د. غالب محمد طه
قرأت قبل أيام مقالًا لبيل غيتس عن الذكاء الاصطناعي ومخاوفه مما ينتظر العالم في السنوات المقبلة. لا تندهش، صديقي القارئ؛ نعم، بيل غيتس نفسه، الرجل الذي ارتبط اسمه لعقود بتسريع التكنولوجيا ودفعها إلى الأمام، هو الذي كتب هذه المرة محذرًا من أن العالم دخل عصرًا مضطربًا، وأن الخيارات التي نتخذها الآن ستحدد كثيرًا مما سيأتي.
نشر غيتس مقاله في 26 أغسطس على مدونته «Gates Notes»، تحت عنوان: «عصر الذكاء الاصطناعي المضطرب قد حان.. والخيارات التي نتخذها الآن حاسمة». والمقال، الذي يقترب من ستة آلاف كلمة، لا يتعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه قصة نجاح تقنية فقط، وإنما يحاول النظر إلى الوجه الآخر للتحول: ماذا يمكن أن يقدم للبشر، وماذا يمكن أن يأخذ منهم؟
لكن ما استوقفني لم يكن تحذيره من اختفاء بعض الوظائف، ولا مخاوفه من التزييف والتضليل، ولا حتى قلقه على الأطفال والعلاقات الإنسانية. استوقفتني فكرة تبدو صغيرة في ظاهرها، لكنها تفتح بابًا واسعًا: أن نقرر أن هناك مجالات تظل «محجوزة للإنسان»، حتى عندما تصبح الآلة قادرة على القيام بها..
.. وهنا، في رأيي، يبدأ السؤال الذي يخصنا نحن.
تخيل أن تدخل مستشفى في المستقبل، فيستقبلك نظام ذكي، يقرأ تاريخك الطبي، يحلل فحوصك، يشخص المرض ويكتب العلاج. كل شيء يتم بسرعة ودقة ربما تفوق ما يستطيع الطبيب البشري فعله.
ثم يخبرك النظام، بصوت هادئ ومحايد، أنك مصاب بمرض لا شفاء منه.
من الذي سيجلس إلى جوارك في تلك اللحظة؟
قد يبدو السؤال عاطفيًا في زمن نتحدث فيه عن الكفاءة والدقة وخفض التكلفة. لكنه يذهب، في الحقيقة، إلى قلب المسألة.
غيتس يقترح أن هناك أعمالًا ينبغي أن تظل للإنسان، ويسمي هذا المجال «Human Reserved»؛ أي مجالًا نقرر أن نحجزه للبشر، لا لأن الآلة عاجزة عنه، وإنما لأن تسليم بعض المهام إليها قد تكون خسارته أكبر من فائدته.
الفكرة تستحق التوقف، لكنها في رأيي ليست نهاية النقاش، بل بدايته.
فالمشكلة التي قد نواجهها مع الذكاء الاصطناعي ليست فقط أن الآلة ستصبح أكثر شبهًا بالإنسان، وإنما أن الإنسان نفسه قد يصبح أقل حاجة إلى ممارسة الأشياء التي تجعله إنسانًا.
فالآلة تستطيع أن تشرح الدرس، لكن التعليم ليس شرحًا للمعلومة فقط. ويمكنها أن تنجز معاملة المواطن خلال ثوانٍ، لكن الخدمة العامة لا تختصر في إنهاء معاملة. وفي المستشفى تستطيع قراءة آلاف الصور الطبية، وربما بدقة مذهلة، لكن الرعاية الصحية تظل أكثر من مجرد تشخيص. وحتى حين تتحدث مع شخص وحيد طوال الليل، لا يعني ذلك بالضرورة أنك منحتَه علاقة إنسانية.
من هنا يصبح اقتراح «المجال المحجوز للإنسان» أكثر تعقيدًا مما يبدو.
فمن يقرر ما الذي نحجزه؟
ليست المسألة تقنية يحسمها مهندس، ولا تجارية تحددها الشركة صاحبة المنتج. إنها مسألة تمس المجتمع والسياسة والأخلاق في وقت واحد.
الشركات ستبحث عن الكفاءة، والمنافسة ستدفع نحو خفض التكلفة، والحكومات ستجد في الأتمتة فرصة لتقليل النفقات وتسريع الخدمات. وفي الطرف الآخر إنسان قد يجد نفسه خارج سوق العمل، أو داخل وظيفة تغيرت ملامحها، أو أمام آلة تقوم بعمل أداه طوال حياته.
لهذا أخشى أن تتحول فكرة «المحجوز للإنسان» نفسها إلى امتياز جديد إذا لم ننتبه.
قد تستطيع المجتمعات الغنية أن تقول إن بعض الخدمات الإنسانية لا ينبغي أن تؤتمت، بينما تذهب التقنية نفسها إلى مجتمعات أقل قدرة على التفاوض، فتُفرض عليها الأتمتة باعتبارها الطريق الأرخص والأسرع. وقد نجد أنفسنا أمام عالمين: عالم يستطيع أن يدفع مقابل الخدمة الإنسانية، وعالم آخر تقدم له الآلة باعتبارها البديل الوحيد المتاح.
وهنا يصبح الأمر أكبر من سؤال تقني. إنه يتعلق بمن يملك القدرة على وضع القواعد، ومن يملك القدرة على مخالفتها.
وهذا ما يجعل النقاش مهمًا في العالم العربي.
لسنا مطالبين بأن ننتظر حتى تنتهي الولايات المتحدة وأوروبا من رسم حدود العلاقة بين الإنسان والآلة، ثم نستورد تلك الحدود مع التقنية. سوق العمل العربي له ظروفه، والتعليم العربي له مشكلاته، والإدارة الحكومية لها طبيعتها، والعلاقات الاجتماعية لها وزنها الذي لا يمكن تجاهله.
إذا دخل الذكاء الاصطناعي إلى التعليم، مثلًا، فلن تكون القضية أن الطالب أصبح قادرًا على كتابة بحث في ثوانٍ. الأهم أن يبقى قادرًا على التفكير في البحث، والشك في المعلومة، ومناقشة الفكرة، والاختلاف مع صاحبها، وبناء رأي من خلال المعرفة لا من خلال إجابة جاهزة.
أما في الحكومة، فالقضية لا ينبغي أن تكون مجرد استبدال الموظف بالشاشة. هناك أعمال روتينية تستنزف الموظف والمراجع معًا، ويمكن للتقنية أن تتولاها، فيبقى للإنسان وقت ومساحة أكبر للحالات التي تحتاج إلى فهم وحكم ومرونة.
وقد تكون بعض الوظائف قابلة للاستبدال تقنيًا، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنها ينبغي أن تُستبدل.
غيتس نفسه يستعيد في مقاله تجربته مع والده الذي عانى من الزهايمر، ويتحدث عن مقدمي الرعاية الذين كانوا يفهمون احتياجاته حتى عندما لم يعد قادرًا على التعبير عنها بوضوح. كان بإمكان آلة متطورة أن تؤدي بعض المهام، وربما تؤدي بعضها بكفاءة أعلى، لكن هناك شيئًا في تلك الرعاية لا تقيسه جداول الأداء.
إنها معرفة الإنسان بالإنسان.
ولعل الإعلام يستحق أن نتوقف عنده هنا.الخطر ليس أن يكتب الذكاء الاصطناعي خبرًا أسرع من الصحفي؛ فهذه مسألة مهنية يمكن التعامل معها، وسيجد الصحفي نفسه مضطرًا إلى إعادة تعريف قيمته ومهاراته. الأخطر أن تصبح الآلة قادرة على صناعة روايات كاملة بالصوت والصورة والنص، ثم تقديمها لكل شخص بالطريقة التي تجعله أكثر استعدادًا لتصديقها.
عندها لن تكون المعركة على سرعة الوصول إلى الخبر، وإنما على الثقة نفسها.فالذي يفقد قدرته على التمييز بين ما حدث فعلًا وما صُمم له كي يصدقه، لن يحتاج إلى من يمنعه من المعرفة. يكفي أن تغمره المعلومات إلى الحد الذي يصبح معه عاجزًا عن معرفة أيها يستحق أن يصدق.
وهذه، في تقديري، واحدة من القضايا التي ينبغي أن تشغل الإعلام العربي الآن. ليس فقط كيف يستخدم الصحفي الذكاء الاصطناعي، وإنما كيف يحافظ على قيمة التحقق، وعلى معنى المصدر، وعلى المسؤولية المهنية، وعلى ثقة الجمهور في زمن يمكن فيه إنتاج صورة أو تسجيل صوتي أو قصة كاملة خلال دقائق.
والأمر لا يتوقف عند الإعلام.
فالآلة التي لا تغضب منك، ولا ترفضك، ولا تدفعك إلى الخروج من منطقة راحتك، قد تكون رفيقًا مريحًا جدًا للطفل. لكنها لا تمنحه بالضرورة ما يتعلمه من علاقاته الحقيقية مع الآخرين.
فالطفل يتعلم الصبر لأن شخصًا آخر لا يوافقه. ويتعلم الاعتذار لأن أحدًا غضب منه. ويتعلم التفاوض لأن الآخرين لا يستجيبون دائمًا لما يريد. ويتعلم التعاطف لأنه يرى الألم في وجه إنسان آخر.
إذا جعلنا الآلة أكثر راحة من الإنسان في كل شيء، فقد نكتشف بعد سنوات أننا لم نجعل حياة أطفالنا أسهل فقط، بل جعلناهم أقل استعدادًا للحياة نفسها.
لهذا لا أرى أن القضية العربية مع الذكاء الاصطناعي ينبغي أن تختزل في الوظائف التي ستختفي. هذه قضية مهمة، لكنها ليست كل الصورة.فما يحدث يمس أشياء أوسع: التعليم، والثقة، والإعلام، والعلاقات، والخصوصية، والكرامة، وطريقة إدارة الدولة، وحتى الطريقة التي سيعرّف بها الإنسان نفسه في مجتمع لم تعد فيه المعرفة حكرًا عليه.والتحول هذه المرة سريع على نحو مختلف.
الثورات التقنية السابقة منحت المجتمعات وقتًا أطول للتكيف معها. أما الذكاء الاصطناعي فيدخل إلى أعمال تعتمد على اللغة والمعرفة والتحليل، وهي أعمال كانت تبدو حتى وقت قريب من أكثر المجالات التصاقًا بالقدرات البشرية. ولذلك قد نجد أنفسنا أمام تغيرات مهنية واجتماعية واسعة خلال سنوات قليلة، لا خلال أجيال.
وهذا يجعل التأخر في النقاش أكثر كلفة.
لا يكفي أن نكون مستهلكين جيدين للتقنية. نحتاج أيضًا إلى أن نكون طرفًا في تحديد الطريقة التي تدخل بها حياتنا.
ليس المقصود أن نضع قائمة طويلة من الممنوعات، ولا أن نوقف التطور. سيكون ذلك غير واقعي، وربما غير حكيم. ما نحتاجه هو أن تدخل المؤسسات العربية والجامعات ووسائل الإعلام وأصحاب العمل والمشرعون والمجتمع نفسه في النقاش قبل أن تتحول الخيارات التقنية والاقتصادية إلى أمر واقع يصعب التراجع عنه.
والأهم ألا نكتفي باستيراد التقنية ومعايير استخدامها معها.
فما يصلح لمجتمع قد لا يصلح لآخر. وما قد يكون خيارًا اقتصاديًا مناسبًا في دولة تعاني نقصًا حادًا في الأيدي العاملة، قد يكون له أثر مختلف تمامًا في دولة تعاني أصلًا من ارتفاع البطالة بين الشباب.
نحن بحاجة إلى أن ندخل هذا النقاش بصوتنا نحن، لا أن نكتفي بمشاهدة الآخرين وهم يرسمون حدوده.
أما غيتس، فقد ذهب في مقاله إلى أبعد من التحذير. تحدث عن الحاجة إلى أطر وطنية ودولية لإدارة الانتقال، وعن إعادة النظر في العلاقة بين العمل ورأس المال والضرائب، وعن احتمال بقاء بعض الأعمال بشرية حتى مع قدرة الآلة على أدائها.
لكن في السياق العربي، لا أعتقد أن المطلوب هو نسخ هذه الأفكار كما هي.
المطلوب، قبل كل شيء، ألا يأتي مستقبلنا جاهزًا من الخارج. أن نحدد نحن ما نريد حمايته في التعليم والعمل والإعلام والرعاية والخدمة العامة، وأن نعرف أين نستخدم الآلة لتوسيع قدرة الإنسان، وأين يصبح تدخلها خصمًا من قيمة إنسانية لا يمكن قياسها بسرعة الإنجاز وحدها.
فالذكاء الاصطناعي ليس قدرًا مكتوبًا علينا أن نقبله كما يأتي.
إنه أداة ضخمة، وستكون طريقة استخدامها انعكاسًا للقيم التي نضعها حولها.
قد يكون أعظم فرصة لتحرير الإنسان من الأعمال التي تستنزف وقته، وقد يكون أيضًا أسرع وسيلة لتحويل الإنسان إلى مجرد تكلفة يمكن الاستغناء عنها.
والفارق بين الاحتمالين لن تصنعه الآلة وحدها.سيصنعه القرار البشري.
وهنا أعود إلى بيل غيتس نفسه.
الرجل الذي ارتبط اسمه لعقود بالتكنولوجيا وتسريعها، والذي كان جزءًا من الثورة التي جعلت الآلة أقرب إلى تفاصيل حياتنا من أي وقت مضى، يتوقف اليوم عند سؤال مختلف: ما الذي لا ينبغي أن نتركه للآلة، حتى لو أصبحت قادرة على القيام به؟ربما لهذا كانت تجربة والده حاضرة في مقاله. فهناك أشياء لا تظهر قيمتها في سرعة الإنجاز ولا في دقة النتيجة. هناك أشياء نحتاج فيها إلى إنسان يفهم إنسانًا آخر، لا إلى نظام يعرف عنه كل شيء.
وقد يأتي اليوم الذي يقرأ فيه نظام ذكي تاريخ المريض، ويفحص صوره، ويصل إلى التشخيص قبل الطبيب، وربما يشرح له حالته بصورة أفضل وأسرع. لا أرى في ذلك مشكلة في حد ذاته؛ بل قد يكون إنجازًا ينقذ حياة.
لكنني لا أريد أن نكتشف، بعد أن نمنح الآلة كل ما تستطيع فعله، أننا منحناها أيضًا أشياء لم يكن ينبغي أن نمنحها إياها.
فحين يخبر النظام ذلك المريض بأن مرضه لا شفاء منه، ستبقى هناك لحظة لا تتعلق بالتشخيص ولا بالدقة ولا بسرعة المعالجة.
لحظة يحتاج فيها الإنسان إلى إنسان.
وربما هنا تكمن الإجابة عن السؤال الذي طرحه بيل غيتس بطريقته: ليست القضية فقط ما تستطيع الآلة أن تفعله، وإنما ما الذي نختار نحن ألا نطلب منها أن تفعله.
ومن الذي سيجلس إلى جوار ذلك المريض؟
ربما يكون هذا أول ما يجب أن نحجزه للإنسان.