أ.د. يحيى بن محمد شيخ أبو الخير
من الجدير بالذكر ابتداء التنويه أن وسم المقال بعبارة « انسنة الزمكان من الكون إلى الإنسان» لا يعني إخضاع الفيزياء للمناظير الإنسانية، وإنما يَعنِى تحديد مدى تأثير المعرفة «الزمكانية» في فهم الإنسان لذاته وتاريخه ولعلاقته بالكون ومساره فيه. فالفيزياء تجيب عن السؤال المتعلق بكيفية عمل الكون، بينما تجيب العلوم الإنسانية عن السؤال الذي يُعنَى بماهية عيش الإنسان في هذا الكون وكيفية ذلك العيش وتعليل نمط عيشه فيه «، وهنا يلتقي المجالان دون أن يلغي أحدهما الآخر.
فالكون لا يبدل قوانينه من أجل الإنسان، وإنما يتباين فهم الإنسان لتلك القوانين حسب تباين معرفته لها وتجربته ومساره عبر الزمكان الذي يحيط به من كل صوب وحدب. فحين نقرأ الزمكان لا باعتباره بنية فيزيائية فحسب، بل تجربة إنسانية وجدانية وثقافية، تنكشف مساحات رائعة بين الفيزياء والفلسفة والأدب. فالإنسان لا يسكن المكان وحده، ولا يعبر الزمان وحده وإنما يسكن «زمكاناً» تصنعه الذاكرة الإنسانية ويمنحه الشعور البشري معناه.
ولذلك تعد المقاربة بين الفيزياء والإنسانيات مقاربة منطقية ضرورية بسبب تناظر المجالين في البنى المفاهيمية لا في محاولة البشر محاكاة الفيزياء أو إسقاط نتائجها على الأنسانيات. «فأنسنة الزمكان» لا تعني مصطلحياً كما، قد يتبادر للذهن لأول مرة، تحوير القوانين الفيزيائية، وإنما تَعنِي تحديد مدى تفاعل الإنسان مع القوانين وإكسابها سمات دلالية إدراكية ونفسية وثقافية نسبوية يجرى تحليلها عبر طرق عديدة ومنها طرق النقد الثقافي المكاني تحديداَ. وهو مجال معرفي حيوي يتجاوز دراسة النص بوصفه بنية أدبية أو جمالية إلى الكشف عن أنساقه الثقافية والفكرية والاجتماعية الكامنة وما تحمله من تصورات وقيم ومفاهيم عن جغرافية الإنسان والمجتمع والوجود. وسوف نلج لموضوع المقال ليس عبر نماذج رياضية جامدة، أو مفاهيم فيزيوكونية صارمة، أو نصوص مجازية أدبية محضة. بل سيكون الولوج عبر نسق تحليلي نقدي ثقافي مكاني استقرائي تنظيري الاتجاه يجمع الفيزياء بالثقافة؛ حيث تصبح المعادلة الفيزيورياضية الكونية قصيدة عصماء مؤثرة كونياً، وتتحول الاستعارة الأدبية والسرديات المجازية في الوقت نفسه إلى قانون إنساني عامٍّ زمكاني الأنسنه. وآمل أن ما يطرح في المقال، رغم اختصاره وعموميته، يكون حافزا يدفع المشتغلين بالنقد الثقافي المكاني إلى إخراج مضامين «أنسنة الزمكان» طوعاً أوكرهاً من سياقات الجماليات الأدبية المغلقة والتحليل البنيوي الأدبي الذي يركز على هندسة المكان داخل النص المعزول والمعادلات الفيزيورياضية الكونية إلى سياقات الأنساق النقدية التي تسبر البنيويات المضمرة والمفاهيم المسكوت عنها في الفضاء الإنساني السلوكي الزمكاني المُؤَنسَنِ.
عقب التوطئة أعلاه، أود الإشارة بداية إلى أن «الزمكان» ليس مسرحاً تُعرض عليه احداث المكان بطريقة عشوائية أو غير مقصودة، ولا الزمان ساعة رملية تنبض بالثواني بشكل فوضوي أو عشوائي غير مقدر أو محسوب. بل «الزمكان» بنية هندسية نسيجية حتمية السمت نسبوية السمات مؤلفة من اندماج مترابط العرى بين الأربعة الأبعاد المعروفة «الطول، والعرض، والارتفاع، والزمن» في كيان واحد لا ينفصم أبداً عن مسرحه الكوني الفسيح. (المرجع: يحيى أبوالخير،النسيج الزمكاني بين حتمية السمت ونسبوية السمات، صحيفة الجزيرة، الجمعة 7-8-2026م). فالزمكانية، بهذا المعنى، هي إذن ليست مجرد مفهوم فيزيائي فحسب، بل نصٌّ كوني مفتوح إنسانياً على قراءات متعددة، شريطة أن تبقى هذه القراءات وفية لسمته الفيزيوكوني الحتمي الذي يمنح النص وحدته ومدركة في الآن نفسه أن ما يتغير هونسبية السمات التي يظهر بها النص، لا الحقيقة التي يقوم عليها. ومن هنا تغدو العلاقة بين الفيزياء والثقافة علاقة حوار لا علاقة جدل وخصومة وشقاق؛ فالفيزياء لا تمنح الثقافة قوانينها، ولا الثقافة في المقابل تملي على الفيزياء قيمها.
وعلى الرغم من ذلك، فكل منهما يلتقي بالآخر ليستزيد من التقائهما الإنسان معرفة يسخرها في تفكيك شفرة تأملاته لآفاق الفضاء الكوني الرحبة، واستيعابه لمعنى وجوده و سرَّ رحلته عبر نسيجه الزمكاني الحتمي المسير المفعم بالأسرار والأحاجي والألغاز النسبوية التكوين والسمات. فالعلم حينما يبلغ ذروة دقته لا يغلق أبواب التأمل، بل يفتحها على مصراعيها؛ والكون كلما ازداد انكشافًا أمام العقل ازداد دعوةً إلى التفكير في المعنى وبراهين تفسيره متجاوزاً الاكتفاء بالوصف والتوصيف. ولذلك اعتماداً على ما تقدم لم يعد الزمن وفق هذا المنظور المُؤَنسِنِ لإنساق الزمكان المُطَبعَنِ مجرد تعاقب للدقائق والساعات بل أضحى»زمنا ثقافياً» مؤثراً في مسار الحركة الإنسانية زمكانياً. واعتقد أن مفهوم «أنسنة الزمكان» الذي يُعنَى به هذا المقال قد اكتسب هذا الزخم التحليلي الاستقراء- استدلالي نتيجة مزاوجة رائدة بين فكر إنشتاين الزمكاني النسبوى واللاوعي الجمعي مما هيأ فرصاً فكرية ثرية مكنت الباحثين من توليد أنساق معرفية محاكاتية إسقاطية زمكانية مُؤَنسَنةٍ فيها يتمدد المكان وينكمش الزمان وتتعاظم الكتل إنسانياً مع تزايد الزخم الحراكي التنموي البشري الفاعل. وهو أمر يناظر في رأيي إلى حد ما أنموذج تمدد المكان المطبعن وانكماش زمانه وتعاظم كتله كونياً مع تزايد اقتراب الزخم الحركي الفاعل للجسم من سرعة الضوء في الفراغ الكوني.
فإذا جمعتك المناسبات مثلا مع من تكن له الحب والتقدير يتقلص زمنك وتتغير سمات مكانك، أما إذا اجتمعت مع من لا تميل اليهم فكرا ووجدانا يتمدد زمنك حتى يصبح دهورا ويتغير سمت مكانك ليصبح زنزانة يصعب الانفلات منها. وفي المقابل قد تصبح الغرفة الضيقة برحابة الكون إذا ضمت حوارا ملهما، بينما يضيق الكون الفسيح حتى يصبح سجناً في لحظة اغتراب. هذا الشعورالوجداني التحولي هو صدى الإنسان الإسقاطي لظاهرتي تمدد الزمن وتقلص الأطوال في معادلات لورينتز الفيزيوزمكانية الكونية. فالإنسان، وفق هذه المقاربة الفيزيو- انسية، لا يعيش إذن في مكان واحد ولا زمان واحد بل يعيش شعورياً في أمكنة وأزمنة متعددة في الآن نفسه. فكل حدث من أحداث حياة الإنسان، كالميلاد والتعليم والعمل والسفر والاستثمار والثروه وحتى القوى الشرائية لعملاته وتضخمها نسبوياً وتبادلاته التجارية واستراتيجياته الجيوسياسية والسسيو-اقتصادية، هو نقطة حدثية إحداثية من نقاط الشرائح الآنية الزمكانية في هذا النسيج.
فإدراك الإنسان للواقع ليس مستقلا إذن عن موقعه على تلك النقطة الزمكانية الشرائحية النسيجية التكوين ولا عن ظروفها الطبيعية والإنسانية معاً. فتحرك الإنسان في الوجود تحقيقاً لغاياته هو أمر حتمي السمت بطبيعة الحال، بينما تجربته الوجودية في طريق تحقيقه لغاياته فنسبوية السمات.
وهنا تفتح هذه المقاربة بوابة الفكر على مصراعيها، فتجربة الإنسان النسبوية السمات تختلف من شخص إلى آخر مشابهة في ذلك ما يراه راصد يقف على حافة ثقب أسود كلحظة متجمدة تمتد إلى الأبد بينما يراه راصد آخر يسقط في قلب الثقب كحدث عابر ينجلي في أجزاء معدودات من الثانية. ولعل السر في ما تقدم يكمن في تصوري في أغلال الزمن حيث لا يعيش الإنسان زمكانيا في الحاضر وحده، فالماضي حاضر أيضاً في ذاكرته وعميق وجدانه، والمستقبل حاضر كذلك في توقعاته وآماله بل وفي رغباته وقلقه ومخاوفه. ونتيجة لذلك يحمل الإنسان في دواخله السحيقة نوعاً من «الزمكنة النفسية» التي يمتزج فيها الزمان والمكان عميقاً في وعي ذلك الإنسان مشكلاً بذلك تجربتة الذاتية وأنساق شخصيتة ووجدانه ومشاعره وربما أطيافا لا حصر له من سلوكياته وقراراته.
فحياة الإنسان بناء على ذلك إذن ليست مجرد عبور للوقت وإنما بناء لمسار وجداني تتراكم فيه الآثار والأفعال مسببة إنحناءً إنسياً نسقياً سايكونفسياً موازياً لانحناء النسيج الزمكاني الموضوعي المقيس كونياً. وليس هناك أصدق دليلاً على «الزمكنة النفسية» من وصف الله عزوجل لحالة الثلاثة المخلفين في الآية 118 من سورة التوبة التي تنص على ما يلي: {وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}. فاللافت في الآية الكريمة أن المكان لم يتغير فيزيائياً، لكن المخلفون تغيَّروا نفسياً، فَتغيَّرَ المكان وضاقت رحابته في تجربتهم. فلم تعد «الأرض»، وفق هذ التجربة، مجرد فضاء جغرافي رحب بل أضحى هذا الفضاء ضيقاً يعكس «زمكنة نفسية» ضاقت على المخلفين أنفسهم بها أيضاً، مما يعني أن المكان ليس دائماً ما تشغله الأجساد بل ما تشعر به الأرواح. وينطبق على الأمم والحضارات ما ينطبق على الافراد، فكل حضارة تنشأ في مكان وزمن محددين هي أنموذج «للزمكنة النفسية» التي تتجلى في أبهى صورها في تفاعل الحضارات مع بعضها بعضاً عبر مختلف الطرق كالهجرة والتعليم والتجارة وتبادل الخبرات وانتقال التجارب ورهبة القلق الحضاري واشكالياته النفسية التي قادت إلى مختلف الحروب ابتداء من حرب البسوس وما قبلها وانتهاء بالحربين العالميتين وما تلاهما من ملاحم عسكرية طاحنة. ويناظرالواقع الحضاري الآنف الذكر إلى حد كبير واقع الانسان الذي لا يعيش هو أيضاً في الزمن وحده مستقلاً عن المكان وإنما يعيش ويتحرك حضارياً باستمرار في الزمكان عبر مسار نسيجي تفاعلي متصل اللحظات تتشكل من خلاله هوية ذلك الإنسان ورغباته وآماله وطموحاته بل وسمته وسماته بشتى اطيافها المتزمكنة انسانياً. فنحن البشرأفرادا كنا أوجماعات نتحرك دون أن نشعر في رحلة تمتد من الزمكانية المطبعنة إلى السردية المُؤَنسَنَةِ عبر فضاء محكوم بقوانين صارمة السمت تشكلها قوى الجاذبية الكونية والبيولوجية والاجتماعية، وتتحدد سماتها النسبوية بناء على موقع الراصد في النسيج الزمكاني. فالمشكلة لا تكمن إذن في الزمكانية المطبعنة، بل في نظرتنا لتلك الطبعنة الزمكانية، فنحن البشر في حقيقة الأمرمن يلون الزمان بوعينا، ونحن من نسبغ على مفاهيم الزمكان المطبعن أبعادا نفسية وجمالية مُؤَنسَنَةٍ يتناغم فيها ثبات القدر مع حتمية المسير وجمال الإرادة وحرية الاختيار مع روعة التخيير النسبوي السلوك. فحينما تتغير صورة الكون، تتغير تبعًا لها صورة الإنسان؛ لأن المعرفة ليست انعكاسًا سلبيًا للواقع، بل هي فعل حضاري قلق يعيد باستمرار تشكيل اللغة، والوعي، والخيال، وأفق الأسئلة المعرفية عبر إطار نسقي نقدي ثقافي بَينِيٍ مَُؤَنسَنٍ زمكانياً يمتد من الكون إلى الإنسان.