عادل بن محمد القاسم
نتحدث كثيرًا عن الذكاء الاصطناعي، ونتحدث أكثر عن التحول الرقمي، وفي السنوات الأخيرة أصبحت الاستدامة أيضًا حاضرة بقوة في خطط المؤسسات وإستراتيجياتها. لكنني أعتقد أن التحدي الحقيقي ليس في تبني هذه المفاهيم كلٌّ على حدة، وإنما في القدرة على جمعها داخل نموذج مؤسسي واحد: تقنية تطور العمل، وإنسان يقودها، واستدامة تحفظ أثرها.
فالاستثمار في التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي لم يعد ترفًا إداريًا، ولا مشروعًا يمكن تأجيله إلى وقت آخر. نحن أمام تحول يعيد تشكيل طريقة عمل المؤسسات، ويغير مفهوم الوظيفة والخدمة والإدارة واتخاذ القرار.
لكن الخطأ الذي قد نقع فيه هو أن نختزل هذا التحول في شراء نظام جديد، أو إطلاق منصة، أو إضافة خدمة إلكترونية، ثم نضع ذلك تحت عنوان «التحول الرقمي».
التحول الحقيقي أعمق من ذلك
يبدأ عندما تستطيع المؤسسة أن تنجز العمل بصورة أسرع وأفضل، وأن تخفض الهدر في الوقت والموارد، وأن تستفيد من بياناتها، وأن تحفظ خبراتها، وأن تقدم للمستفيد خدمة أكثر سهولة وجودة. عندها فقط تصبح التقنية استثمارًا وليست تكلفة.
وهنا تحديدًا أرى العلاقة الوثيقة بين الذكاء الاصطناعي والاستدامة المؤسسية.
فالاستدامة، في مفهومها الواسع، ليست قضية مالية أو بيئية فقط، وإنما قدرة المؤسسة على المحافظة على معرفتها وخبراتها ومشروعاتها، وتطويرها ونقلها من جيل وظيفي إلى آخر.
كم من مشروع ناجح توقف بخروج الشخص الذي كان يديره؟ وكم من تجربة متميزة بدأت من جديد لأن المعرفة بقيت في ذاكرة أفراد ولم تتحول إلى ذاكرة مؤسسة؟ وكم من وقت نهدره في البحث عن معلومة أو وثيقة أو قرار سبق أن أُنجز قبل سنوات؟
هذه الأسئلة تكشف جانبًا مهمًا من مفهوم الاستدامة قد لا يحظى بما يستحقه من اهتمام.
وهنا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحدث فارقًا حقيقيًا؛ ليس فقط في أتمتة الأعمال الروتينية، وإنما في بناء ذاكرة مؤسسية ذكية، وتنظيم المعرفة، وتحليل البيانات، واسترجاع الخبرات السابقة، وقياس الأداء، ودعم القرار، والتنبؤ بالاحتياجات والفرص.
وفي القطاع الثقافي والمعرفي تصبح المسألة أكثر أهمية. فالمكتبات والمتاحف والأرشيفات والمراكز الثقافية لا تدير خدمات فحسب، وإنما تدير ذاكرة ومعرفة وإرثًا ثقافيًا متراكمًا.
تخيل مكتبة تمتلك ملايين الصفحات والصور والوثائق والمخطوطات والتسجيلات، ثم يستطيع المستفيد الوصول إلى ما يبحث عنه خلال ثوانٍ، أو طرح سؤال ليقوده الذكاء الاصطناعي إلى كتاب أو صورة أو وثيقة ربما بقيت سنوات بعيدة عن دائرة الاستخدام.
هنا لا نكون أمام مشروع تقني فقط، بل أمام إعادة إحياء للمعرفة.
ومع ذلك، فإن الحماس للذكاء الاصطناعي يجب ألا يجعلنا ننسى العنصر الأهم: الإنسان.
فالتقنية مهما بلغت قدرتها لن تبني مؤسسة ناجحة بمفردها. ولذلك فإن الاستثمار في تدريب الموظفين، وتطوير مهاراتهم، وإعادة تأهيلهم للتعامل مع أدوات الذكاء الاصطناعي، يجب أن يسير بالتوازي مع الاستثمار في الأنظمة والمنصات.
ولا ينبغي أن يكون السؤال: هل سيحل الذكاء الاصطناعي محل الموظف؟
السؤال الأجدى هو: كيف نجعل الموظف أكثر قدرة وإنتاجًا باستخدام الذكاء الاصطناعي؟
المؤسسات التي تدرك هذه المعادلة مبكرًا ستكون أكثر قدرة على المنافسة والاستمرار. أما المؤسسات التي تتعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره موجة تقنية عابرة، فقد تكتشف بعد سنوات أنها لم تتأخر تقنيًا فحسب، وإنما تأخرت مؤسسيًا أيضًا.
المستقبل لن يكون للتقنية وحدها، ولا للخبرة البشرية وحدها، بل للمؤسسة التي تستطيع أن تجمع بينهما، وتحولهما إلى معرفة متراكمة ونظام عمل مستدام.
فالاستثمار الحقيقي في الذكاء الاصطناعي ليس استثمارًا في آلة تفكر، بل في مؤسسة تعرف كيف تتعلم، وكيف تحفظ معرفتها، وكيف تستمر.
** **
- باحث مُختص في شؤون المكتبات والمعلومات