عبود بن علي ال زاحم
في بيئة العمل قد تختلف الآراء وتتعارض المصالح وترتفع الضغوط وتزدحم المهام. ومع ذلك يبقى هناك شيء واحد قادر على حفظ التوازن بين الجميع وهو الاحترام.
فالاحترام ليس مجاملة عابرة ولا كلمات منمقة تقال في الاجتماعات. وليس قيمة تُكتب في دليل الثقافة المؤسسية ثم تغيب عند أول خلاف. الاحترام سلوك يظهر في طريقة الحديث وفي أسلوب النقد وفي إدارة الاختلاف وفي منح الآخرين حقهم.
ولهذا، فإن الاحترام في بيئة العمل يظل سيد الموقف.
قد يمتلك المدير صلاحيات واسعة لكن احترامه للموظفين هو الذي يمنحه القبول الحقيقي. وقد يمتلك الموظف خبرة كبيرة لكن احترامه لزملائه وقائده هو الذي يجعل لهذه الخبرة أثرًا. فالمناصب تمنح السلطة أما الاحترام فيصنع المكانة.
وفي بعض بيئات العمل تبدأ المشكلة بكلمة، تعليق ساخر أمام الزملاء أو انتقاد جارح في اجتماع أو تجاهل لرأي موظف أو إنجاز كبير يُنسب إلى شخص آخر.
قد يراها البعض تفاصيل صغيرة لكنها ليست كذلك عند من يتعرض لها. فالكلمة التي ينساها قائلها بعد دقائق قد تبقى في ذاكرة الطرف الآخر سنوات.
ومن هنا يبدأ التحول.
موظف كان يبادر في كل مشروع ثم أصبح صامتًا. وآخر كان يقترح الحلول ثم قرر ألا يقول شيئًا. وثالث كان يعطي أكثر مما يُطلب منه ثم اكتفى بالحد الأدنى.
لم تتغير قدراتهم. الذي تغير هو شعورهم بأن الاحترام لم يعد حاضرًا.
وهنا تظهر إحدى أخطر خسائر المؤسسات وهي الانسحاب الصامت.
فليس كل من بقي في وظيفته حاضرًا فعلًا. قد يجلس الموظف على مكتبه كل يوم لكنه يكون قد غادر بعقله وحماسه ورغبته في المبادرة. يؤدي المطلوب ثم ينصرف. لا يقترح ولا يجرب ولا يقدم أكثر مما طلب منه.
ثم تتساءل المؤسسة: أين ذهبت روح الفريق؟
وربما كانت الإجابة أمامها منذ البداية.
الاحترام لا يعني قبول كل الآراء ولا التغاضي عن الأخطاء ولا التخلي عن الحزم. يمكن للمدير أن يكون حازمًا ومحترمًا في الوقت نفسه.
يمكن أن تقول للموظف إنه أخطأ دون أن تصفه بالفشل. ويمكن أن ترفض فكرته دون أن تسخر منه.
ويمكن أن تطلب منه تحسين أدائه دون أن تقلل من قيمته.
ويمكن أن تختلف معه بشدة دون أن تمس كرامته.
وهنا يظهر القائد الحقيقي.
فالقيادة لا تُختبر عندما تسير الأمور بهدوء. بل تظهر عند الخطأ وعند تعثر النتائج وعندما يسمع المسؤول رأيًا لا يعجبه.
بعض المديرين يعتقد أن رفع الصوت يصنع الهيبة وأن التخويف يفرض الانضباط وأن الموظف الصامت هو الموظف المثالي.
لكن الصمت ليس دائمًا علامة رضا.
قد يكون خوفًا. وقد يكون إحباطًا. وقد يكون بداية قرار بالمغادرة.
القائد الذي يبني حوله الخوف سيحصل على موظفين ينفذون التعليمات. أما القائد الذي يبني حوله الاحترام فسيحصل على موظفين يفكرون معه ويحافظون على نجاح الفريق ويطرحون الحلول قبل أن تتحول المشكلات إلى أزمات.
الخوف قد يصنع تنفيذًا مؤقتًا. أما الاحترام فيصنع التزامًا طويلًا.
ومع ذلك فإن الاحترام ليس مسؤولية المدير وحده. الموظف أيضًا مسؤول عن احترام زملائه وعن الالتزام بوقته ومسؤولياته وعن عدم التقليل من الآخرين أو الاستحواذ على إنجازاتهم.
فالاحترام طريق ذو اتجاهين.
لا يمكن أن نطالب المدير باحترام الموظف ثم نتسامح مع موظف يهدر وقت زملائه أو يتعامل معهم بتعالٍ. كما لا يمكن أن نتحدث عن ثقافة مؤسسية محترمة بينما يتعرض البعض للتهميش أو التنمر المهني.
ويبقى السؤال الأهم: كيف نحول الاحترام من شعار إلى ممارسة يومية؟
البداية من القيادة.
لا ينبغي أن يكون تقييم المدير مرتبطًا بالنتائج فقط. بل بطريقة تحقيق تلك النتائج أيضًا. من المهم أن نسأل هل بنى فريقًا؟ هل طور موظفيه؟ هل يمنح التقدير؟ هل يستمع؟ هل يعالج الأخطاء بعدالة؟ وهل يشعر الموظفون معه بالأمان عند التعبير عن آرائهم؟
فقد يحقق أحدهم جميع المستهدفات لكنه يترك خلفه فريقًا منهكًا ومستنزفًا.
فهل نعد ذلك نجاحًا؟
كما تحتاج المؤسسات إلى قنوات واضحة وآمنة لمعالجة التجاوزات حتى يستطيع الموظف التعبير عن المشكلة دون خوف من الانتقام أو التأثير على مستقبله الوظيفي.
وتحتاج أيضًا إلى تدريب القيادات على إدارة الخلاف والمحادثات الصعبة. فكثير من الأزمات في العمل لا تبدأ بقرار كبير وإنما بأسلوب تواصل سيئ.
وهناك قاعدة بسيطة تستحق أن تصبح ثقافة في كل مؤسسة:
امدح أمام الجميع وصحح على انفراد.
فالخطأ يحتاج إلى معالجة لكنه لا يحتاج إلى إهانة.
كما أن المؤسسات بحاجة إلى أسئلة أعمق من السؤال التقليدي عن الرضا الوظيفي. هل يشعر الموظف أن رأيه مسموع؟ هل يُنسب الإنجاز إلى صاحبه؟ هل يستطيع الاختلاف مع مديره بأمان؟ هل تُحفظ كرامته عندما يخطئ؟ وهل توجد عدالة في التعامل؟
هذه الأسئلة قد تكشف ما لا تكشفه تقارير الأداء.
وفي النهاية لا توجد بيئة عمل بلا اختلافات ولا مؤسسة بلا ضغوط ولا فريق بلا أخطاء.
لكن الفرق الحقيقي يظهر في طريقة التعامل عندما يقع الاختلاف.
قد ينسى الموظف كثيرًا من الاجتماعات والمشاريع التي شارك فيها لكنه لن ينسى قائدًا حفظ كرامته في موقف صعب. ولن ينسى زميلًا أنصفه أو مسؤولًا أعطاه حقه عندما كان يستطيع تجاهله.
المكاتب تتغير والمناصب تنتهي والمسميات تتبدل.
أما الأثر الذي نتركه في الناس فيبقى.
ولهذا إذا أردنا بناء بيئات عمل أكثر إنتاجية واستقرارًا فلا نبدأ فقط بالأنظمة والمزايا والتقنيات.
نبدأ بالإنسان.
وعندما يكون الإنسان محترمًا يصبح أكثر قدرة على العطاء والانتماء والمبادرة.
وفي كل بيئة عمل مهما اختلفت المناصب والظروف والضغوط..
يبقى الاحترام سيد الموقف.