د. يحيى جابر
نكمل هذا اليوم المقال السابق، وأشير مباشرة إلى أن الخلط بين مرحلة توليد الفكرة في صناعة المحتوى ومرحلة تقييمها من أكثر الأخطاء شيوعاً في اجتماعات صناعة المحتوى، لأن الفكرة في لحظة ولادتها تكون هشة وقابلة للتطور، بينما يحتاج تقييمها إلى وقت ومسافة ومعايير واضحة.
لذلك فإن الحكم المبكر قد يقتل فكرة كان يمكن أن تصبح مشروعاً قوياً، فالأفضل أن يبدأ كل عضو في الفريق بمرحلة تفكير فردي، ثم تجمع الأفكار، ثم تبدأ المناقشة الجماعية، لأن هذه الطريقة تمنح أصحاب الشخصيات الهادئة مساحة للتفكير بعيداً عن تأثير الأكثر حضوراً، كما تزيد تنوع المقترحات، وهي مناسبة للمؤسسات الإعلامية التي تضم كتاباً ومصورين ومخرجين ومصممين ومحررين، لأن كل تخصص يرى القصة من زاوية مختلفة، وقوة فريق المحتوى لا تأتي من تشابه أعضائه، وإنما من اختلاف زوايا رؤيتهم.
وتزداد أهمية البيئة الآمنة داخل فريق صناعة المحتوى، لأن الموظف الذي يخشى السخرية من فكرته أو يخشى أن يوصف بالسطحية لن يقدم كل ما لديه، وقد خلصت أبحاث جوجل حول فعالية الفرق إلى أن الأمان النفسي كان من أبرز العوامل المرتبطة بفعالية الفريق، إلى جانب الاعتمادية والهيكل والوضوح والمعنى والأثر، «المصدرـ جوجل، الولايات المتحدة، دراسة «فهم فعالية الفرق»، مشروع أرسطو، 2016 وما بعده»، وفي تقديري أن مدير المحتوى الناجح ليس الذي يفرض أفكاره على الفريق، وإنما الذي يجعل أعضاءه قادرين على تقديم أفكارهم بحرية، ثم يخضع الجميع للفكرة نفسها للنقد والتطوير، لا أن يخضع صاحب الفكرة للنقد الشخصي، فالهدف هو الوصول إلى الفكرة الأكثر خدمة للجمهور والهدف التحريري، ومن التقنيات الفعالة في توليد الأفكار قلب السؤال، فإذا كان السؤال التقليدي هو، كيف نجعل الجمهور يشاهد الفيديو؟، يمكن قلب السؤال، لماذا قد يغادر الجمهور الفيديو خلال الثواني الأولى؟، وإذا كان السؤال، كيف نزيد التفاعل؟، يمكن تحويله إلى، ما الذي يمنع الجمهور من التفاعل؟، وإذا كان السؤال، كيف نكتب تقريراً عن ظاهرة اجتماعية؟، يمكن تحويله إلى، من الشخص الذي يعيش هذه الظاهرة ولا يسمعه أحد؟، وإذا كان السؤال، كيف نقدم خبراً؟، يمكن تحويله إلى، ما الجزء الذي لم يفهمه الجمهور من هذا الخبر؟، وهذا التحويل يجعل العقل يتحرك بعيداً عن الإجابات المألوفة نحو أسئلة جديدة، وأعتقد أن السؤال المختلف يقود إلى فكرة مختلفة، لأن طريقة صياغة المشكلة تحدد نوع الحلول التي يستطيع العقل الوصول إليها، ومن التقنيات الأخرى الدمج بين مجالين لا يبدو بينهما ارتباط واضح، مثل الجمع بين الرياضة والاقتصاد، أو الزراعة والتقنية، أو التاريخ والسياحة، أو البيئة والصحة، أو الثقافة والإعلام، أو الذكاء الاصطناعي والتعليم، لأن الفكرة الجديدة قد تولد من نقطة التقاء مجالين معروفين.
ويمكن لصانع المحتوى أن يسأل نفسه، ماذا يحدث لو أخذنا طريقة معالجة من مجال وطبقناها في مجال آخر؟، وهذا قد يحول الموضوع التقليدي إلى قصة جديدة، فبدلاً من تقديم تقرير عام عن السياحة يمكن دراسة أثر الرياضة في اقتصاد المدن السياحية، وبدلاً من تناول الزراعة باعتبارها نشاطاً إنتاجياً فقط يمكن ربطها بالتقنيات الرقمية وسلاسل الإمداد والمناخ، وهذا النوع من الربط يفتح مساحات واسعة أمام المحتوى الوثائقي والتفسيري والرقمي، ومن أكثر مصادر الأفكار ثراءً الجمهور نفسه، فتعليقات الجمهور وأسئلته واعتراضاته وتجربته مع المحتوى يمكن أن تتحول إلى قاعدة متجددة للأفكار، فتكرار السؤال قد يعني وجود فجوة معرفية، والاعتراض على معلومة قد يكون مدخلاً لمادة تفسيرية، وطلب توضيح نقطة في تقرير سابق قد يتحول إلى حلقة جديدة، ولهذا يمكن أن تكون التعليقات مختبراً للأفكار.
وتؤكد دراسات صناعة المحتوى أهمية فهم الجمهور وتحديد احتياجاته باعتبار ذلك جزءاً أساسياً من إستراتيجية المحتوى، «المصدر- معهد تسويق المحتوى، الولايات المتحدة، دراسات إستراتيجية الجمهور وصناعة المحتوى، 2017»، وهذا يعني أن الجمهور يمكن أن يكون شريكاً غير مباشر في صناعة الفكرة، حتى لو لم يجلس مع فريق التحرير داخل غرفة واحدة، ومن الأدوات العملية أيضاً دفتر الأفكار، وهو ملف دائم لا تكتب فيه الأفكار النهائية فقط، بل تكتب الأسئلة والملاحظات والأرقام والقصص والمواقف والاقتباسات والشخصيات والعناوين الأولية والروابط بين الموضوعات، لأن الفكرة التي تبدو ضعيفة اليوم ستصبح قوية بعد ظهور حدث جديد، ولهذا فإن صانع المحتوى المحترف لا يبدأ من الصفر كل صباح، وإنما يمتلك مخزوناً تراكمياً من الملاحظات، وكلما قرأ أو شاهد أو سمع أو ناقش شيئاً مهماً أضافه إلى هذا المخزون.
وأرى أن دفتر الأفكار يمكن أن يتحول في المؤسسات الإعلامية إلى نظام جماعي يصنف الأفكار حسب الموضوع والجمهور والمنصة ودرجة الجاهزية، فيتحول الإلهام إلى مخزون يمكن الرجوع إليه، وتأتي القراءة بوصفها أحد أهم مصادر توليد الأفكار، لأن العقل لا يستطيع إنتاج روابط جديدة إذا كانت مدخلاته محدودة، وكلما توسعت معرفة الكاتب في التاريخ والاقتصاد والسياسة وعلم النفس والاجتماع والفنون والتقنية والرياضة والعلوم، ازدادت قدرته على الربط بين مجالات مختلفة، ولذلك فإن صانع المحتوى الذي يقرأ في تخصصه فقط قد يصبح جيداً في إعادة إنتاج المعرفة، بينما يستطيع الذي يقرأ خارج تخصصه أن ينتج روابط جديدة، وفي تقديري أن القراءة خارج التخصص ليست ترفاً، وإنما استثمار مباشر في مخزون الأفكار، لأنها توسع قدرة المبدع على رؤية الموضوع من زوايا غير مألوفة، وتساعد البيانات والأرقام على اكتشاف القصص، فوجود رقم غير متوقع قد يكون بداية تقرير كامل، والمقارنة بين رقمين قد تكشف ظاهرة، والتغير في مؤشر خلال عدة سنوات قد يقدم قصة أقوى من عشرات الآراء، ولهذا يجب على صانع المحتوى ألا يقرأ التقرير بحثاً عن المعلومة فقط، بل أن يقرأه بحثاً عن الفجوة والاتجاه والمفارقة، لأن الرقم الذي لا يثير سؤالاً قد يكون مجرد معلومة، أما الرقم الذي يثير سؤالاً فهو بداية فكرة إعلامية، ويمكن تحويل البيانات إلى أسئلة مثل، لماذا ارتفع هذا الرقم؟، لماذا انخفض؟، من المستفيد؟، من المتضرر؟، هل يتكرر الاتجاه في مناطق أخرى؟، وما الذي يمكن أن يحدث إذا استمر؟
ومن هنا تتحول الأرقام من مادة جامدة إلى مدخل للقصة، ومن المهم أن تتحول الفكرة إلى قصة، لأن الفكرة المجردة قد لا تكفي لصناعة محتوى جذاب، فإذا قلنا مثلاً، ارتفاع استخدام الذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى، فهذا موضوع، أما إذا قلنا، كيف تغير اليوم صانع المحتوى بعد إدخال الذكاء الاصطناعي في 5 مهام؟، فقد بدأنا في بناء قصة، وإذا قلنا، التغير المناخي يؤثر في الزراعة، فهذا موضوع، أما إذا بحثنا عن مزارع يواجه تغيراً في محصوله ونقارن تجربته بالبيانات العلمية، فقد أصبح لدينا محتوى يحمل شخصية وتجربة وسؤالاً ونتيجة، ولذلك يحتاج صانع المحتوى إلى الانتقال من الموضوع إلى السؤال، ومن السؤال إلى الشخصية، ومن الشخصية إلى القصة، ومن القصة إلى المعنى الذي يريد الجمهور الاحتفاظ به بعد انتهاء المادة، وهنا تظهر أهمية الزاوية، فقد يكون الحدث واحداً، لكن يمكن أن توجد عشرات الزوايا، سياسية واقتصادية واجتماعية وإنسانية وأمنية وثقافية وتقنية وبيئية، وإذا كان المحتوى الإخباري يركز غالباً على تقديم الحدث، فإن المحتوى التفسيري والوثائقي يستطيع أن يسأل عن الأسباب والنتائج والآثار والمستقبل، وهذا يفتح مجالاً واسعاً للإبداع، وأرى أن كثيراً من مشكلات المحتوى لا تكمن في نقص الموضوعات، وإنما في ضعف الزوايا، فالموضوع الواحد يمكن أن ينتج عدة مواد مختلفة إذا تغير السؤال المركزي، كما أن اختيار الزاوية يجب أن يرتبط بالمنصة والجمهور، فالزاوية التي تصلح لفيلم وثائقي طويل قد لا تناسب مقطعاً قصيراً، والزاوية التي تنجح في منصة اجتماعية قد تحتاج إلى معالجة أكثر عمقاً في تقرير تلفزيوني.
وفي العصر الحالي دخل الذكاء الاصطناعي بقوة في عملية توليد الأفكار، وأصبح قادراً على اقتراح عناوين وزوايا وأسئلة وصيغ متعددة خلال وقت قصير، لكن هذا التطور لا يعني أن الإنسان أصبح غير ضروري، بل إن قيمة الحكم البشري أصبحت أكثر أهمية، ويؤكد تقرير «أدوات المبدعين 2026» الصادر عن شركة أدوبي، استناداً إلى مسح شمل أكثر من 16 ألف مبدع في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا وكوريا الجنوبية واليابان والهند وأستراليا، أن 87 % من المبدعين الذين يستخدمون الذكاء الاصطناعي الإبداعي قالوا إنه سرّع نمو أعمالهم أو جمهورهم، بينما وصف 75% منهم الذكاء الاصطناعي بأنه مدمج أو أساسي في طريقة عملهم، «المصدر- شركة أدوبي، الولايات المتحدة، تقرير «أدوات المبدعين 2026»، 16 يونيو 2026».
وتؤكد الدراسة أيضاً أن 93 % يرون أن الذكاء الاصطناعي يساعدهم على إنتاج المحتوى بسرعة أكبر، بينما قال %35 إنه يمنحهم حرية أكبر للتجريب قبل طرح الأفكار، وهذا يجعله أداة لتوسيع العصف الذهني، بشرط أن يبقى الاختيار والتطوير بيد المبدع، لكن الخطر يبدأ عندما يتحول استخدام الذكاء الاصطناعي من مساعد على التفكير إلى بديل عن التفكير، فإذا طلب المبدع 10عناوين واختار أول عنوان يبدو مناسباً، فإنه لم يستخدم التقنية لتوسيع الإبداع، وإنما استخدمها لتقليل الجهد، أما الاستخدام الإبداعي الحقيقي فيبدأ عندما يطلب زوايا متعارضة، وأسئلة غير مألوفة، وافتراضات مختلفة، ثم يختبر هذه المقترحات مقابل معرفته بالجمهور والموضوع، ولهذا فإن أفضل طريقة لاستخدام الذكاء الاصطناعي في توليد الأفكار ليست أن نسأله، أعطني فكرة، وإنما أن نسأله، أعطني 10 طرق مختلفة لمعالجة هذه المشكلة، وما الافتراض الذي تقوم عليه كل طريقة؟، وما الذي يمكن أن يجعل الجمهور يهتم بها؟، وما نقاط ضعفها؟، ثم يبدأ العمل البشري الحقيقي في الاختيار والتطوير، وتكتسب هذه النقطة أهمية أكبر لأن التقرير نفسه يوضح أن %85 من المبدعين يرون أن القرار الإبداعي النهائي يجب أن يبقى دائماً بيد المبدع، كما يرى %81 أن الحكم البشري يظل ضرورياً لصناعة الذوق الإبداعي، «المصدر ـ شركة أدوبي، الولايات المتحدة، تقرير «أدوات المبدعين 2026»، 16 يونيو 2026»، وهذا يعني أن الذكاء الاصطناعي قد يكون شريكاً في اقتراح البدائل، لكنه لا ينبغي أن يصبح صاحب القرار في هوية المادة أو رسالتها أو قيمتها، وفي تقديري أن هذه القاعدة ستصبح أكثر أهمية مع تطور الأنظمة القادرة على تنفيذ مهام متعددة بصورة مستقلة.
كما تكشف الدراسة أن %57 من المبدعين يقولون: إن مخرجات الذكاء الاصطناعي تحتاج عادة إلى تعديلات متوسطة أو واسعة قبل أن تصبح جاهزة للمشاركة مع الجمهور، وهذه النتيجة مهمة لأنها تفرق بين سرعة توليد المسودة وجودة المنتج النهائي، فالمحتوى الذي يخرج بسرعة ليس بالضرورة محتوى صالحاً للنشر، وقد يحتاج إلى تدقيق معلوماتي ولغوي وبصري وتحريري، كما يحتاج إلى التأكد من ملاءمته للهوية الإعلامية والجمهور، وأرى أن أفضل نموذج للعمل هو أن يتولى الذكاء الاصطناعي توسيع الخيارات وتسريع المهام الأولية، بينما يتولى الإنسان مسؤولية التحقق والتحرير والقرار النهائي، ومع زيادة استخدام الذكاء الاصطناعي تصبح مشكلة التميز أكثر صعوبة، فقد قال 53% من المبدعين الذين يرون أن إبراز أعمالهم أصبح أصعب إن حجم المحتوى هو أحد الأسباب، بينما قال %42: إن المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي يجعل من الصعب على الأصوات الفريدة أن تبرز، «المصدر- شركة أدوبي، الولايات المتحدة، تقرير «أدوات المبدعين 2026»، 16 يونيو 2026»، وهذا يعني أن المستقبل لن يكافئ بالضرورة من ينتج أكبر كمية، بل من يمتلك زاوية أو صوتاً أو تجربة يصعب استنساخها، ولذلك فإن توليد الأفكار يجب أن يتجه نحو الأصالة لا نحو الكثرة فقط، وتشير نفس الدراسة الدراسة في المقابل إلى أن 58% من المبدعين يرون أن قدرتهم على منافسة الفرق والاستوديوهات الأكبر أصبحت أقوى بعد استخدام الذكاء الاصطناعي، وأن 85% يرون أن الأعمال التي ينتجونها بمساعدة الذكاء الاصطناعي لا تزال تعكس صوتهم الإبداعي الخاص، وأعتقد أن هذه النتيجة تمنح المبدع الفرد فرصة تاريخية، لأن الأدوات الحديثة تقلل بعض الفوارق المرتبطة بالموارد والوقت، لكنها في الوقت نفسه تجعل الهوية الشخصية أكثر أهمية، فحين يستطيع الجميع إنتاج صورة أو فيديو أو نص بسرعة، يصبح السؤال الأهم، ماذا لديك أنت ولا يستطيع الآخرون تقديمه بالطريقة نفسها؟.
ولهذا فإن توليد الأفكار الإبداعية في صناعة المحتوى ليس عملية بحث عشوائي عن فكرة غريبة، وإنما نظام يبدأ بالملاحظة، ثم السؤال، ثم جمع المعلومات، ثم الربط بين المجالات، ثم تحديد الزاوية، ثم تحويلها إلى شخصية وقصة، وبعد ذلك اختبارها مع الجمهور والمنصة والهدف، وأرى أن المؤسسة التي تريد تطوير محتواها يجب ألا تكتفي بتدريب الموظفين على أدوات الإنتاج، بل عليها أن تدربهم على التفكير نفسه، لأن التقنية تستطيع تسريع ما يعرفه الإنسان، لكنها لا تضمن أن ما يفعله يستحق أن يراه الجمهور.
أخيراً
أعتقد أن أهم مهارة لصانع المحتوى مستقبلاً لن تكون القدرة على إنتاج أكبر عدد من الأفكار، وإنما القدرة على تمييز الفكرة التي تستحق أن تتحول إلى محتوى، فالفكرة القوية تحمل سؤالاً واضحاً، وزاوية مختلفة، وقيمة للجمهور، وإمكاناً للتنفيذ، والذكاء الاصطناعي يساعد في توسيع الاحتمالات، لكنه لا يمنح الفكرة روحها أو يقرر لماذا تستحق أن تروى، ولذلك يستخدمه المبدع لكي يفكر أكثر، لا لكي يفكر أقل، ويستخدم سرعتها ليمنح نفسه وقتاً أطول للبحث والسرد والتحقق، وفي تقديري أن هذه هي المعادلة التي ستحدد مستقبل صناعة المحتوى، إنسان يقود الفكرة، وتقنية توسع احتمالاتها، وجمهور يختبر قيمتها، ومحتوى ينجح لأنه يحمل معنى لا لأنه أنتج بسرعة.
** **
- دكتوراه صحافة وإعلام