في كل صباح، يغادر الناس بيوتهم إلى أعمالهم ومواعيدهم، ويحمل كل واحد منهم غاية يريد بلوغها، وأسرة تنتظره، وحياة يرجو أن يعود إليها كما خرج. وفي الطريق يلتقي أناسا لا تجمعهم معرفة ولا قرابة، لكنهم يشتركون في حق أصيل: أن يعبر كل إنسان طريقه آمنًا، وأن يصل إلى غايته سالمًا، ليعود إلى من ينتظره.
من هنا، لا ينبغي أن ننظر إلى الطريق بوصفه مسارات ومركبات وإشارات، ولا إلى الأنظمة المرورية باعتبارها تعليمات وعقوبات، بل هي منظومة لحماية الإنسان، وصيانة حياته، وحفظ ماله وممتلكاته.
فالطريق مساحة مشتركة، وكل قرار يتخذه السائق قد تتجاوز آثاره حدود مركبته لتصل إلى حياة إنسان وأسرة ومستقبل، ولذلك فإن الأمانة في الطريق لا تعني حفظ النفس، بل صيانة حق الآخرين في السلامة.
وقد أكدت الشريعة هذا المعنى من خلال التأصيل لمفهوم «حق الطريق»، فالطريق في الإسلام ليس مكانًا للعبور، بل له حرمته وآدابه، وفي مقدمتها كف الأذى عن الناس وصيانة حقوقهم، وحين يلتزم السائق بالسرعة المحددة، ويتوقف عند الإشارة، ويحترم الأولوية والأنظمة، فإنه لا يؤدي إجراءً شكليًا، بل يمارس سلوكًا حضاريًا يعكس وعيه واحترامه للإنسان والمجتمع.
والتحدي الحقيقي اليوم ليس في معرفة الأنظمة، فهي واضحة، ولا في أدوات الرقابة، فقد تطورت تقنياتها، وإنما في أن يتحول الالتزام من خوف من المخالفة إلى قناعة راسخة، ومن استجابة للرقابة إلى سلوك يحكم الإنسان حتى حين تغيب الكاميرا والرقيب.
فالوعي المروري الحقيقي يبدأ من الضمير؛ وحين يدرك الإنسان أن تصرفًا بسيطًا قد ينقذ حياة أو يهددها، تصبح القيادة مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون مهارة في استخدام المركبة.
وهنا تتجلى أهمية الشراكة بين الجهات المرورية المختصة ومنابر الجمعة. فالجهات الرسمية تضطلع بوضع الأنظمة وتطبيقها ومتابعة الالتزام بها، بينما يسهم الخطاب الديني في بناء الوازع الداخلي وتعميق المعنى الأخلاقي؛ لينتقل الخطاب من التحذير من المخالفة إلى التأكيد على أن حفظ الأرواح مسؤولية شرعية ووطنية، وأن احترام النظام صورة من صور احترام الإنسان وحقوقه.
ومنابر الجمعة والمساجد قادرة على جعل السلامة المرورية رسالة مستمرة تمس حياة الناس، لا حملة عابرة تنتهي بانتهائها؛ فيستحضر الخطيب حرمة النفس، ويحذر من آثار الحوادث، ويحث الآباء على القدوة، ويربط الالتزام بالأنظمة بمقصد حفظ النفس، لتتحول الموعظة إلى سلوك، والكلمة إلى ممارسة تحفظ الأرواح.
وتتكامل هذه الرسالة مع دور الأسرة والمدرسة والإعلام؛ فالأب الذي يلتزم بالنظام أمام أبنائه يعلمهم بالفعل قبل القول، والأسرة التي تغرس احترام الأنظمة تنشئ جيلًا أكثر مسؤولية، والمدرسة تعزز السلوك الواعي، والإعلام يذكّر بأن خلف كل مركبة إنسانًا له أسرة وأحلام، وبهذا يصبح الوعي المروري ثقافة مجتمعية لا مسؤولية جهة واحدة.
ويتقاطع ذلك مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 ومفهوم «جودة الحياة»، فالتنمية لا تكتمل بالطرق الحديثة والبنية التحتية المتطورة ما لم يشعر الإنسان بالأمان والطمأنينة في تنقله اليومي؛ فالإنسان هو محور التنمية، وسلامته جزء من جودة الحياة وبناء مجتمع حيوي مزدهر.
الطريق أمانة، والقيادة مسؤولية، والسرعة قرار، وقد تكون لحظة من الانضباط سببًا في عودة أب إلى أطفاله، أو أم إلى أسرتها، أو شاب إلى مستقبله، بينما قد تكون لحظة من التهور سببًا في ألا يعود إلى من ينتظره.
وفي هذا السياق، تتجلى رسالة وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد، بإشراف معالي وزيرها الشيخ الدكتورعبداللطيف بن عبدالعزيز آل الشيخ، في تعزيز حضور المنابر في القضايا التي تمس حياة الناس، وترسيخ الوعي والمسؤولية، بما يسهم في حفظ الأرواح وتعزيز أمن المجتمع وسلامته.
وحين يتحول احترام النظام من خوف المخالفة إلى احترام الحياة، يصبح الطريق أكثر أمنًا، وتتحول السلامة المرورية من تعليمات تُقرأ إلى ثقافة تُمارس، ومن أنظمة تُطبق إلى سلوك يحفظ الإنسان ويصون حقه في أن يصل سالمًا إلى من يحب.
** **
- د. حمود بن فلاح العتيبي