة الأمريكية أكثر دلالة. فتوسيع عمليات إعادة شراء السندات بهدف تحسين السيولة وإدارة هيكل الدين يعني أن إدارة الاقتراض لم تعد مسألة تحددها واشنطن ثم ينفذها السوق ببساطة. أصبحت الخزانة مطالبة بالنظر إلى ظروف السوق وتوقيتها وسيولتها وكلفة التمويل التي تفرضها حركة المستثمرين. وفي المقابل، لا يستطيع الاحتياطي الفيدرالي أن يمنح السياسة المالية ما تريده إذا كان التضخم لا يسمح بذلك. وبعد تصريحات كيفن وورش في جاكسون هول، أعادت الأسواق تسعير توقعاتها للفائدة، وارتفعت الرهانات على احتمال رفعها في سبتمبر.
هنا تتقاطع ثلاثة اعتبارات لا تتحرك بالضرورة في الاتجاه نفسه: الخزانة تريد تمويلًا أكثر كفاءة، والفيدرالي يريد إبقاء التضخم تحت السيطرة، والسوق يريد عائدًا يعوضه عن المخاطر والزمن. لا يملك أي طرف القرار كاملًا، لكن السوق يملك شيئًا لا تستطيع واشنطن تجاهله: القدرة على تسعير القرار.
وقد يبدو ذلك تفصيلًا يخص سوق السندات، لكنه في الحقيقة يمس جوهر القوة الاقتصادية. فالدولة لا تقاس فقط بقدرتها على إصدار الدين، وإنما بمقدار المساحة التي تبقى لها بعد خدمة الدين. وكل ارتفاع مستمر في تكلفة التمويل يعني أن جزءًا أكبر من الموارد المستقبلية يصبح مخصصًا لتمويل قرارات الماضي، بدل أن يبقى متاحًا لتمويل الأولويات الجديدة. عندها تصبح تكلفة المال جزءًا من تكلفة السياسة نفسها.
ومع ذلك، سيكون من الخطأ قراءة المشهد باعتباره أزمة ثقة في الولايات المتحدة أو مقدمة لانهيار الدولار. سندات الخزانة لا تزال من أهم الأصول التي يبحث عنها المستثمرون حول العالم، والدولار لا يزال في قلب النظام المالي الدولي. ما يحدث أكثر هدوءًا من ذلك، وأكثر أهمية: السوق يعيد تسعير المخاطر. إنه لا يقول لواشنطن إنه لن يقرضها، وإنما يقول إن تمويلها يجب أن يعكس ما يراه من تضخم ودين ومخاطر وزمن.
وهنا تتغير العلاقة بين الدولة والسوق. اعتادت الولايات المتحدة أن تؤثر في الأسواق من خلال الدولار والفائدة والإنفاق والسياسة المالية، لكن اتساع الدين وارتفاع تكلفة التمويل يمنح الأسواق قدرة أكبر على التأثير في حدود السياسة نفسها. ليس معنى ذلك أن السوق أصبح أقوى من الدولة، وإنما أن الدولة أصبحت مطالبة باحتساب رد فعل السوق قبل أن تتخذ بعض قراراتها المالية. وهذه نقلة مهمة: من سوق يتلقى قرارات الدولة إلى سوق يشارك، بصورة غير مباشرة، في تحديد هامش الحركة المتاح لها.
لذلك قد لا يكون السؤال الأهم: هل تستطيع أمريكا أن تقترض؟ فهذا السؤال حُسم منذ زمن. السؤال الأكثر أهمية هو: كم ستكلفها قدرتها على الاقتراض؟ لأن القوة الاقتصادية لا تعني أن تملك الدولة موارد هائلة فحسب، وإنما أن تملك حرية استخدامها عندما تتغير الظروف. وكلما ارتفعت تكلفة تمويل الماضي، تقلصت مساحة الاختيار في المستقبل.
السوق لا يحتاج إلى إغلاق أبوابه أمام أمريكا كي يعاقبها. يكفي أن يرفع السعر الذي يطلبه مقابل تمويلها، وأن يجعل تكلفة القرار أعلى، وأن يدفع واشنطن إلى احتساب ما كان يمكن في السابق تجاهله. هذه هي المحاسبة التي بدأت تظهر في سوق السندات: ليست عقوبة انهيار، ولا سحبًا للثقة، وإنما انتقالًا هادئًا للعبء من سؤال «هل نستطيع أن نفعل؟» إلى سؤال «كم سيدفعنا فعل ذلك؟».
قد تبقى الولايات المتحدة صاحبة أكبر اقتصاد وأعمق سوق مالية وأهم عملة احتياطية في العالم لسنوات طويلة، لكن هذه المزايا لا تمنحها حق تحديد ثمن المال إلى الأبد. فالسوق يستطيع أن يظل واثقًا، وفي الوقت نفسه يطلب سعرًا أعلى لهذه الثقة. وعندما يصبح هذا السعر جزءًا من حسابات واشنطن قبل أن يصبح أزمة في السوق، تكون أمريكا قد بدأت تدفع ثمن قوتها، ويكون السوق قد بدأ بالفعل في محاسبتها.