فائز بن سلمان الحمدي
ليست المكارم أن تعطي فحسب؛ فقد يعطي المالُ مالًا، ولا يمنح القلبَ سكينة، وقد تسدُّ اليدُ خَلّةً وتفتح في النفس جرحًا. وإنما المكرمة أن يبلغ المعروف موضع الحاجة فيسدَّها، وموضع الكرامة فيصونها؛ فلا يكون في يد الآخذ شيءٌ من عطائك، وفي قلبه شيءٌ من أذاك. وهذه منزلةٌ من الإحسان لا تبلغها كثرة البذل، وإنما يبلغها أدب البذل.
ومن هذا الأدب الرفيع يجيء «تكافل» في ميدان التعليم، شاهدًا على عناية وزارة التعليم بالطالب؛ لا بوصفه رقمًا في سجلّ، ولا مقعدًا في فصل، ولا نتيجةً في اختبار، بل إنسانًا له عقلٌ يُبنى، ومستقبلٌ يُرجى، ونفسٌ لها من الحرمة ما لحاجته من الحق. فالحاجة عارضٌ من عوارض الحياة، وليست وصفًا للإنسان؛ والفقر قد يضيّق على اليد، ولكنه لا ينقص من القدر، ولا يحطُّ من المروءة. وكم في مقاعد الدراسة من طالبٍ يخبئ تحت هدوئه طموحًا لو أُطلق لبلغ، ومن صغيرٍ قصرت يدُ أسرته عن بعض حاجاته، ولم تقصر همتُه عن غاياته؛ فلا ينبغي أن يكون ضيق اليوم حكمًا على الغد، ولا عجز النفقة عجزًا عن المستقبل.
ومن هنا لم تقف العناية عند سؤال: ماذا يحتاج الطالب؟ بل جاوزته إلى سؤالٍ أدق وأكرم: كيف تصل إليه حاجته؟ وهنا تتجلّى قيمة «تكافل» في واحدةٍ من أجمل صورها؛ فتُهيَّأ للطالب مستلزماته الدراسية، وتبلغه عن طريق الموزعين على هيئةٍ تحفظ خصوصيته، فيتسلّمها كما يتسلّم من اشترى حاجته بماله؛ فلا صفٌّ للمحتاجين، ولا يدٌ تمتد إليه أمام أقرانه، ولا علامةٌ تفشي سرَّ بيته، ولا موقفٌ يضطره أن يروي للناس من ضيق أهله ما كفاه أن يعيشه. وهذا هو الفارق بين أن تُوصل المعونة، وأن تُحسن إيصالها.
فوزارة التعليم، في هذه الصورة من الرعاية، لم تكتفِ بأن يصل الدعم إلى يد الطالب، بل اعتنت بالطريق الذي يصل به؛ لأن الإنسان قد ينسى ما أُعطي، ولكنه قلَّ أن ينسى كيف عومل. وهكذا يغدو الإجراء الإداري حاملًا لقيمةٍ أخلاقية، وتغدو صيانة الشعور جزءًا من جودة العمل، لا فضلًا زائدًا عليه.
وما أدقَّ الفرق بين أن تعطي الإنسان حاجته، وأن تعطيه حاجته وتترك له نفسه!
وكأن هذا الصنيع يستمد أدبه من ميزان القرآن الدقيق في باب الإحسان؛ إذ لم يجعل فضل الصدقة في قدر ما يُبذل وحده، بل قرن الإحسان فيها بصيانتها من المنِّ والأذى، فقال سبحانه: {قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذًى وَاللّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ}. وما الأذى دائمًا كلمةً تُقال؛ فقد يكون نظرةً تُشعر الإنسان بثقل حاجته، أو موقفًا يهتك ما أحبَّ ستره، أو تمييزًا بينه وبين أقرانه يترك في نفسه جرحًا لا تجبره قيمةُ ما أُعطي. ولهذا كان من تمام المعروف أن تنتهي الحاجة ولا تبدأ الحكاية؛ وأن يأخذ المحتاج ما يقيم شأنه، ولا يأخذ الناس من شأنه ما يتحدثون به.
وللقرآن في تصوير عزة المحتاج المتعفف آيةٌ لو وعاها أهل الإحسان لكفتهم في أدب العطاء، قال تعالى: {يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا}. إنهم محتاجون، ولكن عفافهم ألبسهم هيئة الأغنياء؛ وفي ذلك تنبيهٌ بديع إلى أن الكريم لا ينبغي أن يُضطر إلى هتك ستر نفسه ليُعرف موضع حاجته، وأن من تمام الرحمة أن يكون المعروف أبصر بصاحبه من أن ينتظر سؤاله. وهنا يسمو «تكافل» إلى معنىً يتجاوز المال والمستلزمات: أن يبحث المعروف عن صاحبه، بدل أن يبحث صاحب الحاجة عن المعروف. وحين يحمل الطالب حقيبته، ويدخل مدرسته، ثم يجلس إلى جوار صاحبه، فلا يدري هذا مَن اشترى وذاك مَن أُعين؛ يكون التكافل قد بلغ غايةً أسمى من توفير الأدوات: لقد سوّى بينهما في الشعور، بعدما تفاوتت بينهما القدرة.
وهذا بعض العدل حين تصنعه الرحمة. فالأطفال لا يملكون خزائن آبائهم، ولا اختار أحدٌ منهم سعة بيته أو ضيقه؛ ومن الجور أن تعبر فروق البيوت أبواب المدارس، فتتحول الفوارق المادية إلى فوارق نفسية بين صغارٍ لم يصنعوا أسبابها، ولم يكن لهم في وجودها اختيار. وإن حقيبةً مدرسية قد يراها الموسر شيئًا صغيرًا، ولكنها عند طفلٍ آخر صورةٌ من صور المساواة؛ وقلمًا لا يكاد يُذكر ثمنه، قد يكون في يد طالبٍ رسالةً صامتةً تقول له: لست أقلَّ من صاحبك، فامضِ معه في الطريق. ومن هنا يتجاوز «تكافل» حدود الإعانة إلى معنى التربية؛ فالطالب لا يدخل المدرسة بعقله وحده، بل يدخلها بقلبه وشعوره ونظرته إلى نفسه. وإذا كانت المدرسة تبني عقله بالمعرفة، فإن ما يحيط به إما أن يبني ثقته بنفسه، وإما أن ينتقص منها.
وهذه نظرةٌ عميقة في رسالة وزارة التعليم؛ إذ لا ينفصل بناء الإنسان فيها عن تعليمه، ولا يكون النجاح رقمًا في نتيجةٍ فحسب، بل أن يمضي الطالب في طريقه مستجمعًا قواه، موفور العزيمة، غير مثقلٍ بما لم يختره من ظروف الحياة. والصغير لا يتربى بما نقوله له وحده، بل بما يفعله المجتمع معه؛ فإذا رأى المعروف يأتيه في صمت، تعلّم درسًا لا يُكتب في مقرر: أن الرحمة لا تُذل، وأن القوة الحقيقية ليست في أن تعطي المحتاج من علوّ، بل أن تقف إلى جانبه حتى يواصل الطريق.
وذلك هو الجبر في معناه الجميل؛ ليس أن تزيد في يد الإنسان شيئًا فحسب، بل أن تنقص من قلبه همًّا. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَن نفَّس عن مؤمنٍ كربةً من كُرَب الدنيا، نفَّس الله عنه كربةً من كُرَب يوم القيامة» رواه مسلم.
وما كل الكُرَب جوعًا وعطشًا؛ فمنها كربة أبٍ يحصي حاجات أبنائه، ثم يحصي ما في يده فلا يستوي الحساب؛ وكربة أمٍّ يثقل عليها أن ترى ولدها محتاجًا إلى ما لا تستطيع توفيره؛ وكربة صغيرٍ لا يعرف من حسابات الدنيا شيئًا، ولكنه يعرف جيدًا معنى أن يرى في أيدي أقرانه ما ليس في يده. فإذا جاء التكافل فرفع عن الأسرة بعض ذلك الحمل، لم يكن قد وضع شيئًا في حقيبة الطالب وحدها، بل رفع شيئًا عن كاهل بيتٍ بأكمله. ثم إن للستر في شريعتنا منزلةً رفيعة؛ وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة» رواه مسلم، وقال تعالى في شأن الصدقة:
{وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ}.
وفي الخفاء من الجمال ما يصون المعروف من المنّة، ويحفظ للمحتاج حرمته، ويجعل العمل أبعد عن ضجيج الثناء، وأدنى إلى صفاء الإحسان. وما أجمل أن تتحول هذه المعاني الشرعية من فضائل تُقرأ في الكتب إلى إجراءاتٍ تُرى في حياة الناس؛ فالقيمة تبلغ تمامها حين تخرج من الوعظ إلى العمل، والرحمة تبلغ نضجها حين تنتقل من عاطفةٍ فردية إلى نهجٍ مؤسسي. وهذا ما يجعل «تكافل» أكبر من حقيبةٍ تُسلَّم، وأبقى من مستلزمٍ يُستهلك؛ لأنه يصل التعليم بمعناه الاجتماعي الكبير، ويجعل المدرسة موضعًا تتكافأ فيه الفرص قدر المستطاع؛ فلا يكون فقر البيت بابًا يُغلق أمام موهبة، ولا قلة المال سدًّا يُقام بين عقلٍ ومستقبله. والطالب الذي يجد وطنه إلى جواره في أول الطريق، قد يحمل هذا الجميل في ذاكرته عمرًا؛ وربما غدا الصغير الذي امتدت إليه يدُ المعروف اليوم رجلًا تمتد يده غدًا إلى غيره، فيردُّ للمجتمع بعض ما صنعه المجتمع فيه.
وهكذا لا ينتهي التكافل عند المستفيد الأول؛ بل يمضي أثره من إنسانٍ إلى إنسان، ومن جيلٍ إلى جيل، حتى يصبح المعروف تربيةً على المعروف، والإحسان ميراثًا من الإحسان.
وهكذا أيضًا تُبنى الأمم: لا بما تشيده من المدارس وحدها، بل بما تشيده في نفوس من يدخلونها؛ علمًا في العقول، وعزيمةً في النفوس، ووفاءً في القلوب.
إن أكرم العطاء ما قضى الحاجة ولم يصنع لصاحبه منها لقبًا، وما جبر النقص ولم يكشفه، وما أصلح شأنًا ثم انسحب من المشهد، فلم يترك وراءه إلا أثرًا طيبًا ودعوةً خفية.
وهنا يبلغ «تكافل» ذروة معناه:
أن يُعرف المحتاج فلا يُعرَّف به، وأن تُعلم حاجته فلا تُعلن، وأن يُعان فلا يُستذل.
وتلك صورةٌ مشرقة من رسالة وزارة التعليم؛ فلا يكون همُّها أن يصل الدعم إلى الطالب فحسب، بل أن يصل إليه على الوجه الذي يصون نفسه، ويحفظ قدره، ويليق بكرامة الإنسان. فالمستلزمات تُستهلك، والحقيبة تبلى، والقلم ينفد؛ أما الكرامة التي صانها المعروف، فإن أثرها أبقى من المعروف نفسه.