د. خالد بن محمد الصغير
تشكّلت سياسات تعليم اللغة الإنجليزية وتطوّرت عبر العقود انطلاقاً من مسلّمة رئيسة، مفادها أن إتقان هذه اللغة يشكّل مفتاحاً للوصول إلى المعرفة العالمية، والتواصل الدولي، وفرص التعليم، والعمل.
وبناءً على ذلك، ركّز التخطيط اللغوي على توسيع نطاق التدريس، وتطوير المناهج، وإعداد المعلمين، ورفع كفاءة المتعلمين، غير أن البيئة التي نشأت فيها هذه المسلّمات لم تعد كما كانت؛ فالذكاء الاصطناعي يقتحم اليوم الفصول الدراسية وأماكن العمل، وتتطوّر أدوات الترجمة الفورية، وتظهر نماذج لغوية تؤدي مهام الكتابة والتلخيص والشرح والمحادثة بلغات متعددة بطلاقة.
وهذا التحوّل يُخرجنا من مسألة «أهمية الإنجليزية» إلى سؤال أكثر إلحاحاً: هل ما زالت الفروض التي قامت عليها منظومة تعليمها صالحةً في عصر يُعيد فيه الذكاء الاصطناعي تعريف معنى «إتقان اللغة» نفسه؟ والجواب، كما يبدو، لا ينحصر في نعم أو لا؛ فليس المقصود أن أهمية الإنجليزية قد تراجعت، بل أن طبيعة الحاجة إليها آخذة في التغير.
فلم يعد إتقان اللغة في كثير من السياقات كافياً لتحقيق الأهداف التعليمية والمهنية التي ارتبطت بتعلّمها؛ بل صار جزءاً من منظومة كفايات أوسع، تشمل: التفكير النقدي، وتحليل المعلومات، والتواصل بين الثقافات، وحل المشكلات، إضافةً إلى القدرة على توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي بوعي وفاعلية. وخلاصة القول: إن اللغة لا تفقد قيمتها أمام التقنية، كما أن التقنية لا تلغي الحاجة إلى الكفاءة اللغوية؛ لكن العلاقة بينهما تعيد تشكيل نفسها، ومعهما تُعاد صياغة المهارات التي ينبغي لتعليم الإنجليزية أن يستهدفها.
ومن هنا، لم يعد التخطيط اللغوي معنيّاً بالسؤال التقليدي: «كيف نزيد عدد متعلمي الإنجليزية ونرفع مستويات كفاءتهم؟» فالسؤال الأكثر إلحاحاً اليوم هو: «ما نوع الكفايات اللغوية التي يحتاجها المواطن في عصر الذكاء الاصطناعي؟» وهذا الانتقال من سؤال الكم ومستوى الإتقان إلى سؤال نوع الكفاية ووظيفتها يمثل تحولاً جوهرياً في طريقة التفكير في تعليم الإنجليزية وأهدافه.
وهذا التحول يفرض مراجعة عدد من المسلمات التي قامت عليها المناهج وأساليب التقويم؛ ففي وقت تستطيع فيه أدوات الذكاء الاصطناعي إنتاج نصوص متقدمة خلال ثوانٍ، هل يبقى للحفظ والاستظهار مكانهما في المناهج؟ وهل ما تزال الاختبارات التقليدية تقيس المهارات التي يحتاج إليها الخريجون فعلًا في الجامعة وسوق العمل؟ لكن ربما كان السؤال الأعمق هو: هل يكفي أن نقيس مقدار ما يعرفه المتعلم من مفردات وقواعد، أم ينبغي أن نقيس أيضًا قدرته على توظيف اللغة مع التقنيات الحديثة، والتحقق من مخرجاتها، وتقييمها، واستخدامها بصورة نقدية وأخلاقية وفعالة؟
إن هذه الأسئلة، في النهاية، لا تتعلق بإلغاء المهارات اللغوية الأساسية، بل بإعادة النظر فيما نعدّه، في المقام الأول، «كفاءة لغوية» حقيقية في زمن لم تعد فيه اللغة ملكاً حصرياً للإنسان.
وعليه، فإن التخطيط اللغوي الفاعل لا يقتصر على إعداد المتعلم لاستخدام اللغة وفق متطلبات الماضي، بل يستشرف الوظائف التي ستؤديها اللغة في المستقبل. فالطالب الذي سيتخرج بعد سنوات سيدخل سوق عمل وبيئة معرفية قد تختلف بدرجة كبيرة عن تلك التي صُممت لها كثير من المناهج الحالية.
ومن ثم، ينبغي أن تصبح المرونة، والتعلم المستمر، والقدرة على التحقق من المعلومات، والتعامل النقدي مع مخرجات الذكاء الاصطناعي، والتعاون الفاعل مع التقنيات الذكية، جزءاً من الأهداف الجوهرية التي يضعها التخطيط اللغوي لتعليم الإنجليزية، لا مجرد إضافات هامشية.
وهذا المسار يجد أرضية خصبة في المملكة العربية السعودية، حيث يشهد قطاع التعليم تحولاً رقمياً متسارعاً، ويتزايد حضور تقنيات الذكاء الاصطناعي في التعليم والتدريب.
وهنا تبرز فرصةٌ لإعادة التفكير في أهداف تعليم الإنجليزية ومخرجاته، ليس بمعنى التخلي عن بناء الكفاءة اللغوية، بل بتوسيع مفهومها بحيث يتكامل مع الكفاءة الرقمية، والقدرة على توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي، وتقييم مخرجاتها نقدياً.
ومن هذا المنظور، يمكن للتخطيط اللغوي أن ينتقل من التركيز على رفع مستوى اللغة فحسب، إلى إعداد متعلم قادر على استخدام الإنجليزية بفاعلية داخل بيئة معرفية ومهنية تعتمد بصورة متزايدة على التقنيات الذكية.
ولذلك، لم يعد السؤال الذي ينبغي أن يشغل الباحثين وصناع القرار هو: «كيف نُعلِّم الإنجليزية؟» فحسب، بل: «كيف نُعيد تعريف أهداف تعليم الإنجليزية في عالم تغيّرت فيه طبيعة المعرفة والعمل والتواصل؟» فالتحدي الحقيقي لا يكمن في مجرد مواكبة التقنية، وإنما في إعادة تصميم السياسات اللغوية بحيث تحدد بوضوح ما الذي ينبغي أن يتعلمه الطالب، وما الذي ينبغي أن يستطيع فعله باللغة في عالم تتشارك فيه القدرات البشرية والتقنيات الذكية.
فالمستقبل لا يتطلب منا التخلي عن الإنجليزية، وإنما إعادة التفكير في القيمة التي نريد من تعلمها أن ينتجها.
وأعظم أخطاء التخطيط اللغوي ليست ضعف التنفيذ فحسب، بل الاستمرار في التخطيط للإجابة عن أسئلة الأمس، بينما يفرض المستقبل أسئلة جديدة لم تعد تحتمل التأجيل.