عبدالرحمن العطوي
ليست كل الحروب تُسمع فيها أصوات الرصاص، فهناك حروب تبدأ في الخفاء وتتحرك عبر الحدود والمنافذ، وتستهدف الإنسان قبل أن تستهدف المكان وتبحث عن ثغرة في أمن الوطن لتنفذ منها إلى عقل شاب أو قلب أسرة أو مستقبل جيل، وحين تكون المخدرات هي السلاح فإن المعركة تصبح أشد خطرا لأنها لا تستهدف جسداً واحداً ولا ضحية واحدة وإنما تستهدف مجتمعاً بأكمله وتحاول أن تضرب استقراره من الداخل.
ومن هنا فإن ما أعلنته وزارة الداخلية مؤخراً عن إحباط عمليات تهريب والقبض على 1,980 مهربا ومخالفا لنظام أمن الحدود لا يمكن أن يقرأ باعتباره خبرا أمنيا عابرا أو أرقاما تضاف إلى سجلات الضبط والمكافحة، فخلف هذه الأرقام معركة صامتة يخوضها رجال الوطن كل يوم لحماية الإنسان السعودي وحماية الأسرة وصون المجتمع وتأمين مستقبل الأجيال.
وحين تكشف الضبطيات عن 942,485 قرصا من مادة الإمفيتامين المخدر و2,695,731 قرصاً خاضعاً لتنظيم التداول الطبي و2.8 طن من مادة الحشيش المخدر و138 طنا من نبات القات المخدر، فإن الأرقام وحدها تكفي لتكشف حجم الخطر الذي كان يحاول العبور إلى الداخل وحجم الجهد الذي بذل لمنعه قبل أن يتحول إلى مأساة في بيت أو انحراف في حياة شاب أو جريمة تهدد أمنا أو مستقبل إنسان.
والسؤال الأهم ليس كم بلغ حجم ما تم ضبطه بل كم كان يمكن أن يكون حجم الخطر لو وصلت هذه السموم إلى وجهتها كم أسرة كان يمكن أن تدفع الثمن وكم شابا كان يمكن أن يفقد سنوات من عمره خلف الإدمان وخلف القضبان بسبب جريمة ترتكب بفعل تعاطي المخدرات وهم ضحايا المهربين والمستقبلين والمروجين.
هنا تتجلى القيمة الحقيقية لما يقوم به رجال حرس الحدود، فالمهمة ليست مجرد ضبط ممنوعات أو إيقاف مهربين عند نقطة حدودية وإنما هي في جوهرها عملية استباقية لمنع الخطر قبل أن يصل إلى المجتمع وإغلاق الطريق أمام جريمة قبل أن تبدأ وحماية إنسان قد لا يعرف أن هناك من يقف بينه وبين السم الذي يستهدف حياته ومستقبله.
رجال حرس الحدود لا يقفون عند خطوط على خارطة وإنما يقفون عند الخط الفاصل بين أمن الوطن ومحاولات اختراقه وبين مستقبل آمن ومحاولات العبث به وبين مجتمع محصن وشبكات إجرامية تبحث عن منفذ للوصول إليه، ولذلك فإن كل عملية إحباط هي في حقيقتها قصة حماية لا نعرف تفاصيلها وربما كانت خلف كل شحنة مضبوطة أسرة نجت من مأساة وشاب كتب له أن يكمل طريقه ومستقبل وطن تم الحفاظ عليه.
وتزداد خطورة المشهد عندما تكشف الأرقام عن أعداد كبيرة من المقبوض عليهم من مخالفي نظام أمن الحدود.
وهنا يصبح التعامل مع هذه الظاهرة مسؤولية تتجاوز حدود الأجهزة الأمنية لتصل إلى وعي المجتمع بأكمله فالتستر على المهرب أو المروج أو تسهيل حركته أو التعامل معه أو الصمت عن نشاطه لا يمكن أن ينظر إليه باعتباره شأنا شخصيا لأن نتائج هذه الجرائم لا تتوقف عند مرتكبها، وإنما تمتد إلى أبرياء لا ذنب لهم وقد يكون البلاغ الذي يقدمه مواطن أو مقيم بعد توفيق الله سببا في إنقاذ إنسان وإفشال عملية تهريب وإسقاط شبكة كاملة قبل أن تصل سمومها إلى ضحايا جدد.
والمملكة العربية السعودية وهي تواجه هذه الحرب لا تعتمد على خط دفاع واحد ولا على جهة واحدة، وإنما تعمل بمنظومة متكاملة تتعاضد فيها الجهود الأمنية والجمركية لحماية الوطن من محاولات التهريب عبر الحدود والمنافذ المختلفة.
وفي الوقت الذي يواصل فيه رجال حرس الحدود أداء واجبهم في حماية حدود المملكة البرية وسواحلها ومياهها الإقليمية تعمل هيئة الزكاة والضريبة والجمارك في المنافذ الجمركية على التصدي لمحاولات تهريب الممنوعات وكشف الأساليب الإجرامية التي تتبعها شبكات التهريب بالتكامل مع الجهات الأمنية المختصة بما يعكس منظومة وطنية متكاملة لا تترك للمهربين منفذا سهلا ولا تسمح بأن تتحول منافذ المملكة إلى طريق لعبور السموم.
إن تنوع الضبطيات وتعدد أساليب التهريب يكشف أن المهربين يغيرون وسائلهم باستمرار ويحاولون البحث عن ثغرات جديدة لكن ما يقابل هذا التغيير هو يقظة وطنية تتطور باستمرار وقدرات أمنية وجمركية متقدمة وخبرات ميدانية متراكمة تجعل كل محاولة جديدة أمام اختبار أصعب من سابقتها.
وهنا لا بد من التأكيد أن قوة المملكة في مواجهة المخدرات لا تتمثل في حجم الضبطيات فقط وإنما في قدرتها على بناء منظومة متكاملة تبدأ من الرصد والاستباق ولا تنتهي عند الضبط والقبض بل تمتد إلى ملاحقة الشبكات الإجرامية وتجفيف منابعها وحماية المجتمع من آثارها.
إن المخدرات ليست جريمة مالية هدفها الربح فقط بل جريمة تستهدف الإنسان في أغلى ما يملك عقله وإرادته ومستقبله، ولذلك فإن من يقف خلف تهريبها لا ينبغي أن ينظر إلى فعله باعتباره نشاطا إجراميا عاديا فهو يحاول أن يصنع من الإدمان طريقا لهدم الإنسان، ومن الجريمة وسيلة لضرب الأمن ومن المال الحرام جسرا لتمويل منظومة تستهدف المجتمع.
ومن هنا فإن المعركة مع المخدرات هي معركة وطنية بكل معنى الكلمة تبدأ من رجل الأمن الذي يقف على الحدود وتمتد إلى رجل الجمارك الذي يراقب المنافذ وإلى الأسرة التي تربي أبناءها على الوعي وإلى لمدرسة التي تعزز قيم المسؤولية وإلى المواطن والمقيم الذي يدرك أن حماية المجتمع ليست مهمة الأجهزة الأمنية وحدها.
وما يبعث على الطمأنينة أن خلف حدود المملكة رجالا يعرفون أن كل لحظة يقظة قد تمنع كارثة، وأن كل شحنة يتم إحباطها قد تعني حياة إنسان وأن كل مهرب يتم القبض عليه قد يعني إغلاق طريق كامل أمام شبكة إجرامية وأن كل منفذ يحكم السيطرة عليه هو حصن جديد يضاف إلى حصون الوطن.
إن هؤلاء الرجال لا يحرسون حدودا فقط بل يحرسون بيوتا لا تعرف أسماءهم ويحرسون آباء وأمهات لن يعرفوا يوما حجم الخطر الذي تم إبعاده عن أبنائهم ويحرسون شبابا قد لا يدركون أن مستقبلا كاملا ربما كان مهددا بسبب شحنة لم تصل إليهم.
وهذه هي القيمة التي يجب أن نراها خلف كل بيان أمني وخلف كل رقم وخلف كل ضبطية، فالأرقام التي تعلنها الجهات المختصة ليست مجرد أعداد وكميات وإنما هي مؤشرات على حجم الخطر من جهة وحجم الجهد الوطني في مواجهته من جهة أخرى.
لقد أثبتت المملكة أن أمن الإنسان ليس مجالا للمساومة، وأن حماية المجتمع ليست مهمة موسمية وأن مواجهة المخدرات ليست حملة مؤقتة وإنما مسؤولية مستمرة تتعامل معها الدولة بحزم ويقظة وتكامل مؤسسي.
ولهذا فإن الرسالة التي تحملها هذه الضبطيات واضحة لكل مهرب ومروج ومن يقف خلفهم وهي أن المملكة ليست ممرا سهلا لسمومهم وأن حدودها ومنافذها وسواحلها تقف خلفها منظومة أمنية وجمركية يقظة وأن محاولات استهداف شبابها ستواجه بالحزم الذي يحمي الوطن ويصون المجتمع.
إنها في حقيقتها حرب على الإنسان قبل أن تكون حربا على المخدرات وحرب على المستقبل قبل أن تكون حربا على المهربين وحرب على أمن المجتمع قبل أن تكون مطاردة لشحنة أو مروج، وفي هذه الحرب يقف رجال حرس الحدود ورجال هيئة الزكاة والضريبة والجمارك والجهات الأمنية المختصة في خندق واحد تتكامل فيه الأدوار وتتحد فيه الغاية وهي حماية المملكة وإنسانها ومستقبلها.
وستظل المملكة بإذن الله عصية على كل من يريد بها سوءا وسيظل رجالها بعد توفيق الله سدها المنيع في وجه كل محاولة تستهدف أمنها أو شبابها وسيبقى الوطن الذي عرف قيمة الإنسان وحجم المسؤولية قادرا على حماية حدوده ومنافذه ومجتمعه وقطع الطريق على كل من يحاول أن يجعل من سموم المخدرات جسرا إلى عقول أبنائه ومستقبل أجياله.