د. إبراهيم بن جلال فضلون
في مجالات الملاحظة، لا يخدم الحظ إلا العقول المستعدة، فلم يعد السؤال في الطب الحديث: ما المرض الذي نبحث عنه؟ السؤال الأكثر أهمية بدأ يتحول إلى: ماذا تخفي العينة التي أمامنا، إذا تركناها تتحدث بلغتها الجينية؟ لأنه يمس مفهوم الأمن الصحي، وطريقة استعداد الدول للأوبئة، وقدرتها على اكتشاف مسببات الأمراض قبل أن تتحول إلى أزمة، بل ويمس مكانة الدولة في الاقتصاد العلمي الجديد، ونحن أمام ضيف جديد لا نعلم مداه (الذكاء الاصطناعي)، الذي قال بيل غيتس عنه: «إن الأمر لا يجافي الحقيقة إذا قلت إنني أصبحت خائفا» مما يمكن أن يحدث إذا لم يتم التدخل بصورة عاجلة، لاسيما ما يُمكنه في صناعة مسببات أمراض قاتلة تتحول إلى جائحة جديدة.
هنا تظهر الميتاجينوميات، وهي تقنية تتيح قراءة المادة الوراثية الموجودة في عينة بيولوجية والبحث عن الكائنات الدقيقة الموجودة فيها دون أن يكون الطبيب مضطرًا إلى تحديد المسبب مسبقًا، وهذا يغيّر منطق التشخيص نفسه: (بدل أن يبدأ الطبيب بقائمة ضيقة من الاحتمالات، يمكن أن يبدأ من البيانات ثم يبحث عن الإجابة) والفكرة ليست أن الميتاجينوميات ستحل محل الطبيب أو كل الاختبارات التقليدية، بل إن قيمتها الحقيقية أنها توسع مساحة البحث عندما تكون الحالة غامضة، وتساعد على اكتشاف مسببات قد لا تكون موجودة أصلًا في قائمة الاحتمالات الأولى، وهنا تحديدًا تبدأ المسألة الإستراتيجية.
من التشخيص إلى الاستباق
تطور تشخيص الأمراض المعدية خلال عقود طويلة من المجهر وزراعة الميكروبات إلى اختبارات أكثر حساسية، ثم إلى PCR، وصولًا إلى تقنيات التسلسل الجيني، فقد كان لكل مرحلة من هذه المراحل منطقها، إذ مكّن المجهر الإنسان من رؤية عالم لم يكن يراه، وجعلت زراعة الميكروبات إمكانية عزل بعض مسببات الأمراض ودراستها. PCR سمح بالبحث عن مادة وراثية محددة بدرجة عالية من الحساسية، أما التسلسل الجيني والميتاجينوميات فيفتحان الباب أمام قراءة نطاق أوسع من المعلومات الموجودة في العينة، وهذا الفرق ليس تقنيًا فقط، بل فرق في طريقة التفكير. فعندما تستخدم اختبارًا يستهدف مسببات محددة، فإنك تسأل سؤالًا مُحددًا: هل هذا الفيروس موجود؟ هل هذه البكتيريا موجودة؟ فعندما تستخدم منهجًا ميتاجينوميًا، فأنت تطرح سؤالًا أوسع: ما الذي يوجد هنا أصلًا؟، مثل ظهور مرض غير مألوف، أو عند فشل الاختبارات التقليدية في تفسير حالة سريرية، أو عندما يظهر نمط غير معتاد في مجموعة من المرضى.
لقد أصبحت منظمة الصحة العالمية تتعامل مع المراقبة الجينومية باعتبارها أداة لا غنى عنها، لذا أنشأت في يوليو 2025 الشبكة الدولية لمراقبة مُسببات الأمراض التابعة للمنظمة مجتمعات ممارسة متخصصة في بيانات الجينوم، والاستجابة للطوارئ، ومراقبة مياه الصرف والبيئة، وهي نقلة تكشف شيئًا أكبر: المختبر لم يعد مكانًا لتشخيص المرض فقط، بل أصبح جزءًا من منظومة الإنذار المبكر للدولة.
الوباء لا ينتظر
أظهرت جائحة كوفيد - 19 أن الساعات والأيام قد تكون أكثر قيمة من الأسابيع عندما يتعلق الأمر بالأمراض المعدية، فالعالم يواجه باستمرار فيروسات وبكتيريا وفطريات وطفيليات تتغير، وتنتقل عبر الحدود، وقد تنتقل من الحيوان إلى الإنسان أو تتأثر بالتغيرات البيئية والمناخية، وبالتالي أصبحت المراقبة الجينومية جزءًا من التفكير العالمي في الاستعداد للجوائح، وضرورة مشاركة بيانات جينومات مسببات الأمراض والبيانات المصاحبة لها الضرورية للوقاية من الأوبئة والجوائح واكتشافها والاستجابة لها، لتصبح قواعد بيانات الجينوم عنصرًا أساسيًا في هذه المنظومة.
هُنا ينبغي أن نُعيد تعريف مفهوم الاستعداد الصحي، فالدولة المستعدة ليست التي تملك مستشفيات أكثر فقط، ولا التي تستطيع استقبال أعداد كبيرة من المرضى بعد انتشار العدوى، بل التي تستطيع أن تلتقط الإشارة مبكرًا، وتفهمها بسرعة، وتربطها ببيانات أخرى، ثم تتخذ القرار قبل أن تتحول الإشارة إلى أزمة، وهو ما طبقته السعودية بجدارة في كوفيد - 19، وهذا هو الفارق بين إدارة المرض وإدارة الخطر.
اختبارات لا تنتهي
بالنسبة إلى الدول العربية، تبدو المسألة أكثر حساسية، لأن المنطقة ليست جزيرة معزولة، كونها منطقة عبور وحركة واسعة، وتجارة دولية، وتجمعات بشرية ضخمة، وحدود برية وبحرية، ومناطق ذات كثافة سكانية عالية، وتداخل بين الإنسان والحيوان والبيئة، فضلًا عن تحديات المناخ والتحضر والتوسع العمراني، مما يعني أن المرض الذي يظهر في دولة واحدة قد لا يبقى داخل حدودها، وبالتالي فبناء قدرات جينومية وطنية لا ينبغي النظر إليه باعتباره ترفًا علميًا أو مشروعًا خاصًا بكليات الطب ومراكز الأبحاث، بل جزء من البنية التحتية للأمن الصحي.
لكن التحدي العربي ليس في شراء أجهزة التسلسل وحدها، فالجهاز لا يصنع منظومة، والمنظومة تحتاج إلى عينات جيدة، ومختبرات ذات جودة، وباحثين، واختصاصيي أحياء دقيقة، ومختصي معلومات حيوية، وقواعد بيانات موثوقة، وبنية حوسبية، ونظم مشاركة للبيانات، وتشريعات واضحة، وأمن سيبراني، وآليات تحول النتيجة العلمية إلى قرار صحي، يتطلب بالتوازي قدرات في المعلوماتية الحيوية لتخزين البيانات ومعالجتها ومشاركتها ودمجها، وأن بناء بنية بيانات مترابطة ومستدامة شرط للاستفادة الفعلية من المراقبة الجينومية. هنا تكمن إحدى مشكلات العالم العربي: قد نمتلك التكنولوجيا من دون أن نمتلك المنظومة التي تجعلها مؤثرة.
السعودية وحساب المستقبل
في هذا المشهد تملك السعودية فرصة مختلفة، إذ أطلقت في يناير 2024 الإستراتيجية الوطنية للتقنية الحيوية، واضعة هدف التحول إلى مركز عالمي للتقنية الحيوية بحلول 2040، مع التركيز على اللقاحات، والتصنيع الحيوي الدوائي، والجينوم والعلاج الجيني، والتقنية الحيوية الزراعية، مُستهدفة مساهمة تصل إلى 3 % من الناتج المحلي غير النفطي بحلول 2040، وأثرًا اقتصاديًا تقدره الدراسة المنشورة في المجلة الصحية لشرق المتوسط بنحو 130 مليار ريال، إضافة إلى 11 ألف وظيفة عالية الجودة بحلول 2030، لكن الأهم من الأرقام هو الاتجاه.
فإذا كانت المملكة تريد أن تتحول إلى مركز عالمي للتقنية الحيوية، فإن الميتاجينوميات والجينوميات ليستا موضوعًا جانبيًا، إنهما جزء من البنية العلمية التي يمكن أن تربط بين التشخيص، والبحث، والدواء، واللقاحات، والصحة العامة، والاقتصاد القائم على المعرفة، والأهم أن المملكة لا تبدأ من الصفر، ففي دراسة منشورة عام 2025 في Eastern Mediterranean Health Journal أفادت بأن بنك الدم السعودي كان قد سجل، بحلول منتصف 2024، 53,338 مشاركًا و589,461 عينة بيولوجية، وأنه يستخدم منصة للبحث الجينومي والطب الدقيق والتجارب السريرية والتقنيات الحيوية المتقدمة. كما أوصت الدراسة بتعزيز قابلية التشغيل البيني للبيانات، وتكاملها، وتوحيد الحوكمة، وتوسيع الشراكات الوطنية والدولية.
وهذه نقطة تستحق التوقف، فالقوة الحقيقية لا تكمن في عدد العينات أو الأجهزة، وإنما في القدرة على تحويل البيانات المتراكمة إلى معرفة قابلة للاستخدام، لكن المستقبل لا يعني أن نرمي أدوات الماضي جانبًا، على العكس، قيمة الميتاجينوميات ترتفع عندما تعمل مع الفحص السريري والتاريخ المرضي والتصوير والاختبارات التقليدية. وهذه نقطة جوهرية لأن البيانات الكثيرة قد تنتج أيضًا قرارات خاطئة، كما تختلف قدرة الاختبار باختلاف نوع العينة ومكان العدوى. لذلك فإن السؤال ليس: هل تستطيع التقنية اكتشاف شيء؟ السؤال الصحيح هو: هل نستطيع تفسير ما اكتشفته؟ وهنا يعود الطبيب والعالم إلى مركز المشهد.
الذكاء الاصطناعي لا يكفي
يتكرر اليوم الحديث عن الجمع بين الجينوم والذكاء الاصطناعي، وكأن المعادلة وحدها كفيلة بإنتاج مستقبل صحي مختلف، لكن الذكاء الاصطناعي لا يستطيع أن يجعل البيانات الرديئة جيدة، ولا يستطيع وحده إزالة التحيزات من قواعد البيانات، ولا يمكنه أن يحول نتيجة جينية غامضة إلى تشخيص مؤكد من دون سياق سريري، ولهذا فإن المستقبل الحقيقي سيكون في منظومة تجمع بين الإنسان والآلة: عينة موثوقة، وتسلسل عالي الجودة، وقاعدة بيانات قوية، وتحليل معلوماتي حيوي، ونماذج حسابية، وطبيب يفهم السياق، وسلطة صحية قادرة على اتخاذ القرار. عندها فقط يصبح الذكاء الاصطناعي أداة قوة، وليس مجرد شعار تقني.
هناك سؤال آخر أكثر حساسية مع مرور الوقت: من يملك البيانات الجينية؟، فعندما تجمع دولة ملايين العينات، فهي لا تجمع معلومات طبية فقط. إنها تبني أصلًا علميًا واقتصاديًا يمكن أن يسهم في اكتشاف مؤشرات حيوية، وتطوير أدوية، وتحسين اللقاحات، وفهم الأمراض، وتحديد عوامل الخطر، لكن القيمة نفسها تخلق مسؤولية. البيانات الجينية تحتاج إلى حماية، وضوابط وصول، وحوكمة واضحة، وتشريعات تحدد كيفية استخدامها ومشاركتها، وآليات تمنع تحويلها إلى سلعة بلا ضوابط.
تشير دراسة 2025 حول البنوك الحيوية في السعودية إلى الحاجة إلى تعزيز الأمن السيبراني لحماية المعلومات الجينية الحساسة، خصوصًا مع توسع استخدام الأنظمة السحابية، وإلى أهمية تطوير أنظمة بيانات آمنة وقابلة للتشغيل البيني، وهذا يعني أن السيادة الصحية في المستقبل قد تشمل القدرة على امتلاك البيانات الجينية وتحليلها وحمايتها، وليس فقط امتلاك المستشفى والدواء واللقاح.
هل نحتاج إلى شبكة عربية؟
ربما حان الوقت لأن ينتقل التعاون العربي في الصحة من تبادل الخبرات عند وقوع الأزمة إلى بناء بنية مشتركة قبل الأزمة، والفكرة ليست إنشاء مؤسسة جديدة لمجرد إنشاء مؤسسة، وإنما بناء شبكة عربية للمراقبة الجينومية والإنذار المبكر، يمكن أن تربط المختبرات المرجعية، وقواعد البيانات، ومراكز الأبحاث، ومختبرات الصحة العامة، وأنظمة مراقبة مياه الصرف والبيئة.
الفائدة هنا واضحة: مسببات الأمراض لا تعترف بالحدود السياسية، لكن إقامة مثل هذه الشبكة ستواجه تحديات حقيقية: اختلاف التشريعات، وتفاوت القدرات التقنية، وخصوصية البيانات، واختلاف معايير المختبرات، والتمويل، وآليات مشاركة المعلومات. ومع ذلك، فإن صعوبة المشروع لا تلغي الحاجة إليه. فالمنظمة العالمية للصحة تعمل أصلًا على بناء تعاون دولي في المراقبة الجينومية، وأعلنت في أبريل 2026 عن جولة تمويل جديدة بقيمة 1.8 مليون دولار لدعم مراقبة مسببات الأمراض جينوميًا ومراقبة مياه الصرف والبيئة في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل.
المعنى الأوسع أن الاتجاه العالمي يتحرك نحو منظومات مراقبة موزعة ومتصلة، لا نحو مختبرات منفردة تعمل كل منها بمعزل عن الأخرى.
2030 ليس بعيدًا
بين 2026 و2030، ينبغي أن يكون الهدف العربي الأساسي هو بناء القدرة: المختبرات، الكفاءات، قواعد البيانات، البروتوكولات، أمن المعلومات، ومعايير الجودة، وبين 2030 و2040، يمكن أن تنتقل الدول الأكثر تقدمًا إلى مرحلة التكامل: الجينوم مع الذكاء الاصطناعي، والمراقبة السريرية مع مراقبة مياه الصرف، والبيانات الصحية مع البيانات البيئية، وربط المختبر بالقرار السياسي.
أما بعد 2040، فقد يصبح معيار التفوق الصحي مختلفًا تمامًا. لن تكون الدولة الأكثر استعدادًا هي التي تملك أكبر عدد من الأسرة في المستشفيات، وإنما التي تستطيع أن تعرف مبكرًا ماذا يحدث، وأين يحدث، وكيف يتغير، وما احتمالات انتشاره. وهذا هو التحول الحقيقي من علاج الأزمة إلى استباق الأزمة.
المطلوب عربيًا ليس أن نلاحق كل تقنية جديدة، ولا أن ننفق على أجهزة لا نملك القدرة البشرية والمؤسسية على تشغيلها، وإنما أن نحدد أين يمكن للعلم أن يغيّر معادلة الأمن الصحي، ثم نبني حوله منظومة متكاملة، فالسعودية تملك اليوم فرصة واضحة لتربط بين إستراتيجية التقنية الحيوية، والجينوم، والبنوك الحيوية، والبحث العلمي، والصحة العامة، والتصنيع الدوائي، وأن تجعل هذه العناصر جزءًا من مشروع اقتصادي ومعرفي واحد. وإذا نجحت في ذلك، فلن تكون الفائدة محصورة في اكتشاف مرض نادر أو تشخيص حالة معقدة؛ بل يمكن أن تمتد إلى بناء صناعة علمية، وتوطين المعرفة، وتطوير الكفاءات، وجذب الاستثمار، وتعزيز الأمن الصحي.
أما الدول العربية الأخرى، فالتحدي لا ينتظر. فالعالم يتحرك من مراقبة المرض بعد ظهوره إلى مراقبة بصمته الجينية أثناء انتشاره وتغيره. ومن يتأخر في بناء قدرته العلمية سيجد نفسه مضطرًا إلى شراء المعرفة عندما يحتاجها، في حين أن الدول التي تستثمر فيها مبكرًا ستكون قادرة على إنتاجها.
وقفة: في الماضي كان السؤال: هل نستطيع أن نرى الميكروب؟ ثم أصبح: هل نستطيع أن نحدد هويته؟ أما سؤال المستقبل فهو أكثر صعوبة: هل نستطيع أن نكتشف الإشارة قبل أن يصبح الميكروب أزمة؟، وهنا تستعيد كلمات باستور معناها بعد أكثر من 170 عامًا: الحظ لا يكافئ إلا العقل المستعد. وفي عصر الأمراض العابرة للحدود، ربما يمكن صياغة الدرس بصورة أكثر مباشرة: الدولة التي تستعد علميًا لا تنتظر أن يخبرها الوباء بما يحدث؛ إنها تحاول أن تكتشفه قبل أن يضطرها إلى ذلك.