د. محمد بن إبراهيم الملحم
صدر مؤخراً نظام التعليم العام الجديد ونشر في 24 يوليو 2026م وذلك بعد عقود ظل فيها التعليم يعمل وفق سياسة تعليم قديمة، إلى جانب أنظمة ولوائح وقرارات متفرقة. وتأتي أهمية النظام الجديد من محاولته جمع منظومة التعليم العام في إطار واحد، يمتد من الحضانة إلى نهاية المرحلة الثانوية، بيد أن السؤال الأهم ليس: ماذا جاء في النظام؟ بل: ماذا يستطيع أن يغير في التعليم؟ فالأنظمة تحدد الحقوق والمسؤوليات والصلاحيات، وتنظم العلاقة بين المؤسسات، لكنها لا تحسن التعليم بذاته. وبين صدور النظام ووصول أثره إلى الطالب مسافة طويلة، تمر باللوائح والإجراءات وإدارة التعليم والمدرسة والمعلم، وتنتهي بما يحدث داخل الفصل.
أول ما يحسب للنظام الجديد أنه أنهى الاعتماد على سياسة تعليمية صدرت قبل أكثر من نصف قرن. ولم تكن المشكلة في تلك السياسة حين صدرت؛ فقد جاءت في مرحلة كانت الدولة تبني مؤسسات التعليم وتنشر المدارس وتوسع فرص الالتحاق بها. لكن المجتمع والاقتصاد والتقنية والتعليم تغير، بينما بقيت الوثيقة مرجعًا عامًا، أما اليوم، فنحن أمام تعليم إلكتروني ومدارس افتراضية وذكاء اصطناعي وبيانات تعليمية ومسارات مهنية واستثمار خاص وتقنيات ناشئة. وهي قضايا لم يكن ممكنًا أن تحضر عند صياغة سياسة التعليم القديمة. لذلك فإن استبدالها لا يعني الحكم عليها، بل الاعتراف بأن لكل مرحلة أسئلتها واحتياجاتها، ويقدم النظام تصورًا للتعليم لا يقوم على المعرفة وحدها. فهو يؤكد العقيدة والهوية الوطنية واللغة العربية، ويتحدث في الوقت نفسه عن التفكير الناقد والإبداع واللغة الأجنبية والوعي الإعلامي والابتكار والتعلم مدى الحياة. وهذه رؤية مهمة؛ لأن التعليم الجيد لا ينبغي أن يضع الهوية في مواجهة الانفتاح، أو المعرفة في مواجهة المهارة، بل يجمع بينها من خلال مناهج جيدة وطرق تعليم وتقويم مناسبة.
كما يبرز النظام حقوق الطالب بوضوح. فالتعليم حق، والتعليم الحكومي مجاني، والتعليم إلزامي في السن المحددة، وللطالب حق في بيئة آمنة والحماية من الإيذاء وتقديم الشكوى. كما يحمي استمرار تعليم الطالب إذا تعرضت مدرسته الخاصة لعقوبة تصل إلى إلغاء الترخيص. وهذا يجعل مصلحة الطالب محورًا للقرار، لا مصلحة المؤسسة وحدها، ويفتح النظام المجال أمام تنوع أكبر في التعليم، من خلال المسارات المهنية والمتخصصة، ورعاية الموهوبين، وتسريع المتفوقين، والاهتمام بذوي الإعاقة. فليس جميع الطلاب متشابهين في قدراتهم وميولهم، وليس من الضروري أن يسيروا جميعًا في طريق واحد، كذلك يتيح النظام نماذج أكثر تنوعًا في التعليم الخاص وغير الربحي، ويفتح المجال للبرامج الدولية والاستثمار الأجنبي وإسناد بعض أعمال التشغيل إلى جهات خارج الوزارة. ويمكن لهذا الاتجاه أن يدعم التجديد والمنافسة، بشرط ألا تتحول المرونة إلى تفاوت في الجودة، وأن تكون معايير الترخيص والتقويم والاعتماد واضحة وموحدة.
وهنا تبرز قضية للتأمل، فإذا كان النظام يلزم المدارس الخاصة بالاعتماد المدرسي، فلا ينبغي أن تكون الجودة أقل أهمية في المدارس الحكومية. فالطالب في المدرستين يستحق تعليمًا جيدًا، والمساءلة يجب أن تتجه إلى جودة التعليم ونتائجه، لا إلى صفة الجهة التي تدير المدرسة، وينطبق الأمر نفسه على المعلم. فقد عزز النظام مفهوم التعليم بوصفه مهنة ترتبط بترخيص مهني، وهي خطوة مهمة، لكن قيمتها ستتحدد بتفاصيلها: ما معنى الترخيص؟ وكيف يجدد؟ وما علاقته بالتطوير المهني والأداء؟ وكيف نضمن ألا يتحول إلى شرط إداري جديد لا يغير شيئًا في الممارسة؟ ولا شك أن المطالبة بالترخيص المهني يجب أن يوازيها ويعادلها تطوير مهني احترافي على قدر متطلبات تلك الرخصة.
وفي هذا النظام الجديد تتعدد الجهات المشاركة في صناعة التعليم وتقويمه وتنظيمه، مثل وزارة التعليم ومجلس شؤون التعليم العام وهيئة تقويم التعليم والتدريب والمركز الوطني للمناهج. وهذا التخصص مفيد، لكنه قد يؤدي إلى التداخل إذا لم تحدد بدقة مسؤولية كل جهة: من يقرر؟ ومن ينفذ؟ ومن يقيس النتائج؟ ومن يحاسب على الإخفاق؟ كما أن البيانات ستصبح عنصرًا أساسيًا في نجاح النظام. فجمع المعلومات عن المدارس والطلاب والمعلمين والاختبارات بحد ذاته لا يكفي، فالمطلوب بيانات دقيقة وموثوقة، وقواعد واضحة لحمايتها واستخدامها، وربطها بتقويم السياسات واتخاذ القرار. فلا يمكن بناء مساءلة حقيقية من دون قياس موثوق للنتائج، وجدير بالذكر أن النظام أحال قضايا كثيرة إلى لوائح وضوابط ستصدر لاحقًا. وهذا أمر طبيعي، لكنه يعني أن الصورة النهائية للتعليم لم تكتمل بعد. ومن ذلك التعليم الافتراضي؛ فالنظام يعترف بالمؤسسة التعليمية الافتراضية، لكنه يجعل التعليم الحضوري هو الأصل. وستحدد اللوائح ما إذا كان التعليم الافتراضي بديلًا متكاملًا للطلاب الذين تمنعهم ظروفهم من الحضور، أم مجرد خدمة مساندة، لذلك قد تكون المرحلة المقبلة أهم من صدور النظام نفسه، فإذا أضافت اللوائح إجراءات جديدة من دون تغيير طريقة العمل، فلن يتجاوز الأمر تغيير الإطار النظامي، أما إذا حددت المسؤوليات، وقللت التداخل، وربطت الصلاحية بالمساءلة، فقد يصبح النظام بداية لتحول حقيقي.
وفي النهاية، لن يقاس نجاح النظام بعدد اللوائح واللجان، بل بأسئلة أبسط: هل أصبح الطالب يتعلم بصورة أفضل؟ وهل تحسنت المدرسة؟ وهل أصبح المعلم أقدر على التعليم؟ وهل نستطيع معرفة المدارس التي تنجح لمكافأتها بجدارة لا صوريا، وهل سنعرف المدارس التي قد تتعثر لمساعدتها مبكرا؟ إذا حدث ذلك، يكون النظام قد غير التعليم. أما إذا تغيرت الأنظمة وبقي ما يحدث داخل الفصل كما هو، فنحن نكون قد غيرنا تنظيم التعليم أكثر مما غيرنا التعليم نفسه.
** **
- مدير عام تعليم سابقا