«الجزيرة» - وائل سعود العتيبي:
في مساحة تتقاطع فيها أسئلة المجتمع مع دور الإعلام ومسؤولية صاحب القرار، جاءت مبادرة «قرّبنا.. من المجتمع للمجتمع» لتطرح سؤالًا يتجاوز مجرد إيصال الشكوى: ماذا يحدث للقضية بعد أن تُطرح؟ وهل يمكن تحويل الصوت الفردي إلى قضية أكثر وضوحًا وتنظيمًا وقابليةً للنقاش والحل؟
وتناولت د. فاطمة قاروب خلال لقاء حواري في جدة مفهوم المسؤولية المجتمعية من زاوية العلاقة بين المجتمع والإعلام وصاحب القرار، متوقفةً عند دور «قرّبنا» في الاستماع إلى القضايا، والتحقق منها، وجمع الأصوات المتشابهة حولها، وإعادة صياغتها بصورة تساعد على فهمها ومناقشتها.
وتؤكد قاروب أن المبادرة لا تستهدف الحلول محل الإعلام أو القنوات الرسمية، ولا ترى في الوصول إلى المسؤول غايةً بحد ذاته، بل تسعى إلى تنظيم القضية وتقريب المسافة بين أطرافها، مع الحفاظ على دور كل طرف وصلاحياته.
وتحدثت قاروب عن أسباب الثقة، وحدود الوساطة، ودور الإعلام، ومتى تنتقل المشكلة من شكوى فردية إلى قضية عامة، وما الذي يمكن أن تضيفه «قرّبنا» إلى هذا المسار.
* لماذا يثق الإعلامي بفاطمة قاروب، وما الذي يجعلها قادرةً على أن تكون وسيطًا بين صوته وصوت المسؤول؟
- لأنني لا أكتفي بنقل المشكلة، بل أعمل على فهمها ومحورتها وصياغتها بصورة مهنية وواضحة، ثم تحويلها من شكوى إلى قضية لها معطيات وحلول قابلة للنقاش والتطبيق.
أنا لا أنقل صوت المجتمع إلى المسؤول فقط... بل أترجمه إلى لغة قرار.
* هل يلعب تاريخك وحضورك الممتد في قضايا المجتمع والمرأة والرأي العام دورًا في بناء هذه الثقة؟
- بالتأكيد. فالثقة لا تُبنى في لحظة، وإنما تتراكم عبر المواقف والتجارب والاستمرارية. والحضور الطويل في قضايا المجتمع والمرأة والرأي العام منحني فرصةً لفهم احتياجات الناس، ولغة الإعلام، وآليات التعامل مع أصحاب القرار.
حين يسلّم الإعلامي ورقته أو قضيته إليك، هل يثق بأنها لن تبقى مجرد ورقة في درج؟
عندما تصلني قضية، أتعامل معها كمسؤولية تبدأ بفهمها والتحقق منها، ثم تحديد المسار الأنسب لها؛ إعلاميًا أو عبر القنوات والجهات المعنية. لكنني لا أعد بأن كل قضية ستتحول إلى قرار، وإنما بأن القضية المستحقة ستأخذ حقها من الفهم والمحاولة والإيصال.
«قرّبنا» لا تعد بأن كل ورقة ستصبح قرارًا، لكنها تعد بأن كل قضية تستحق ستأخذ حقها من الفهم والمحاولة والإيصال.
* إذا كان الإعلامي قادرًا على مخاطبة المسؤول مباشرة، فلماذا يحتاج إلى وسيط أو مظلة مجتمعية؟
- الإعلامي يملك صوته ومنصته، ولا يحتاجني لإيصاله، لكن بعض القضايا تحتاج إلى ما بعد الطرح الإعلامي؛ إلى جمع المعطيات، وفهم الأبعاد، وربط الأطراف، وتحويل القضية إلى مسار يمكن العمل عليه. الإعلامي لا يحتاجني لأوصل صوته... دوري أن أساعد هذا الصوت على التحول من قضية تُسمع إلى قضية يمكن العمل عليها.
* هل يستطيع صوت فرد واحد أن يحظى بالاهتمام نفسه الذي يحظى به صوت مائة إعلامي وشخصية مجتمعية؟
- القيمة ليست في العدد وحده، وإنما فيما يكشفه تكرار القضية من احتياج أو خلل مشترك، فإذا اجتمعت أصوات متعددة حول قضية واحدة، فقد يكون ذلك مؤشرًا يستحق الدراسة.
ولا أريد أن تتحول هذه القوة إلى ضغط أو حشد، بل إلى صورة أوضح تساعد صاحب القرار على فهم القضية.
لا أبحث عن مائة صوت تضغط على صاحب القرار، بل عن مائة رؤية تساعده على رؤية القضية كاملة.
* متى تتحول المشكلة من «شكوى فردية» إلى «قضية رأي عام»؟
- عندما يتضح أنها ليست حالة فردية، وإنما مشكلة تتكرر وتمس شريحة من المجتمع أو مصلحة عامة. وهنا يأتي دور «قرّبنا» في الاستماع والتحقق وفهم حجم المشكلة وأسبابها، ثم جمع الأصوات والخبرات حولها وطرحها بصورة متوازنة.
طموحي ليس صناعة رأي عام، بل تحويل ما يستحق من صوت فردي إلى وعي مجتمعي، ومن الوعي إلى حل.
* هل تجعل «قرّبنا» من تكرار القضية بأصوات متعددة قوةً مجتمعية؟
- نعم، إذا كان التكرار يكشف مشكلة مشتركة، لا إذا كان مجرد تكرار للصوت. وعندما تتكرر القضية لدى المواطن والإعلامي والمختص، تصبح لدينا مؤشرات تساعد على فهم حجمها وتأثيرها وأسبابها.
«قرّبنا» لا تجمع الأصوات لتضغط على صاحب القرار... بل لتمنحه صورة أوضح لما يحدث في المجتمع.
* هل تمثل القنوات الرسمية وحواجز البروتوكول سببًا لحاجة المجتمع إلى وسيط؟
- قد تكون أحد الأسباب، لأن القنوات الرسمية تحتاج إلى أن تصل القضية واضحةً ومنظمةً وعبر الجهة المختصة. ودور «قرّبنا» ليس تجاوز هذه القنوات أو الحلول محلها، وإنما مساعدة المجتمع على الوصول إليها بصورة أكثر وضوحًا وفاعلية.
«قرّبنا» لا تختصر البروتوكول... بل تختصر المسافة بين صوت يحتاج أن يُفهم ومسؤول يحتاج أن تصله الصورة بوضوح.
* هل تمنح «قرّبنا» الإعلامي إطارًا لطرح القضية باعتبارها بحثًا عن الحل لا مواجهةً مع المسؤول؟
- نعم. الفكرة أن تُطرح القضية باعتبارها شأنًا مشتركًا يحتاج إلى فهم ومعالجة، لا مواجهةً بين الإعلام والمسؤول.
لا نبحث عمّن نحمّله مسؤولية المشكلة بقدر ما نبحث عمّن يستطيع أن يشارك في حلها.
* لماذا تكون فاطمة قاروب هي الوسيط؟ وهل الفكرة أن تكون «منصة» لا «مسؤولة»، و«جسرًا» لا «صاحبة قرار»؟
- أنا لا أبحث عن دور المسؤول، ولا أريد أن أكون صاحبة قرار؛ لكل جهة صلاحياتها، ولكل مسؤول دوره الذي أحترمه. ما أطمح إليه هو أن أكون جسرًا يجعل الطريق بين المجتمع والإعلام وصاحب القرار أقصر وأكثر وضوحًا.
أستمع إلى المواطن، وأفهم قضية الإعلامي، ثم أعيد تنظيم هذا الصوت وصياغته بصورة مهنية ومتوازنة تصلح للحوار مع الجهة المعنية.
«قرّبنا» ليست منصة تقول للمسؤول ماذا يفعل، ولا جهة تتحدث نيابةً عن المجتمع؛ إنها مساحة تجمع الأطراف حول القضية.
* أليست مهمة «قرّبنا» شبيهة بدور الإعلامي نفسه؟
- هناك تشابه، لكن «قرّبنا» لا تحل محل الإعلام. الإعلامي يكشف القضية ويمنحها صوتًا ومساحة، بينما تحاول المبادرة أن تساعد في نقلها من مرحلة الطرح إلى الحوار والحل. والعلاقة بيننا وبين الإعلام تكاملية وليست تنافسية.
الإعلام يمنح القضية صوتًا... و«قرّبنا» تحاول أن تمنح هذا الصوت مسارًا نحو الحل.
* ماذا تكسب فاطمة قاروب من هذا الدور؟
- المكسب الحقيقي بالنسبة لي هو بناء الثقة والأثر، وليس الظهور في واجهة كل قضية. ومن الطبيعي أن يعزز هذا الدور حضوري المهني، لكنني أريده أن يكون نتيجةً للأثر لا هدفًا بحد ذاته.
أريد أن يأتي الحضور نتيجةً للأثر، لا أن يصبح الأثر وسيلةً لصناعة الحضور.
* وماذا يكسب الإعلامي؟
- يكسب مساحة أوسع لقضيته، بحيث لا تبقى مرتبطة بصوته وحده، وإنما يمكن أن تدعمها أصوات مجتمعية ومختصون ومعطيات أخرى. كما تمنحه المبادرة فرصة للانتقال من كشف المشكلة إلى المشاركة في بناء مسار للحل.
* هل «قرّبنا» مجرد وسيط بين الإعلامي والمسؤول، أم محاولة لتحويل الهمس الفردي إلى صوت مجتمعي؟
- «قرّبنا» ليست مجرد وسيط لنقل الرسائل؛ فهي تستمع إلى الأصوات الفردية، وتتحقق من القضايا، وتجمع المتشابه منها، وتستعين بالمختصين، ثم تعيد تنظيمها في صورة قضية واضحة ومدعومة بالمعطيات والحلول.
«قرّبنا» لا تحوّل الهمس إلى ضجيج... بل إلى صوت واضح، موثوق ومنظم يستحق أن يصل إلى طاولة القرار.
خاتمة:
لا تقدم «قرّبنا»، وفق التصور الذي طرحته قاروب، نفسها بوصفها بديلًا عن الإعلام أو القنوات الرسمية، وإنما كمساحة تحاول تنظيم العلاقة بين أطراف القضية: مجتمع يعبّر عن احتياجه، وإعلام يكشف ويضيء، ومختص يقرأ ويقترح، وصاحب قرار يملك أدوات المعالجة.
وبين هذه الأدوار، يبقى التحدي الحقيقي في قدرة أي مبادرة من هذا النوع على الانتقال بالقضية من مجرد تعدد الأصوات إلى فهم دقيق للمشكلة، ثم إلى حوار يقود إلى معالجة قابلة للقياس.
وربما تختصر قاروب فلسفة المبادرة في عبارتها: «الإعلام يمنح القضية صوتًا... و«قرّبنا» تحاول أن تمنح هذا الصوت مسارًا نحو الحل».