إتمام انتقال 70 في المائة من ملكية شركة نادي الهلال إلى شركة المملكة القابضة ليس مجرد صفقة لنادٍ كبير، هي محطة مهمة في مشروع تخصيص الأندية، ودليل على انتقال الرياضة السعودية إلى مرحلة يصبح فيها النادي كيانًا استثماريًا له قيمة وحقوق والتزامات وسمعة يجب أن تُصان.
وبإتمام الصفقة، سقط كثير من التشكيك والغمز واللمز الذي صاحبها، وتأكد أن مشروع التخصيص الذي أطلقته الدولة يمضي نحو غايته: قطاع رياضي أكثر استدامة، وشراكة أوسع مع القطاع الخاص، وأندية تُدار بمنطق الاستثمار والحوكمة.
لكن نجاح الخصخصة يفرض علينا سؤالًا أكبر: هل البيئة الرياضية المحيطة بها جاهزة فعلًا للمرحلة المقبلة؟
ما شهدناه مؤخرًا تجاوز في بعض الأحيان حدود النقد والتنافس إلى التشكيك في الذمم، وإطلاق الاتهامات والتلميحات في قضايا مالية واستثمارية، وكأن التعصب يمنح صاحبه حصانة ليقول ما يشاء.
حرية النقد لا تعني حرية الاتهام، والتعصب الرياضي ليس ترخيصًا للمساس بالذمم والسمعة.
وهنا تبدو الحاجة اليوم إلى ما يشبه ثورة تشريعية رياضية تواكب ثورة الاستثمار التي نشهدها. وهذه مسؤولية تزداد أهميتها مع اتحاد سعودي جديد لكرة القدم، يقوده رئيس عاش تجربة التحول والخصخصة عن قرب من خلال نادي القادسية، ويعرف أن نجاح الاستثمار الرياضي لا تصنعه الأموال وحدها، بل البيئة التي تستقبل هذه الأموال وتحميها وتمنحها القدرة على النمو.
نحتاج إلى تشريعات أكثر وضوحًا وحزمًا، وإلى بيئة تنظيمية تحمي المستثمر والنادي والمنافسة، وتفصل بين النقد والتشهير، وبين السؤال والاتهام، وبين الرأي والطعن في الذمم.
لكن الرهان الأكبر في المرحلة المقبلة يجب ألا يتوقف عند المستثمر المحلي المعتاد.
إذا أردنا دوريًا بين الأفضل عالميًا، فعلينا أن نبني سوقًا تستطيع جذب المستثمر الأجنبي النوعي؛ شركات وصناديق ومؤسسات رياضية دولية ترى في أنديتنا فرصة حقيقية لضخ رأس المال والخبرة والتقنية والتسويق، لا مجرد فرصة لامتلاك نادٍ لكرة القدم.
وهنا يبرز سؤال يستحق أن نطرحه بشجاعة بعد انتقال ملكية الهلال:
لماذا لا نرى حتى الآن سباقًا استثماريًا كبيرًا على أندية مثل النصر والاتحاد والأهلي؟
فهذه أندية تملك جماهير بالملايين، وتاريخًا وبطولات ونجومًا وقيمة إعلامية ضخمة، وتعمل داخل اقتصاد سعودي كبير وسوق رياضية تنمو بسرعة غير مسبوقة. يفترض، بمنطق الاستثمار، أن تكون أصولًا شديدة الجاذبية.
فإذا كان المستثمر العالمي أو المحلي لا يزال مترددًا، فالسؤال لا ينبغي أن يوجَّه إلى المستثمر وحده، وإنما إلينا أيضًا: ماذا ينقص البيئة الرياضية لهذه الأندية السعودية حتى تصبح ملكية أحد أنديتها فرصة تتنافس عليها رؤوس الأموال الدولية؟
هل يحتاج المستثمر إلى وضوح أكبر في الحقوق التجارية؟ إلى استقلالية أوسع في صناعة القرار؟ إلى تشريعات أكثر استقرارًا؟ إلى مرونة أكبر في تعظيم الإيرادات؟ إلى وضوح العلاقة بين النادي والاتحاد والرابطة والجهات المنظمة؟ أم إلى نموذج استثماري يمنحه مساحة حقيقية ليبتكر ويربح ويطور؟
هذه الأسئلة هي جوهر المرحلة المقبلة.
فنجاح الخصخصة لا يقاس فقط بعدد الأندية التي انتقلت ملكيتها، وإنما بنوعية المستثمر الذي استطاعت السوق السعودية جذبه، وحجم القيمة التي أضافها بعد دخوله.
نريد أن يأتي المستثمر العالمي إلى النادي السعودي لأنه يرى مشروعًا اقتصاديًا مغريًا، لا لأن هناك من أقنعه بالمجيء. وأن يتنافس المستثمرون على أنديتنا كما يتنافسون على الفرص الواعدة في قطاعات الاقتصاد السعودي الأخرى.
وهذا يتطلب سوقًا رياضية جاذبة، وتشريعات حديثة، وحوكمة صارمة، وحقوقًا تجارية واضحة، وإعلامًا مسؤولًا، ومناخًا لا يسمح بتحويل سمعة المستثمرين والأندية إلى مادة يومية للاتهامات والمناكفات.
لسنا بحاجة إلى إعلام صامت ولا جماهير بلا شغف. نريد المنافسة بكل صخبها والنقد مهما كان قاسيًا؛ لكن تحت سقف النظام. فرأس المال، وخصوصًا الأجنبي، لا يبحث فقط عن حجم السوق، ولكن عن استقرارها ووضوح قواعدها وقدرته على حماية استثماره وتنميته.
الهلال اليوم يدخل عهدًا جديدًا، لكن الدلالة الأهم تتجاوز الكثير من رياضتنا وما تعودنا عليه فيها..
لقد بدأت الدولة مشروع التحول ولن تتراجع، وانتقلت الأندية إلى عصر الاستثمار، والكرة الآن في ملعب المؤسسات الرياضية لتصنع البيئة التي تليق بهذا المشروع.
فالمرحلة المقبلة ليست رهانًا على بيع المزيد من الأندية..
الرهان الحقيقي أن نجعل أنديتنا من الأصول التي يتنافس العالم على شرائها.
** **
- خالد الباتلي